لوند حسين*
منذ اندلاع (الثورة) السورية عام 2011، دخلت البلاد طوراً من التحولات الجيوسياسية العميقة، تزامنت مع تحولات سابقة في العراق بعد 2003، حيث أُعيد تشكيل الدولة على أساس تعددي، وتكرّس الاعتراف الدستوري بـ إقليم كردستان ككيان فدرالي. تزامُناً مع انطلاق المُظاهرات المًطالبة بإسقاط نظام بشار الأسد السورية في آذار 2011، دعا الرئيس مسعود بارزاني إلى وحدة الصف الكُردي، للعمل من أجل حصول الكُرد السوريين على حقوقهُم في حال سقوط النظام، واستضاف الحوار الكُردي–الكُردي بين المجلس الوطني الكُردي ومجلس غربي كُردستان، وأُبرمت عدة اتفاقيات تحت رعايتِهِ (هولير-1، هولير-2، دهوك)، كان يمكن أن تؤسس لشراكة سياسية وإدارية وعسكرية بين الطرفين؛ غير أن تعثر التنفيذ أضاع فرصة مبكرة لبناء مرجعية كُردية موحدة في كُردستان (سوريا).
في المرحلة اللاحقة من الصراع، ومع توافق القوى الإقليمية والدولية، برزت سلطة انتقالية في دمشق يقودها أحمد الشرع (المعروف سابقاً بـ أبو محمد الجولاني)، وسط وعود بإعادة الاستقرار واحقاق العدالة للجميع والاعتراف بحقوق كافة المكونات السورية؛ لكن مسار الأحداث، وما رافقه من استهدافات طائفية بحق العلويين في 7/9 آذار 2025، راح ضحيتها أكثر من 1500 شخص، بينهم النساء والأطفال، ومعظم تقارير منظمات حقوق الإنسان تؤكد تورط نظام أحمد الشرع في ارتكاب تلك المجازر، ومُشاركة الجيش وعناصر الأمن العام فيها؛ ثمّ حدث تفجير انتحاري بتاريخ 22 حزيران 2025 لكنيسة مار إلياس بحي الدويعلة المسيحي في دمشق، ذهبت ضحيتها 25 مُصلٍ مسيحي وإصابة أكثر من 60 شخص، كما تسبب الانفجار بأضرار مادية كبيرة للكنيسة والمباني المُجاورة؛ لتندلع بعدها في 12 تموز 2025 أحداث السويداء واستهداف الطائفة الدُرزية، وأثبتت الوقائع أنَّ الدولة هي الراعية والداعية إلى الفزعات باسم العشائر، وتجلى ذلك بوضوح في خطاب السيد أحمد الشرع بتاريخ 17 تموز 2025، عندما مدح العشائر وشكرهُم في الوقوف مع الدولة لمواجهة الدروز؛ تلك الأحداث أعاد إلى الواجهة هواجس الأقليات، وفي مقدمتهم شعبنا الكُردي، والتلويح بأنَّهُم الهدف التالي بنهاية عام 2025؛ لتتصاعد الضغوط على قوات سوريا الديمقراطية للاندماج غير المشروط في بنية الدولة الجديدة، مع التلويح بالخيار العسكري.
هنا برز مجدداً دور الوساطة الكُردية-الكُردية، خشية تكرار نفس المجازر بحق الكُرد، لذلك تدخل الرئيس مسعود بارزاني، حيث أسهمت جهوده في الدفع نحو اتفاق بين أحمد الشرع وقائد «قسد» مظلوم عبدي؛ إلا أن هشاشة الثقة وتباين الرؤى حول اللامركزية وصلاحيات الإدارة المحلية أعاقا تنفيذ البنود، لتتجدد المواجهات في 6 كانون الثاني 2026 في أحياء مثل الشيخ مقصود والأشرفية بحلب، وتبقى خطوط التماس مفتوحة على احتمالات خطرة تمتد إلى الحسكة وأطراف كوباني.
بعد تلك الأحداث، بادر الرئيس مسعود بارزاني إلى تحرك سياسي جديد، داعياً إلى لقاء مع توم باراك في هولير، بهدف الدفع نحو تفاهم كُردي–سوري برعاية وضمانات دولية؛ هذا التحرك لم يكن تفصيلاً بروتوكولياً، بل يعكس حرص البارزاني على الشعب الكُردي وحمايتِهِ من التعرُض لأيّ مجازر، بالإضافة لقيامِهِ بجولة دبلوماسية، بدأها بالفاتيكان ولقاء البابا فرنسيس، إدراكاً منهُ بالدور المعنوي الكبير في التأثير على قادة العالم من أجل حماية الشعب الكُردي في سوريا.
إن الدرس السياسي الواضح من هذه التجربة أن القوة الكُردية لا تُقاس بالقدرة العسكرية وحدها، بل بمدى التماسك السياسي والإداري والعسكري؛ إنَّ تفعيل مخرجات مؤتمر وحدة الصف والموقف الكُردي في 26 نيسان 2025، وتشكيل لجان مشتركة فعّالة، مع إدماج كوادر من «المجلس الوطني الكُردي» في الإدارة القائمة، وتوحيد قواتYPG-YPJ ، پيشمرگه روژ، واعتماد الرؤية السياسية المنبثقة عن مؤتمر قامشلو؛ كلها خطوات لا تحتمل التأجيل، كون الوضع مُقبل على الكثير من السيناريوهات الغير المتوقعة.
أعتقد أن لحظة التحول السوري تضعنا ككُرد أمام خيارين لا ثالث لهُما: إما الانتقال من منطق الغلبة الحزبية إلى منطق الوحدة الكُردية- الكُردية لانتزاع الكثير من المكاسب، وتجرُبة أشقائنا الكُرد ماثلةً أمامنا، فعندما توحدوا كانت لهم ما أرادوا؛ في حال الاستمرار في الانقسام وبقاء حزب الاتحاد الديمقراطي PYD، مُستفرداً في الإدارة والتفاوض مع دمشق، هذا يُهدد البنية المجتمعية للشعب الكُردي قبل السياسية، فاحتكار أي طرف للقرار العام يضعف الجبهة الداخلية، ويمنح خصوم الكُرد أوراق ضغط إضافية.
إن التجارب المتراكمة خلال السنوات الماضية أثبتت أن الانقسام الكُردي ليس مجرد تباين في وجهات النظر، بل ثغرة استراتيجية تنفذ منها الضغوط الإقليمية والحسابات الدولية؛ وفي هذه اللحظة الشديدة التعقيد التي تمُر بها سوريا، حيث تتداخل مشاريع الدول مع حسابات الداخل، تصبح الوحدة السياسية والإدارية والعسكرية للكُرد ضرورة وجودية لا خياراً تكتيكياً.
الوحدة السياسية تعني الاتفاق على برنامج حدٍّ أدنى يُعبّر عن إرادة الشعب الكُردي، ويؤسس لمرجعية تفاوضية واحدة أمام دمشق وأمام المجتمع الدولي؛ أما الوحدة الإدارية تعني إشراك جميع القوى الفاعلة في إدارة مناطق كُردستان (سوريا)، بما يعزز الشفافية والشرعية ويمنع الاحتكار ويحصّن المجتمع من الانقسام؛ والوحدة العسكرية، فهي تنظيم للقوة ضمن عقيدة دفاعية مشتركة، تحمي الأرض والإنسان بعيداً عن الاصطفافات الحزبية الضيقة.
إن أي مشروع كُردي في سوريا لن ينجح إذا بقي أسير التنافس الداخلي أو رهينة الحسابات الحزبوية؛ فالتحديات المحيطة أكبر من أن تواجهها جهة واحدة، وأعقد من أن تُدار بعقلية الإقصاء؛ فوحدة الصف ليست موجّهة ضد أحد، بل هي أساس شراكة مع الدولة السورية، بحيث تُمثل كافة الكُرد وضمانة لحقوق الشعب الكُردي ضمن إطار وطني جامع.
إن اللحظة الراهنة تفرض شجاعة القرار، وتغليب المصلحة القومية العليا على الحسابات الضيقة؛ فالوحدة اليوم ليست شعاراً سياسياً، بل شرط بقاء وصناعة مستقبل.
ألمانيا: ١٩ شباط ٢٠٢٦
*كاتب وصحفي كُردي