نورالدين عمر
التقديس في جوهره هو إضفاء صفة “العصمة” أو “الألوهية” أو “الرفعة المطلقة” على شيء ما (شخص، فكرة، أو نص)، بحيث يخرج من دائرة النقد والمساءلة إلى دائرة التسليم التام.
سأحاول توضيح بعض الفوارق الجوهرية بين التقديس الديني والتقديس السياسي، وكيف يتحولان إلى حجر عثرة أمام التغيير:
أولاً: التقديس الديني:
ينبع عادةً من الإيمان بوجود مصدر إلهي أو غيبي، فيتم تقديس النصوص، والأنبياء، والأماكن، أو الرموز الدينية؛ إما بسبب الخوف من العقاب الأخروي، أو الرغبة في التقرب من الله، أو الحفاظ على هوية الجماعة المؤمنة. أما الآلية، فتكون بالاعتماد على “النقل” و”التواتر” بدلاً من “العقل” المحض في المسائل التعبدية.
ثانياً: التقديس السياسي:
هنا تنقل “هالة القداسة” من السماء إلى الأرض، وتحديداً إلى السلطة. فتبدأ عملية تقديس الحاكم، أو الحزب، أو الأيديولوجيا، أو “الزعيم الملهم”، و”قائد الإنسانية”، و”قدس سره”، و”الخالد والمفدى”. ويكون الدافع صناعة الولاء المطلق، والحفاظ على استقرار النظام، أو تعويض نقص الشرعية الشعبية بشرعية “كاريزمية”. أما الآلية المتبعة، فتتمثل في استخدام الماكينة الإعلامية والتعليمية لترسيخ صورة القائد الذي لا يخطئ.
ويمكن توضيح الفروق الجوهرية بينهما باختصار:
فالتقديس الديني مصدره الوحي والنصوص القديمة، وهدفه الخلاص الروحي والامتثال للقيم، وهو ثابت في قيمه إلى درجة كبيرة. أما التقديس السياسي فمصدره البروباغندا وصناعة الصورة الذهنية، وهدفه السيطرة والطاعة ومركزة السلطة، وهو غير ثابت، بل متغير بحسب مصلحة السلطة أو النظام أو القائد.
ورغم أن للتقديس الديني كثيراً من المخاطر، إلا أن التقديس السياسي يبدو أخطر، خصوصاً في هذه المرحلة.
لكن كيف يصبح التقديس عائقاً أمام التطور؟
يتحول التقديس إلى “فرملة” اجتماعية وعقلية تمنع أي محاولة للتغيير، من خلال قتل روح النقد والتشكيك. وقد يعد التشكيك أو طرح الأسئلة في المسلمات (لماذا نفعل هذا؟ وهل هناك طريقة أفضل؟) “تطاولاً” أو “خيانة”. كما يتم التعامل مع أفكار وضعت لزمن معين على أنها صالحة لكل زمان ومكان، مما يجعل المجتمع عاجزاً عن التكيف مع المتغيرات العلمية أو الاقتصادية الحديثة.
وفي السياسة خصوصاً، يتم إلغاء المساءلة؛ فإذا كان الحاكم مقدساً، فإن الفشل ينسب دائماً إلى “المؤامرات الخارجية” أو “تقصير الشعب والكوادر”، ولا يمكن تصحيح المسار لأن “المقدس لا يخطئ”.
ومن أخطر نتائج التقديس صناعة “القطيع”، الذي يفرض نمطاً واحداً من التفكير ويحارب الاختلاف باعتباره “هرطقة” أو “عمالة”، في حين أن التطور يتطلب فردية مبدعة وتنوعاً في الآراء.
لكن ما مخاطر التقديس في المجتمع الكردي عموماً؟
إن التقديس في المجتمع الكردي، نظراً لخصوصية وضعه القومي والسياسي، يحمل مخاطر مضاعفة، تتجاوز مجرد “الجمود الفكري” لتصل إلى تهديد الوجود السياسي والاجتماعي ذاته.
ومن أبرز هذه المخاطر باختصار:
التبعية العمياء للأشخاص، بحيث يتحول الولاء من “القضية الكردية” إلى “القائد” أو “رئيس الحزب”. وهذا يجعل بقاء القضية مرتبطاً ببقاء الشخص، فإذا غاب القائد اعتقد البعض أن المجتمع سيدخل في حالة من الضياع أو الانقسام الحاد.
تعميق الانقسام الحزبي والمناطقي، لأن التقديس السياسي غالباً ما يكون مجزأً؛ فكل جهة تقدس رموزها الخاصة. وهذا يؤدي إلى تحول الاختلاف السياسي إلى عداء مقدس، ويصعب تحقيق الوحدة الوطنية وترتيب البيت الكردي، إذ يعد نقد “الرمز” من الطرف الآخر إهانة لا تغتفر.
شلل العقل النقدي، فبدلاً من إنتاج جيل من المثقفين والمبتكرين، ينتج التقديس جيلاً من المصفقين والمطبلين. وهذا يمنع مراجعة الأخطاء التاريخية أو الإخفاقات الإدارية، إذ ينظر إلى أي محاولة لتصحيح المسار على أنها “خيانة” للثوابت أو للرموز.
استغلال العاطفة القومية، حيث تستخدم “قدسية القضية” أو “دماء الشهداء” درعاً لحماية مصالح ضيقة أو للتغطية على قضايا الفساد وسوء الإدارة. وهنا يصبح التقديس وسيلة لإسكات أي صوت معارض يطالب بالإصلاح والتغيير والحقوق المدنية والعدالة الاجتماعية.
إعاقة التحول الديمقراطي، لأن الديمقراطية تقوم على المساءلة وتداول السلطة، بينما يقوم التقديس على “التفويض المطلق”. وهذا يخلق بيئة خصبة للدكتاتوريات الصغيرة داخل الأحزاب، ويبعد الحلم الكردي عن بناء كيانات سياسية عصرية تحترم حقوق الفرد.
الخلاصة: “المجتمعات التي تضع أفكارها في قفص القداسة تحكم على عقولها بالبقاء في الماضي” .