استعادة القرار الكوردي السوري

مموجان كورداغي

إن مفهوم استعادة القرار الكوردي السوري يعد من اهم القضايا المحورية في المشهد السياسي السوري المعقد اصلا بتشعباته وتدخلاته الخارجية وتعقيداته الداخلية المنقسمة على نفسها نتيجة سياسات البعث والاخوان المسلمين سابقا من جهة، والتدخلات الاقليمية من جهة اخرى، الى جانب دور حزب العمال الكوردستاني التركي ذي الشعارات الطوباوية غير الواقعية والمشكوك في بنيتها واهدافها. وفي المقابل برزت الحركة الكوردية السياسية ذات الطابع الكلاسيكي التي اعتمدت سياسات براغماتية في التعامل مع الازمة السورية عندما اختارت الوقوف مع المعارضة والدخول في تحالفاتها ضد النظام البعثي، وهو ما انسجم مع الواقع، ولا سيما في ظل التحولات العميقة التي شهدتها سوريا منذ عام 2011.

بعد اندلاع الثورة السورية، وبعد عقود من التهميش والانكار من قبل الانظمة المتعاقبة منذ الاستقلال، وجد الكورد انفسهم فجاة في قلب صراع اقليمي ودولي يمس مباشرة حقوقهم القومية وتحديد جغرافيتهم المتصلة بمطالبهم التاريخية. وقد منحهم ذلك دورا محوريا وفرصة تاريخية في قلب الصراع، فاتحا باب امل وهامشا سياسيا وعسكريا غير مسبوق في تاريخ المنطقة، لكنه في الوقت ذاته فتح الباب امام تحديات جسيمة تتعلق بتحديد مصيرهم والعمل على استقلالية القرار وتمثيل الارادة الحقيقية للشعب الكوردي.

ان القرار الكوردي السوري لا يعني الانعزال او الانفصال عن باقي اجزاء القضية الكوردية ولا عن القضية السورية، بل يشير الى قدرة الكورد في سوريا على صياغة مواقفهم السياسية وتحديد اولوياتهم الوطنية بعيدا عن الاملاءات الخارجية، في ظل تشابك المصالح الدولية والعوامل الاقليمية.

وقد صرح الرئيس مسعود البارزاني في اكثر من مناسبة بضرورة اتفاق الكورد في سوريا ضمن جسم واحد ورؤية مشتركة لتقرير مصيرهم بانفسهم، مع احترام عدم التدخل في شؤونهم الداخلية. غير ان جهات مرتبطة بحزب العمال الكوردستاني عملت، وفق ما يقال، بتنسيق مع قوى اقليمية، من بينها تركيا، على شق الصف الكوردي وتهميش قضيته وتوجيه بوصلته خارج نطاق مصالحه الحقيقية، وهو مسار ما زال مستمرا باشكال مختلفة، حيث زج بابناء الكورد في صراعات كان يمكن تجنبها ولا تنسجم مع مصالحهم داخل الاطار السوري العام.

ينبغي ان يكون القرار نابعا من الداخل ومعتمدا على الشرعية الشعبية والاجماع داخل البيت الكوردي، بحيث يعبر عن تطلعاتهم كمكون اصيل من مكونات المجتمع السوري المتنوع. وخلال سنوات الصراع المستمر ارتبطت قوى محسوبة على الكورد بتحالفات اقليمية ودولية فرضتها ضرورات الواقع العسكري والسياسي بما يتماشى مع مصالح الدول المؤثرة في المشهد السوري. ورغم ان هذه التحالفات وفرت حماية مرحلية ومكاسب معينة، فانها قيدت في احيان كثيرة استقلالية القرار الكوردي وجعلته عرضة للتغير بتغير المصالح الخارجية. وقد ظهر ذلك بوضوح عندما تراجعت بعض القوى الدولية عن دعمها لقوات سوريا الديمقراطية، الذراع العسكرية المرتبطة بحزب الاتحاد الديمقراطي، ما كشف هشاشة الاعتماد على الدعم الخارجي وحده.

ولا يمكن الحديث عن استعادة القرار الكوردي السوري دون التوقف عند الانقسام السياسي الداخلي العميق الذي ترك اثره على المجتمع الكوردي. فتعدد الاحزاب، وغياب مرجعية جامعة، وتضارب الرؤى حول العلاقة مع السلطة والمعارضة والقوى الدولية، والخلاف حول المبادئ الاساسية للنضال المشترك، كلها عوامل اضعفت الموقف الكوردي داخليا وخارجيا. كما ان استمرار هذا الانقسام والتمسك بالخطابات الايديولوجية المتشددة من قبل بعض الاطراف المسيطرة عسكريا منح القوى الاخرى فرصة دائمة للتدخل والتلاعب وخلق مزيد من الانقسام، مما جعل القرار الكوردي مشتتا وغير قادر على فرض نفسه كشريك وطني متماسك.

ان استعادة القرار الكوردي السوري لا تنفصل عن المسار الوطني السوري العام. فالكورد ليسوا قضية منفصلة عن سوريا بل جزء من حلها. وكل مشروع سياسي كوردي لا يراعي وحدة البلاد وحقوق باقي المكونات محكوم عليه بالعزلة والفشل. ومن هنا فان استعادة القرار تعني ايضا اعادة تموضع الكورد كقوة ديمقراطية تسعى الى دولة سورية تعددية لا مركزية تضمن الحقوق القومية والسياسية للكورد ولكل القوميات والطوائف.

وتتطلب استعادة القرار الكوردي السوري جملة من الخطوات الاساسية، ابرزها:

  • تحقيق وحدة الصف الكوردي عبر حوار جاد ومسؤول بين مختلف القوى السياسية بعيدا عن التخوين والاقصاء.

  • بناء شرعية شعبية حقيقية من خلال مؤسسات منتخبة واليات تمثيل شفافة.

  • اعادة تعريف العلاقات الخارجية على اساس المصالح المتبادلة لا التبعية وبما يحفظ استقلالية القرار.

  • تعزيز خطاب وطني ديمقراطي يربط بين الحقوق الكوردية ومستقبل سوريا ككل.

ان استعادة القرار الكوردي السوري ليست شعارا سياسيا عابرا، بل عملية طويلة ومعقدة تتطلب شجاعة سياسية ووعيا تاريخيا واستعدادا لتقديم تنازلات متبادلة في سبيل المصلحة العامة. فالقرار الذي لا يستند الى ارادة شعبية موحدة ولا يقوم على رؤية وطنية شاملة سيبقى قرارا هشا قابلا للاختراق في اي لحظة، اما القرار الحر المستقل فهو وحده الكفيل بضمان مستقبل امن وعادل للكورد السوريين ضمن سوريا ديمقراطية تتسع لجميع ابنائها.

19.02.2026

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

ابراهيم برو   ما حدث من انهيار لم يكن صدفة، بل نتيجة سنوات من التفرد بالقرار واحتكار مصير الكرد. منظومة “قسد” و”الإدارة الذاتية” قدمت نفسها كمشروع قوي لا يُقهر، لكن عند أول اختبار حقيقي بان الخلل والفشل. لا يمكن إدارة شعب بعقلية الإقصاء وفرض الأمر الواقع. التضحيات كانت كبيرة، لكن الفساد كان أكبر. نحتاج إلى مؤسسات حقيقية وشراكة فعلية، واتفاق…

نورالدين عمر قد يطرح بعض الكرد سؤالاً هو: ما الفرق بين تقرب المسؤولين في تجربة الإدارة الذاتية في شمال وشرق سوريا من أفكار عبد الله أوجلان، وبين تقرب المسؤولين في دول أوروبية ناجحة سياسياً واقتصادياً من أفكار فلاسفة مثل هيغل وماركس، كما في ألمانيا على سبيل المثال؟ هذا السؤال يلامس جوهر العلاقة بين الفلسفة والسياسة التطبيقية؛ وربما يكمن الفرق…

لوند حسين* منذ اندلاع (الثورة) السورية عام 2011، دخلت البلاد طوراً من التحولات الجيوسياسية العميقة، تزامنت مع تحولات سابقة في العراق بعد 2003، حيث أُعيد تشكيل الدولة على أساس تعددي، وتكرّس الاعتراف الدستوري بـ إقليم كردستان ككيان فدرالي. تزامُناً مع انطلاق المُظاهرات المًطالبة بإسقاط نظام بشار الأسد السورية في آذار 2011، دعا الرئيس مسعود بارزاني إلى وحدة الصف الكُردي،…

عدنان بدرالدين في مقاله المنشور في شبكة الجزيرة الإعلامية، يختار ياسين أقطاي أن يبدأ من سؤال يبدو، للوهلة الأولى، أخلاقيًا خالصًا: هل يمكن للمسلم أن يكون عنصريًا؟ لا خلاف على أن الإسلام، كنصوص وتعاليم، يرفض العصبية العرقية ويرسخ مبدأ المساواة بوصفه قيمة إنسانية في خطابه الأخلاقي. كما لا خلاف على أن ظلمًا تاريخيًا وقع على الكرد في تركيا، وهو أمر…