هوزان يوسف *
يتناول هذا المقال واقع اللغة الكردية في سوريا تحديدًا، في ضوء التطورات السياسية الأخيرة هناك، وبمناسبة اليوم العالمي للغة الأم (21 فبراير).
سأل أحد المتابعين سؤالًا يبدو بسيطًا: إذا كنتم تريدون لغتكم الكردية، فلماذا تكتبون بالعربية؟ ولماذا تتواصلون بالعربية؟
هذا السؤال في ظاهره لغوي، لكنه في جوهره سياسي وتاريخي. نكتب بالعربية لأن العربية كانت اللغة الرسمية الوحيدة للدولة السورية لعقود طويلة. تعلمنا بها، درسنا مناهجنا بها، تخرّجنا عبرها، وتكوّن وعينا العام من خلالها. أما لغتنا الأم، الكردية، فلم تكن لغة تعليم رسمي شامل، ولا لغة إدارة، ولا لغة قضاء، ولا لغة إعلام مركزي. واللغة التي تُقصى من المدرسة تُقصى تدريجيًا من الحياة العامة.
حين كانت الجبال تحمي اللغة
خلال مئات السنين، ورغم غياب الدولة القومية الكردية، حافظ الكرد على لغتهم. لم تكن لديهم مؤسسات رسمية تحميها، لكن نمط الحياة كان مختلفًا: مجتمعات ريفية وجبلية في الغالب، إلى جانب حضور مديني وحضري قائم في مدن تاريخية، مع تماسك اجتماعي مكّن اللغة من الانتقال طبيعياً بين الأجيال، في ظل احتكاك محدود نسبياً بالمؤسسات المركزية الحديثة، واحتكاك محدود بمؤسسات مركزية موحِّدة للغة. كانت القرية تحمي اللغة، وكانت الجغرافيا حصنًا ثقافيًا. لكن خلال القرن الأخير، تغيّرت قواعد اللعبة.
الدولة الحديثة تغيّر المعادلة
منذ نحو مئة عام، دخلت المنطقة مرحلة الدولة المركزية الحديثة: التعليم أصبح إلزاميًا ومركزيًا، الدولة احتكرت اللغة الرسمية في المدارس والإدارات، الإعلام أعاد تشكيل الوعي الجمعي، والمدن أصبحت مركز الثقل الاجتماعي والاقتصادي. ثم جاء عصر التكنولوجيا، حيث بات الهاتف المحمول يصنع القاموس اليومي لكل فرد. في هذا العصر، اللغة التي لا تملك حضورًا مؤسساتيًا تتراجع بسرعة.
نتائج قرن من التهميش اللغوي
نتيجة غياب التعليم بالكردية في سوريا، واحتكار الدولة للغة الرسمية، تراكمت تأثيرات عميقة: استعرب قسم كبير من الكرد، فقدت أجيال لغتها الأم تدريجيًا، وتآكل الحضور الثقافي للكردية خارج البيئات المغلقة. إذا أُحصي ذوو الأصول الكردية في مختلف المحافظات السورية — في دمشق، حلب، حماة، حمص، اللاذقية، إضافة إلى الجزيرة وعفرين وكوباني — فإن العدد وفق بعض التقديرات قد يصل إلى قرابة عشرة ملايين من ذوي الأصول الكردية، مع غياب إحصاءات رسمية دقيقة تعكس الواقع الديمغرافي، مع الأخذ بعين الاعتبار أن نسبة معتبرة منهم فقدت لغتها عبر العقود. اللغة لم تختفِ فجأة، بل تراجعت لأن المدرسة لم تكن كردية.
مشهد بسيط يكشف خللًا عميقًا
في موقف عابر، كان ثلاثة كرد يتحدثون، ومعهم صديق عربي. قال أحدهم جملة كردية لم يفهمها الآخر. سألهم الصديق بدهشة: ألا تتحدثون الكردية؟ هذا التلعثم ليس ضعفًا فرديًا، بل نتيجة لغياب منهج موحد يعلّم أبناء عفرين وديرك وسري كانيه كما يتعلم أبناء درعا ودير الزور بالعربية. المشكلة ليست في الأفراد، بل في غياب اللغة عن المؤسسة.
لماذا هذا النقاش اليوم؟
في 21 فبراير يحتفي العالم باليوم العالمي للغة الأم. في إقليم كردستان العراق مثلًا، الكردية لغة رسمية دستوريًا وتُدرَّس كلغة أساس في التعليم. أما في سوريا، فما تزال الكردية موضوع جدل بين الاعتراف الرمزي والاعتراف المؤسسي. السؤال إذن ليس: هل نحب لغتنا؟ بل: هل تُحمى لغتنا دستوريًا؟ عندما تكون اللغة خارج المدرسة، تبدأ بالخروج من الحياة.
من المرسوم 13 إلى معركة الأبجدية: هل الاعتراف كافٍ؟
في سياق التطورات الأخيرة في سوريا، صدر المرسوم رقم 13 لعام 2026 عن الرئيس السوري أحمد الشراع، ونصّ على اعتبار الكردية “لغة وطنية” تُدرّس كمادة اختيارية. ثم أصدرت وزارة التربية والتعليم القرار رقم 493 المتضمن التعليمات التنفيذية، والذي يقضي بأن يقوم “المركز الوطني لتطوير المناهج” بإعداد مناهج اللغة الكردية خلال ستة أشهر، لتُعتمد قبل العام الدراسي القادم، على أن تُدرّس ساعتين أسبوعيًا. من حيث الشكل، يبدو ذلك اعترافًا. لكن من حيث الجوهر، هو تقليص لدور الكردية مقارنةً بالواقع القائم في شمال وشرق سوريا منذ أكثر من عشر سنوات.
واقع قائم منذ عقد
بعد نشوء مناطق الإدارة الذاتية عام 2015، أصبحت الكردية لغة رسمية في شمال وشرق سوريا إلى جانب العربية والسريانية. وخلال أكثر من عقد: وُضعت مناهج بالكردية، تأهلت كوادر تعليمية، تخرّج جيل كامل اعتمد الكردية لغة تعليم، وتأسست معاهد وجامعات تدرّس بالكردية. البيئة التعليمية موجودة، والخبرة متراكمة. لذلك فإن حصر الكردية في ساعتين أسبوعيًا لا يُعد تطويرًا، بل تراجعًا عن واقع قائم.
مفارقة الجامعات
أنشأت الإدارة الذاتية عدة جامعات، ومنها جامعة الشرق في الرقة التي تعتمد العربية لغة تعليم. وافقت الحكومة سريعًا على دمج طلبة جامعة الشرق. لكنها لم تحسم حتى الآن مسألة الجامعات والمعاهد التي تعتمد الكردية لغة تدريس. هذه المفارقة تشير إلى أن الإشكالية لا تتعلق بالمؤسسات بحد ذاتها، بل بلغة التعليم.
تسريبات الخلاف
تتحدث تسريبات عن مطالبات بإلغاء المناهج الكردية المعتمدة حاليًا، والعودة إلى مناهج الدولة باللغة العربية، مع الاكتفاء بحصتين للغة الكردية أسبوعيًا. إذا صحت هذه المعطيات، فهي تعكس فجوة واضحة بين مفهوم “اللغة الوطنية” ومفهوم “اللغة الرسمية”. اللغة الوطنية يمكن الاعتراف بها رمزيًا، أما اللغة الرسمية فتعني شراكة فعلية في بنية الدولة.
جدلية الأبجدية الكردية في الإعلام الرسمي
في تطورٍ لافت، وعقب تدشين وكالة الأنباء السورية (سانا) خدمتها الإخبارية باللغة الكردية معتمدةً الأحرف اللاتينية، عادت الوكالة لتبث محتوىً موازياً بالأحرف العربية صفحتها الرسمية على منصة فيسبوك. ورغم أن هذا التباين قد يبدو في ظاهره إجراءً تقنياً بحتاً، إلا أنه يلامس في جوهره عصب الهوية اللغوية.
تاريخياً، شكّل صدور مجلة «هاوار» في دمشق عام 1932، بموجب ترخيص رسمي، منعطفاً مفصلياً استقر معه الكرد في سوريا على اعتماد الأبجدية اللاتينية، مما أسس لتقنين الكتابة الكردية الحديثة قبل أن تخضع اللغة لاحقاً لقيود صارمة في المجال العام. وتكمن المفارقة اليوم في إعادة إنتاج الجدل حول «أبجدية الكتابة» لغةً كانت تتمتع بترخيص رسمي قبل عقود، مما يطرح تساؤلات جوهرية حول مسار الاعتراف الرسمي: هل نحن بصدد استعادة حقيقية لحقوق تاريخية، أم أمام هندسة جديدة لها بصيغة مجتزأة؟ فالأبجدية تتجاوز كونها قالباً شكلياً؛ إذ تُمثل ركيزة في البنية المعرفية للغة وأداة للربط بين الأجيال، وأي مقاربة تتجاهل هذا الاستقرار التاريخي قد تُفضي إلى تشويش غير مبرر في فضاء لغوي استقرت قواعده منذ قرابة القرن.
اللغة الكردية: من الحماية إلى المكانة الدستوريةفي الحادي والعشرين من شباط، يتحدث العالم عن حماية اللغات من الاندثار بوصفها جزءاً من التراث الإنساني المشترك. لكن في الحالة السورية، القضية لا تتعلق فقط بالحماية، بل بالاعتراف الفعلي والمكانة القانونية والدستورية؛ فالمسألة ليست في إضافة ساعات رمزية إلى جدول دراسي، ولا في توصيف لغوي عابر في نص رسمي، بل في موقع اللغة الكردية داخل بنية الدولة ومؤسساتها.
إن السؤال الجوهري هو: هل تكون الكردية لغةً تُدار بها المدرسة والجامعة والمؤسسة، أم تبقى مادة اختيارية على الهامش؟ فخلال أكثر من عقد من الزمن، نشأ واقع لغوي جديد في شمال وشرق سوريا، تخرّجت فيه أجيال وتكوّنت فيه خبرات ومناهج متكاملة. والتراجع عن هذا المسار لا يعني مجرد تعديل إداري، بل إعادة طرح السؤال الذي بدأ به هذا النقاش: لماذا نكتب بالعربية؟
إن اللغة التي لا تُحمى دستورياً تظل رهينة المزاج السياسي، واللغة التي تُختزل إلى مجرد رمز تفقد قدرتها على إنتاج المعرفة وصياغة الهوية معاً. فالكردية ليست قضية ساعات في جدول دراسي، بل هي ركيزة وجود واستحقاق مؤسساتي وطني. إن تثبيت مكانتها الرسمية والبناء على ما تحقق هو الضمان الوحيد للعدالة اللغوية، ففي يوم اللغة الأم، نؤكد أن اللغة ليست مجرد وسيلة تواصل، بل هي جوهر الكيان والوجود.
* كاتب ومحلل سياسي كردي سوري
آرنيم – هولندا