المسألة الكردية بين الوعظ الديني والسياسة (3) النموذج السوري بين المعادلة النظرية واختبار الواقع

عدنان بدرالدين

إذا كانت الحلقة الثانية قد ناقشت حدود الإصلاح في التجربة التركية، فإن هذه الحلقة تنتقل إلى البعد الإقليمي، وتحديدًا إلى النموذج السوري كما يُطرح اليوم بوصفه صيغة أكثر قابلية للاستقرار.

يُقدَّم الطرح الإسلامي في السياق السوري من خلال معادلة ثلاثية تبدو واضحة في صياغتها: الحفاظ على وحدة الأراضي السورية، ترسيخ المواطنة المتساوية، الاعتراف بالحقوق الثقافية، مع دمج أو تفكيك البنى المسلحة ضمن مؤسسات الدولة.

من حيث الصياغة النظرية، تبدو هذه المعادلة متوازنة. فهي ترفض التفتيت، تؤكد المساواة، وتعترف بالتنوع.

لكن السؤال البنيوي لا يتعلق بجمال الصياغة، بل بقابليتها للتحقق في واقع سياسي هش ومعقد كسوريا.

بين الدولة المفترضة والدولة الفعلية

أي حديث عن دمج السلاح في مؤسسات الدولة يفترض وجود دولة جامعة، قادرة على احتواء جميع مكوناتها ضمن عقد سياسي واضح.

غير أن الدولة السورية الحديثة عاشت عقودًا من إنكار الهوية الكردية، وتجريد مئات الآلاف من الجنسية، وفرض سياسات تعريب ممنهجة. وبعد عام 2011، دخلت البلاد في طور من التفكك العميق، حيث تراجعت سلطة المركز، وظهرت قوى مسلحة متعددة، وتداخلت حسابات إقليمية ودولية مع المسار الداخلي.

في مثل هذا السياق، يصبح السؤال بسيطًا في صياغته، عميقًا في دلالته:

أي دولة يُفترض أن تُدمج فيها البنى المسلحة؟

وهل تملك هذه الدولة عقدًا وطنيًا جديدًا، أم أنها ما تزال في طور إعادة التشكل؟

المعادلة النظرية لا تكتمل من دون تعريف طبيعة الدولة التي ستحتضنها.

من القوة إلى الشرعية

يُنتقد النموذج القائم في شمال شرق سوريا بوصفه نتاج ظرف عسكري ودعم خارجي. وهذا توصيف جزئي لا يخلو من الصحة، إذ إن أي كيان تشكل في سياق الحرب يحمل بصمات تلك المرحلة.

لكن في المقابل، لم ينشأ ذلك النموذج في فراغ سياسي، بل في سياق انهيار مؤسسات الدولة، وصعود تنظيمات متطرفة، وغياب إطار وطني جامع قادر على استيعاب المكونات المختلفة.

هنا يظهر الفرق بين القوة والشرعية.

القوة قد تفرض واقعاً مؤقتاً، لكنها لا تنتج عقداً سياسياً مستقراً. والدعوة إلى تفكيك البنى المسلحة لا تصبح خياراً عقلانياً ما لم تقترن بضمانات واضحة تجعل الانتقال من واقع السلاح إلى واقع السياسة انتقالاً آمناً وغير قابل للارتداد.

ومن اللافت أن التطورات الأخيرة، مع بدء تنفيذ تفاهمات يناير 2026، تشير إلى أن هذا النموذج نفسه دخل مرحلة إعادة تشكل بإتجاه تفكيكه تدريجيا، وهو ما يجعل سؤال الضمانات الدستورية والسياسية أكثر إلحاحاً من أي وقت مضى.

من دون تلك الضمانات، يصبح التفكيك مخاطرة وجودية لا إعادة تنظيم مؤسسي.

وحدة البلاد: بين الشعار والعقد

الحفاظ على وحدة الأراضي السورية يُطرح باعتباره أولوية عليا، ولا خلاف على أن تفكك الدول يفتح الباب للفوضى والتدخل الخارجي.

لكن الوحدة ليست مجرد رسم حدود على الخريطة. إنها علاقة ثقة بين المكونات المختلفة.

إذا لم يشعر المكون الكردي بأن هويته وحقوقه مصانة ضمن إطار دستوري واضح، فإن الحديث عن الوحدة يبقى خطابًا سياسيًا لا عقدًا اجتماعيًا.

الوحدة القسرية قد تؤجل الأزمة، لكنها لا تنهيها.

أما الوحدة القائمة على اعتراف متبادل وضمانات دستورية، فهي وحدها القادرة على إنتاج استقرار طويل الأمد.

الحقوق الثقافية وحدودها البنيوية

تؤكد المعادلة المطروحة على الاعتراف بالحقوق الثقافية. وهذا عنصر إيجابي في ذاته، لكنه يحتاج إلى تحديد دقيق.

هل يقتصر الاعتراف على التعليم واللغة؟

أم يمتد إلى مشاركة فعلية في صياغة الدستور؟

أم يتضمن ترتيبات لامركزية سياسية واضحة؟

أم يظل ضمن إطار رمزي لا يمس توزيع السلطة؟

التجربة التركية أظهرت أن الحقوق غير المحصنة دستوريًا تبقى قابلة للارتداد. والسؤال ذاته يطرح نفسه في السياق السوري: هل الاعتراف المطروح مؤطر بضمانات دستورية واضحة، أم أنه يظل ضمن مستوى الصياغة السياسية العامة؟

القضية الكردية في سوريا، كما في تركيا، لا تقف عند الحقوق الثقافية وحدها، بل تتعلق بسؤال الاعتراف والتمثيل وتثبيت المكانة ضمن العقد الوطني.

المحدد الإقليمي وأثره البنيوي

لا يمكن قراءة أي صيغة سورية جديدة بمعزل عن البيئة الإقليمية التي تتحرك داخلها.

فالموقف التركي من الاعتراف الدستوري بالقضية الكردية يشكّل عنصراً حاسماً في المعادلة. في السياق التركي، لا يُنظر إلى الاعتراف القومي الصريح بوصفه تفصيلاً قانونياً قابلاً للتفاوض، بل باعتباره مسألة تمس تعريف الدولة ذاته وهويتها الدستورية. وقد ظل هذا التصور حاضراً عبر التيارات السياسية الرئيسية، مع اختلاف في أدوات المعالجة، لكن دون تجاوز السقف المتعلق بوحدة الهوية الدستورية للجمهورية.

هذا لا يعني غياب النقاش حول الحقوق الثقافية أو تحسين آليات إدارة الشأن العام، لكنه يعني أن جوهر المسألة — أي الإقرار الدستوري بهوية قومية مستقلة وما يستتبعه من إعادة توزيع للسلطة وضمانات سياسية واضحة — يظل خارج نطاق التوافق السياسي العام.

وبما أن تركيا لاعب مباشر في الملف السوري، فإن هذا المحدد لا يبقى شأناً داخلياً، بل ينعكس على تصورها لأي تسوية محتملة في سوريا، ولا سيما فيما يتعلق بوضع الكرد. ويزداد هذا العامل أهمية في ظل التأثير الملحوظ لتركيا على موازين القوة داخل السلطة الجديدة في دمشق، ما يجعل أي صيغة دستورية مقترحة جزءاً من حسابات إقليمية أوسع، لا مجرد توافق داخلي سوري.

وهنا يصبح السؤال واقعياً لا افتراضياً: إلى أي مدى يمكن لأي صيغة سورية جديدة أن تتضمن اعترافاً دستورياً صريحاً بالقضية الكردية، مع ما يترتب عليه من آثار سياسية، من دون أن تدخل في تعقيدات إقليمية إضافية؟

بهذا المعنى، لا يتحدد سقف الحل السوري داخلياً فقط، بل يتأثر أيضاً بتوازنات إقليمية تضبط حدود الممكن السياسي، وتعيد رسم الخط الفاصل بين ما هو قابل للتفاوض وما يُعدّ مساساً بتعريف الدولة ذاته.

الاستقرار: بين السلطة والضمانات

الاستقرار لا يتحقق بوجود سلطة مركزية قوية فقط، ولا بوجود إدارة محلية مسلحة فقط.

الاستقرار يتحقق عندما يشعر كل مكون بأن وجوده السياسي والثقافي مضمون ضمن إطار قانوني واضح، لا يتغير بتغير موازين القوة.

إذا كانت المعادلة المطروحة في سوريا قادرة على إنتاج هذا الإطار، فإنها تمثل خطوة نحو حل مستدام.

أما إذا بقيت في مستوى الصياغة النظرية، من دون تحويلها إلى ضمانات دستورية واضحة، فإنها قد تواجه المأزق ذاته الذي ظهر في التجربة التركية: إصلاحات قابلة للارتداد، واستقرار مؤقت.

القاسم المشترك: سؤال الضمانات

في تركيا، رأينا إصلاحات مهمة لكنها بقيت ضمن سقف دستوري صلب، ما جعلها قابلة للتراجع عند أول أزمة.

وفي سوريا، نسمع معادلة نظرية تبدو متوازنة، لكنها لم تُختبر بعد ضمن عقد دستوري مستقر.

القاسم المشترك في الحالتين ليس النوايا، ولا الشعارات، بل سؤال الضمانات.

الحقوق التي لا تُحصَّن دستوريًا تبقى رهينة التوازنات السياسية.

والوحدة التي لا تقوم على اعتراف متبادل تبقى هشّة.

خاتمة

النقاش حول المسألة الكردية، سواء في تركيا أو سوريا، لا يمكن اختزاله في سؤال أخلاقي حول العنصرية، ولا في طرح نظري حول المواطنة المتساوية.

إنه نقاش حول شكل الدولة، وحدود السلطة، وطبيعة العقد الاجتماعي.

والتحدي الحقيقي ليس في صياغة معادلة متوازنة على الورق، بل في القدرة على تحويلها إلى بنية قانونية ومؤسساتية مستقرة.

السؤال الذي يبقى مفتوحًا هو:

هل يمكن الانتقال من إدارة الأزمة إلى تأسيس شراكة سياسية دائمة محصنة بالضمانات؟

هنا يتحدد الفرق بين خطاب يَعِدُ بالعدل، وبنية قادرة على إنتاجه.

 

20 شباط / فبراير 2026

 

رابط الحلقة الأولى: https://welateme.net/105863-2/ 

 

رابط الحلقة الثانية: https://welateme.net/105888-2/

 

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

عنايت ديكو بعد الانتصارات الكوردستانية اللافتة في الانتخابات العراقية، وصعود نجم الحزب الديمقراطي الكوردستاني مجدداً، حاولت تركيا وإيران، إلى جانب الجماعات الشيعية والسنية العروبوية في العراق، تطويق هذا الانتصار القومي والتاريخي الذي تحقق لـ هولير، لما يحمله من دلالات استراتيجية تعيد الاعتبار للمشروع الكوردي بوصفه رقماً صعباً في معادلات الإقليم. ونتيجة لهذه الاستحقاقات وتأثيرها المباشر على كوردستان سوريا،…

د. محمود عباس حكومة الجولاني تمضي على طريق التآكل الداخلي، ولو بدا في ظاهر المشهد أنها تمسك بخيوط السلطة بإحكام. فالرئيس الأمريكي دونالد ترامب، الذي قدّم دعمًا مباشرًا لأحمد الشرع بعد خلعه عباءة “الجولاني”، لم يفعل ذلك بوصفه تبنيًا استراتيجيًا طويل الأمد، بل كخيارٍ وظيفي مؤقت. ومن يقرأ خطاب ترامب الأخير وتصريحات إدارته يدرك أن الدعم ليس تفويضًا مفتوحًا، بل…

صلاح بدرالدين بالإضافة الى الضرورات التي ذكرناها في الحلقات الثمانية المنشورة لاستعادة ” حركتنا الوطنية الكردية ” من خلال المؤتمر الجامع ، الذي يكفل بإعادة بناء عواملها الذاتية من جديد ، من مشروع قومي ووطني ، ومؤسستها القيادية المنتخبة ، وسياساتها العامة على الأصعدة المحلية ، والوطنية ، وتصويب علاقاتها الكردستانية ، وشرعنة نضالها كممثل مخول للتحاور باسم الكرد السوريين…

هوزان يوسف * يتناول هذا المقال واقع اللغة الكردية في سوريا تحديدًا، في ضوء التطورات السياسية الأخيرة هناك، وبمناسبة اليوم العالمي للغة الأم (21 فبراير). سأل أحد المتابعين سؤالًا يبدو بسيطًا: إذا كنتم تريدون لغتكم الكردية، فلماذا تكتبون بالعربية؟ ولماذا تتواصلون بالعربية؟ هذا السؤال في ظاهره لغوي، لكنه في جوهره سياسي وتاريخي. نكتب بالعربية لأن العربية كانت اللغة…