نورالدين عمر
قد يطرح بعض الكرد سؤالاً هو: ما الفرق بين تقرب المسؤولين في تجربة الإدارة الذاتية في شمال وشرق سوريا من أفكار عبد الله أوجلان، وبين تقرب المسؤولين في دول أوروبية ناجحة سياسياً واقتصادياً من أفكار فلاسفة مثل هيغل وماركس، كما في ألمانيا على سبيل المثال؟
هذا السؤال يلامس جوهر العلاقة بين الفلسفة والسياسة التطبيقية؛ وربما يكمن الفرق الأساسي في المسافة الزمنية، وطبيعة الشرعية، وطريقة استخدام النص الفلسفي. ففي شمال وشرق سوريا، يمثل الفكر مشروعاً كان قيد التنفيذ لبناء واقع جديد في ظروف صراع معقدة، بينما في ألمانيا يشكل الفكر أساساً تاريخياً تم استيعابه وتحويله إلى مؤسسات وقوانين مستقرة منذ عقود طويلة. ومع ذلك، فإن المقارنة تظل مفيدة لفهم الواقع بشكل أعمق وتصحيح بعض التصورات، خاصة أن الهدف هنا هو التحليل لا التشهير.
تتمتع ألمانيا بخصوصية لافتة في علاقتها بماركس وهيغل؛ فهذان الفيلسوفان ليسا مجرد شخصيتين تاريخيتين، بل يشكلان جزءاً من البنية الفكرية العميقة للثقافة السياسية الألمانية الحديثة. لا يمكن فهم العقل السياسي الألماني دون التوقف عند هيغل، الذي أسس لفكرة الدولة المؤسساتية القوية؛ فقد أكد أن الحرية الحقيقية لا تتحقق في الفوضى، بل داخل إطار القانون والمؤسسات، كما اعتبر أن الجهاز الإداري يمثل طبقة عامة تخدم المجتمع ككل، وهي فكرة ما زالت تنعكس في طبيعة الإدارة الألمانية المنضبطة. كذلك، تميل السياسة الألمانية إلى الحلول التوافقية بدلاً من الصراعات الصفرية، انسجاماً مع الفكرة الهيغلية التي ترى أن التقدم يتم عبر تجاوز التناقضات.
أما تأثير ماركس، فرغم أن ألمانيا دولة رأسمالية ديمقراطية، فإن بصماته حاضرة في نموذجها الاقتصادي، ولكن بصيغة معدلة؛ فقد أدرك صانعو السياسات تحذيراته من اختلالات السوق وتفاقم الفوارق الاجتماعية، فطوروا نظاماً يجمع بين اقتصاد السوق والحماية الاجتماعية، ويشمل ذلك التأمين الصحي الشامل، وتعويضات البطالة، وحماية حقوق العمال.
ومن أبرز مظاهر ذلك قوة النقابات العمالية، ونظام المشاركة في اتخاذ القرار داخل الشركات الكبرى، حيث يجلس ممثلو العمال إلى جانب ممثلي الإدارة. ويهدف هذا النموذج إلى تقليل الصراع الاجتماعي الذي تنبأ به ماركس. كما أن الحزب الاشتراكي الديمقراطي، الذي يشارك في الحكم، تعود جذوره إلى الحركات العمالية ذات الخلفية الماركسية، رغم تحوله لاحقاً إلى حزب إصلاحي.
السياسي الألماني اليوم لا يعود يومياً إلى نصوص “رأس المال” أو “فينومينولوجيا الروح”، لكنه يتحرك ضمن إطار فكري ساهم هذان الفيلسوفان في تشكيله. وتستمر الجامعات ومراكز الأبحاث في دراسة أعمالهما بوصفها أدوات تحليل لفهم التحولات الاقتصادية والاجتماعية المعاصرة؛ فماركس يستخدم لفهم أزمات العولمة واتساع الفجوات الاجتماعية، بينما يستحضر هيغل في النقاشات المتعلقة بدور الدولة والهوية الأوروبية. بعبارة أخرى، لا يتم التعامل مع نصوصهما بوصفها مرجعية حرفية، بل باعتبارها تراثاً فكرياً قابلاً للنقد والتطوير، يعمل كبوصلة عامة لا كتعليمات تنفيذية.
في المقابل، تعاملت الإدارة الذاتية في شمال وشرق سوريا مع أفكار عبد الله أوجلان، وخاصة مفهومي “الأمة الديمقراطية” و”الكونفيدرالية الديمقراطية”، باعتبارها إطاراً فكرياً وعملياً مباشراً. فهذه الأفكار لم تدرس كتجربة تاريخية، بل استخدمت كدليل عمل للتعامل مع قضايا التعدد القومي، وحقوق المرأة، والإدارة المحلية، وحماية البيئة.
وبهذا المعنى، شكل فكر أوجلان مصدراً أساسياً للشرعية السياسية والهوية التنظيمية؛ فالنص هنا كان أقرب إلى ميثاق حي أو مرجعية إرشادية يومية، في حين رأينا أن العلاقة في ألمانيا مع ماركس وهيغل هي علاقة أكاديمية وتاريخية أكثر منها أيديولوجية مباشرة.
ومن أبرز جوانب التطبيق في تجربة شمال وشرق سوريا كان التركيز الكبير على تحرير المرأة، الذي يعد ركناً أساسياً في فكر أوجلان، ويترجم عملياً عبر نظام الرئاسة المشتركة وآليات تمثيل نسائية واسعة. أما في ألمانيا، فتستند سياسات المساواة بين الجنسين إلى منظومة حقوق الإنسان والقوانين الأوروبية، أكثر مما تستند إلى نصوص فلسفية كلاسيكية.
ويمكن تلخيص الفارق أيضاً من زاوية أخرى، وهي أن المسؤول في الإدارة الذاتية غالباً ما كان يتحرك ضمن مشروع تحولي يسعى إلى تغيير البنية الذهنية والاجتماعية للمجتمع في بيئة صراع وعدم استقرار؛ أي أن الفكر هنا يؤدي وظيفة تحررية وتأسيسية في آن واحد. أما السياسي الألماني، فيعمل بوصفه مديراً لنظام قائم ومستقر؛ هدفه ليس إحداث قطيعة جذرية، بل الحفاظ على التوازن ومعالجة الأزمات ضمن الإطار المؤسسي. لذلك فإن الفلسفة بالنسبة له أداة تحليل وفهم، لا برنامج تغيير شامل.
بمعنى آخر، في شمال وشرق سوريا يمثل الفكر مشروعاً يبنى تحت الضغط، وفي ظروف تأسيسية صعبة. أما في ألمانيا، فهو رصيد تاريخي تم هضم مضمونه وتحويله إلى مؤسسات مستقرة وقواعد عمل طويلة الأمد. وهكذا، لا يكمن الفرق في وجود مرجعية فكرية من عدمها، بل في طبيعة المرحلة التاريخية؛ أي بين تجربة تؤسس لنظام جديد، وأخرى تدير نظاماً نضج واستقر عبر الزمن.
وبناءً على ذلك، يمكن إبراز وتلخيص الأخطاء أو النواقص في تجربة الإدارة الذاتية بعدة نقاط، منها: الاعتماد العالي على المرجعية الأيديولوجية، وصعوبة التكيف السريع مع المتغيرات الواقعية إذا تعارضت مع الإطار الفكري، والأخطر هو تحول الفكر من أداة إرشاد إلى إطار شبه ثابت.
لكن الأهم من ذلك كله هو ضعف التحول من المشروع الثوري إلى الدولة أو الإدارة المؤسساتية، بسبب غلبة عقلية الحركة أو المشروع على حساب عقلية الإدارة، حيث لا يوجد استقرار إداري طويل الأمد، ولا إجراءات بيروقراطية واضحة. كذلك هناك محدودية في البراغماتية الاقتصادية؛ فبينما يركز المشروع على العدالة الاجتماعية والمجتمعية، لا يظهر نموذج اقتصادي واضح ومستقر يتضمن اقتصاد سوق منظماً، وسياسة استثمار طويلة الأمد، وبنية إنتاج حقيقية.
ومع محدودية الاعتراف الدولي، وإعطاء الأولوية للدور الأمني والعسكري، كانت هناك صعوبة في بناء علاقات اقتصادية وسياسية مستقرة. كما عانت الإدارة الذاتية من تسييس المؤسسات بدلاً من مهنيتها، مع فرض المرجعية الفكرية داخلها، بحيث أصبح الانتماء الفكري يتقدم أحياناً على الكفاءة المهنية. وبالحقيقة الموضوع متشعب ويحتاج أبحاث لكن هذه هي إبراز النقاط.