إما أن نتجدّد… أو نُستبعد من معادلة المرحلة

شادي حاجي
تدخل سوريا مرحلة يُعاد فيها تعريف شكل الدولة وصلاحياتها وموازين القوة. وفي قلب هذا التحوّل تقف القوى الكردية، بمختلف أحزابها وأطرها السياسية، أمام اختبار حقيقي: هل تكتفي بإدارة الواقع، أم تعيد بناء نفسها لتكون شريكاً فعلياً في صياغته؟
أول الطريق هو الاعتراف بالتحديات: فجوة ثقة بين القواعد والقيادات، وبين القيادات والشعب، وضعف في المؤسسية، واستقطاب سياسي يبدّد الطاقة، وغياب برامج سياسية ودبلوماسية وقانونية واقتصادية تفصيلية. هذه ليست نقاط ضعف للتشهير، بل إشارات إنذار تتطلّب تغييراً عاجلاً.
التغيير هنا ليس ترفاً تنظيمياً، بل شرط بقاءٍ سياسي. المطلوب دمقرطة داخلية حقيقية، وتحديد مددٍ للمناصب، ومساءلة شفافة. كما أن تمكين الشباب والنساء استثمارٌ استراتيجي، لا خطوة رمزية، لأن الشرعية تبدأ من الداخل.
المرحلة المقبلة تحتاج إلى خطاب برنامج، لا خطاب هوية فقط: رؤية سياسية واقتصادية واقعية، وتصور دستوري واضح لموقع الكرد في الدولة السورية بكل مرتكزاتها السياسية والأمنية، وسياسات لغوية وتعليمية وثقافية قابلة للتنفيذ. السياسة الحديثة تُقاس بحلولها، لا بشعاراتها.
كما أن التعددية السياسية، بما فيها واقع مناطق مثل روجافا كردستان، يجب أن تُنظَّم عبر ميثاق مشترك ولجان حوار دائمة، لا أن تتحوّل إلى استنزاف داخلي.
والأهم: لا يمكن دخول أي مسار تفاوضي من دون هيئة دبلوماسية محترفة، مدعومة بمنظومة عمل استشارية تقدّم تحليلات قانونية ودستورية وسيناريوهات مدروسة. القرار القوي هو ما يستند إلى معرفة، لا إلى ردّ فعل.
الخلاصة بسيطة: إما أن نؤسّس لمؤسسة سياسية حديثة، بدبلوماسية فاعلة وعقلٍ استشاري منظّم، أو نُترك على هامش مرحلة تُصاغ من دوننا.
الفرصة ما تزال قائمة… لكن الشجاعة هي الفارق.
وإلى مستقبل أفضل.

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

أمين شيخ كلين ياسادة الأفاضل: نتحدث عن الخيمة، والخيمة مسكن كوجري أو بدوي، يسهل بناؤه، وكذلك نقله في ساعات قليلة، وهي أفضل مسكن لمواجهة الزلازل مهما بلغت قوتها، فالأضرار فيها شبه معدومة. وللخيمة نماذج متعددة: المضافة، وخيمة العزاء، وخيمة الفرح، وخيمة العمال، وخيمة الخدم… ويذكرنا التاريخ بخيمة إبراهيم باشا الملي، التي كانت مقر قيادة الإمارة التي امتدت سلطتها من دير…

أكرم محمد يُمثل التناقض الجذري بين الفكر القومي الكردي التحرري (الكوردايتي) وبين التيار اليساري والشيوعي الكردي أحد أعمق الشروخ البنيوية التي أصابت جسد القضية الكردية طوال القرن الماضي وحتى يومنا هذا؛ حيث يرى الخطاب القومي التاريخي والمعاصر أن هذه الشريحة الآيديولوجية شكلت تاريخياً، وعبر أدوات ناعمة وخشنة، كابحاً حقيقياً وعائقاً وجودياً أمام تحقيق الطموح القومي الأسمى المتمثل في بناء دولة…

خالد حسو اللغة ليست مجرد وسيلة للتواصل بين الناس، بل هي وعاء الذاكرة الجماعية، وخزان التاريخ، والمرآة التي تعكس هوية الشعوب وثقافتها وحضارتها. فكل أمة تحافظ على لغتها إنما تحافظ على وجودها، لأن فقدان اللغة يعني فقدان جزء أساسي من الذاكرة والخصوصية والانتماء. تحتل اللغة الكوردية مكانة عميقة في وجدان الشعب الكوردي، فهي ليست فقط كلمات وجملاً نتبادلها، بل هي…

مهند محمود شوقي على مدى سنوات، اتجه اقتصاد إقليم كوردستان بصورة متزايدة نحو القطاع الخاص، الذي لعب دورًا مهمًا في تعويض النقص في الخدمات والاستثمار خلال مراحل مختلفة. إلا أن هذا التوسع، في بعض القطاعات، ترافق مع اختلالات في السوق، تمثلت في ارتفاع الأسعار، وضعف المنافسة، وظهور حالات احتكار أرهقت المواطن، خاصة في الخدمات الأساسية التي تمس حياته اليومية. منذ…