روجافا لم تفشل، بل أُسقِطت على طاولة الصفقات

د. محمود عباس

لا يمكن التعامل مع المقال المنشور في The Jerusalem Post بتاريخ 9/2/2026 بعنوان «سقوط روجافا لم يكن مؤامرة، بل فشلًا في الاستراتيجية»، بقلم الباحثة في العلاقات الدولية في الجامعة العبرية في القدس، بوصفه مجرد قراءة أكاديمية بحتة لما جرى في غربي كوردستان. فالمقال لا يقدّم تحليلًا معزولًا عن السياق السياسي الأوسع، بل يعتمد إطارًا تفسيريًا ينتقي عناصر بعينها ويُقصي أخرى لا تقل جوهرية.

الإشكالية هنا لا تتعلق باختلاف في الرأي، بل بطبيعة السردية المعتمدة. إذ يُعاد توصيف حدث سياسي إقليمي ودولي مركّب باعتباره إخفاقًا داخليًا محضًا، في تجاهل واضح لتشابك القرارات والتحالفات التي سبقت الانهيار ورافقته. وبهذا يتحول التحليل من أداة لفهم توازنات القوى إلى إعادة توزيع للمسؤوليات تُخفّف العبء عن الأطراف الدولية والإقليمية الفاعلة.

فالتفاهمات التي جرت في باريس بتاريخ 5/1/2026، برعاية وفد أميركي ضم شخصيات ذات تأثير مباشر في إدارة الملفين الإسرائيلي والسوري، وبحضور إسرائيلي–تركي لافت وتحت مظلة فرنسية، لا يمكن فصلها عن إعادة ترتيب جغرافيا النفوذ في الجنوب السوري، ولا عن الانسحاب الأميركي الفعلي من حماية مناطق قسد. هذه الوقائع ليست تفصيلًا هامشيًا يمكن تجاوزه، بل تمثل الإطار الذي تُقرأ ضمنه التطورات اللاحقة.

حين يُختزل المشهد إلى “فشل استراتيجي داخلي”، ويُستبعد هذا السياق المركّب، يصبح التحليل أقرب إلى هندسة سردية تُعيد صياغة الحدث بعد اكتماله، لا إلى قراءة تفكيكية تُسائل جميع الأطراف بالقدر نفسه من المسؤولية. وهنا يكمن جوهر الاعتراض: ليس في الدفاع عن رواية بديلة، بل في رفض تحويل الضحية إلى متهم، وتحوير مسار الجريمة من قرار سياسي متعدد الأطراف إلى خلل إداري داخلي.

جوهر النص ليس شرح ما حدث، بل نزع الشرعية عن تفسيره السياسي، وتحويل الكارثة إلى “درس إداري” داخل حدود التجربة الكوردية وحدها. وهذا قلبٌ للمعادلة، بدل مساءلة من أعاد رسم الخرائط، تُستدعى الضحية للاعتراف بخطيئتها. وبدل أن تُسأل القوى التي قررت الانسحاب والصمت والترك، تُطلب من الإدارة الذاتية وحدها شهادة توبة. هذا ليس نقدًا ذاتيًا، بل مرافعة مقنّعة تُفرغ الحدث من سياقه الدولي والإقليمي، وتُعيده إلى خطايا محلية تُفصّل على مقاس من يريد البراءة.

الأشد خطورة أن المقال يتعامل مع ما جرى كأنه نتاج بيئة “قابلة للإدارة”، بينما الحقيقة أن غربي كوردستان لم تكن يومًا مساحة لعبٍ متكافئ. الحديث عن “خيارات بديلة” لحركة محاصرة بلا فائض قوة، وبلا اقتصاد مستقل، وبلا عمق استراتيجي آمن، هو حديث ينتمي إلى رفاهية الدول لا إلى شروط الحركات الواقعة تحت الاحتلال والتهديد الوجودي. الكورد في سوريا ليسوا طرفًا يملك ترف المخاطرة بأخطاء تدريبية ثم ينهض، بل شعب يُحاصر من أربع دول، تتقاطع مصالحها، متى شاءت، على منع أي شكل من أشكال الاستقرار الكوردي. في مثل هذا الواقع البنيوي، لا تكون السياسة ساحة “كفاءة” فقط، بل ساحة ميزان قوى، وإرادات دول، وتقاطعات إقليمية. ولذلك يصبح تحميل التجربة وحدها مسؤولية السقوط، بمعزل عن الانسحاب الأميركي والصمت الدولي وتفعيل أدوات أنقرة، تحريفًا مدروسًا، لا تحليلًا.

ثم إن اختزال ما جرى في “أخطاء ذاتية” لقوات قسد ليس تفكيكًا للواقع، بل إعادة صياغة للخطاب الذي تحتاجه الأطراف المتورطة لتخفيف كلفة المساءلة. فبدل مساءلة شبكة التفاهمات التي مهّدت للسقوط ووفرت الغطاء السياسي له، يجري توجيه السهام إلى الإدارة الذاتية، وكأنها كانت تتحرك في فراغ لا تحكمه صفقات ولا تغيّر أولويات ولا ابتزاز إقليمي. النتيجة العملية لهذا المنطق ليست “تصحيحًا” بل تشويهٌ مباشر للتجربة، وطعنٌ بكرامة الشعب الكوردي ذاته، عبر تصويره كفاعلٍ ينهزم لأن عقله السياسي ناقص، لا لأن العالم قرر أن يتركه وحيدًا.

الغاية المركزية للنص تتكثف في محاولة واحدة واضحة: نفي وجود صفقة سياسية كبرى، وتجريم أي حديث عنها بوصفه “عزاءً عاطفيًا” أو “نظرية مؤامرة”. غير أن الوقائع لا تُمحى بالمصطلحات، ولا تُلغى بتغيير اللغة. فالتزامن بين الانسحاب الأميركي الفعلي من حماية مناطق قسد، والتوازي التركي–الإسرائيلي في التحرك السياسي والميداني، والصمت المدروس في واشنطن، لا يمكن قراءته باعتباره مجرد “تحول أولويات”. حين يحدث التحول في اللحظة الحاسمة، مع إدراك مسبق بنتائجه، فإنه يصبح قرارًا سياسيًا كامل الأركان، لا إجراءً إداريًا عابرًا.

ما جرى في باريس بتاريخ 5/1/2026 لم يكن اجتماعًا بروتوكوليًا عاديًا. فقد حضرته شخصيات أميركية ذات ثقل مباشر في رسم سياسات الشرق الأوسط، من بينها (جاريد كوشنير) صهر الرئيس الأميركي السابق دونالد ترامب وأحد أبرز مهندسي “اتفاقات أبراهام”، والذي ارتبط اسمه بإعادة ترتيب التحالفات الإقليمية بما يخدم الأمن الإسرائيلي أولًا. كما شارك (ستيف ويتكوف) المبعوث الأميركي المرتبط بملف غزة وإسرائيل، والذي يتحرك في الدائرة الأقرب إلى دوائر القرار الجمهوري، إلى جانب (توماس باراك) المبعوث الأميركي إلى سوريا ولبنان، المعروف بعلاقاته الوثيقة بالإدارة الجمهورية وبشبكات المصالح الإقليمية.

في الجانب التركي، برز حضور (هاكان فيدان) وزير الخارجية ورئيس الاستخبارات التركية السابق، والذي يمثل العقل الأمني لأنقرة في مقاربة الملف الكوردي، إضافة إلى وزير خارجية الحكومة السورية المؤقتة (أسعد الشيباني) المحسوب سياسيًا على المحور التركي. أما الجانب الإسرائيلي، فمثّلته شخصيات دبلوماسية وأمنية مرتبطة بحكومة (بنيامين نتنياهو) التي تنتمي إلى اليمين القومي الإسرائيلي، وتسعى إلى تثبيت مكاسب استراتيجية في الجنوب السوري، وعلى رأسها ملف الجولان وأمن الحدود الشمالية.

في ظل هذا التشابك، لا يمكن عزل اجتماع باريس عن إعادة ترتيب النفوذ في الجنوب السوري، ولا عن الانسحاب الأميركي المتزامن من مظلة الحماية السياسية والعسكرية لمناطق قسد. إن الفصل بين هذه الوقائع ليس منهج تحليل، بل تقنية إنكار. فحين تتغير الخرائط على الأرض، وتتبدل التوازنات، وتتزامن القرارات، يصبح الادعاء بأن كل ذلك مجرد صدفة زمنية إهانة للعقل السياسي.

إن تصوير ما حدث بوصفه “إعادة تموضع طبيعية” يتجاهل أن الانسحاب الأميركي لم يكن حركة تقنية، بل قرارًا سمح بإعادة فتح المجال أمام الضغط التركي، وشجّع قوى محلية على الانقلاب، وأعاد صياغة المعادلة الأمنية في شمال سوريا. وكذلك فإن أي قراءة تغفل عن مصالح إسرائيل في تثبيت مكاسبها جنوبًا، مقابل مرونة أميركية في الشمال، تبقى قراءة ناقصة عمدًا.

المشكلة ليست في وجود أخطاء داخلية، فكل تجربة سياسية تخطئ، بل في محاولة عزل هذه الأخطاء عن السياق الدولي الذي أحاط بها، وكأن غربي كوردستان كانت تتحرك خارج شبكة المصالح الكبرى. الحقيقة أن ما جرى كان نتاج تفاعل بين هشاشة داخلية وتحولات خارجية مقصودة، وأن إنكار البعد السياسي للصفقة لا يُلغي آثارها، بل يكشف الحاجة إلى التغطية عليها.

لذلك، فإن تجريم الحديث عن صفقة، في ظل هذه الوقائع والأسماء والمحاور، لا يبدو دفاعًا عن الموضوعية، بل دفاعًا عن سردية تريد إعفاء صانعي القرار من مسؤولياتهم. فالسياسة لا تُدار بالمصطلحات المخففة، بل بميزان القوى، ومن يقرأ ما جرى دون ربطه بهذه الأسماء وهذه المصالح، إنما يختار أن يرى نصف المشهد ويتجاهل نصفه الآخر.

وحين يُقال إن واشنطن “لم تتآمر، بل انسحبت”، فذلك تلاعب لغوي مكشوف، الانسحاب في لحظة حرجة، وترك الشريك مكشوفًا أمام خصومه، ليس حيادًا؛ إنه توقيع على النتيجة. وحين يُقدَّم الموقف الإسرائيلي بوصفه “احتواء أضرار”، يتجاهل أن إسرائيل كانت جزءًا من المعادلة السياسية التي أعادت ترتيب مصالحها الأساسية (وفي مقدمتها الجولان) ضمن سياق أكبر، بينما تُرك الكورد ليدفعوا الثمن. هنا لا يعود السؤال، هل قدّمت إسرائيل دعمًا عسكريًا؟ بل، هل كانت مصالحها تُصان عبر مقايضات على حساب الكورد؟ هذه هي العقدة التي يسعى النص إلى تعطيلها قبل أن تصبح سؤالًا عامًا.

ويبلغ الانحراف ذروته حين يُصوَّر انقلاب القبائل والجماعات التي شاركت في الهجوم على قسد بوصفه “تقلبًا طبيعيًا” في البيئة القبلية. هذا التوصيف يبرّئ الفاعل ويُجرّم الضحية مرتين، مرة لأنها “وثقت”، ومرة لأنها “لم تتوقع التقلب”. بينما الواقع السياسي يقول إن الانقلاب لم يكن عفويًا؛ لقد جاء بعد وضوح الموقف الأميركي وانسحاب الغطاء السياسي والعسكري، وهو ما شجّع القوى العربية داخل قسد على التراجع والهروب، وشجّع القبائل على التمرد، وفتح شهية المنظمات التكفيرية للهجوم. حين يسقط السقف الدولي، تتجرأ الأدوات المحلية؛ هذه قاعدة معروفة في كل الحروب بالوكالة، لا مفاجأة تاريخية.

وتحويل كل ذلك إلى “نقد ذاتي شجاع” ليس إلا نقدًا انتقائيًا يختار أضعف حلقة ليمارس عليها بطولة التحليل، ويتجنب تسمية المسؤولين الحقيقيين. النقد الحقيقي يبدأ من الأعلى، من قرارات القوى الكبرى، من لحظة التخلي، من حسابات الإقليم، من استخدام تركيا لآليات مركبة: وكلاء، قبائل، ضغط دبلوماسي، تفكيك داخلي. أما حصر المسؤولية في التجربة الكوردية وحدها، فهو ليس شجاعة فكرية، بل إعادة تدوير لمرافعة سياسية تريد أن تقول لصانعي القرار: لا ذنب عليكم.

والسؤال الذي لا يريد هذا النوع من النصوص أن يُطرح هو، إذا كانت إسرائيل تفكر استراتيجيًا في مواجهة إيران، فكيف تُبدد فرصة بناء تحالف بعيد المدى مع قوة كوردستانية منظمة تشكل توازنًا غير عربي وغير إيراني؟ لماذا يُستبدل الاستثمار الاستراتيجي بحسابات قصيرة، ثم يُطلب من الضحية أن تُسمّي ذلك “فشلًا في الاستراتيجية”؟ الاستراتيجية هنا ليست خطأ إدارة محلية، بل خطأ قراءة كبرى، تحويل الكورد من رصيد طويل الأمد إلى ورقة قابلة للتصريف السريع.

ليس صدفة أن يظهر هذا المقال الآن، وعلى منبر إسرائيلي تحديدًا، بعد أن كسر الكورد جدار الصمت، وبدأت رواية “الصفقة القذرة” تتسع في الإعلام. وظيفة النص أن يُجهض هذه الرواية قبل أن تستقر، وأن يحمي الأطراف التي شاركت في إعادة ترتيب المصالح من كلفة الاعتراف. وما جرى في غربي كوردستان لم يكن “فشلًا داخليًا” فقط، بل نتيجة تخلي أميركي محسوب وتفاهمات إقليمية رُسمت فوق دماء الكورد، ومحاولة لاحقة لإعادة كتابة التاريخ كما يريده أصحاب الخرائط.

واجب الكورد اليوم ألا ينساقوا وراء قراءات تُدين الضحية وتمنح الفاعل صكّ البراءة، بل أن يتمسّكوا بحقهم في تسمية ما جرى باسمه الحقيقي: قرار سياسي دولي وإقليمي، أُلبس لاحقًا ثوب تحليلٍ زائف لتبريره وتفريغه من مسؤوليته الأخلاقية. وخير ما يوضح المفارقة سؤال مقارن، لا من باب الشماتة، بل من باب كشف المعايير: هل كان بمقدور إسرائيل أن تواجه أدوات إيران وإيران نفسها، ومعها قوى التطرف في العالم الإسلامي، دون إسناد الدول الكبرى، وعلى رأسها الولايات المتحدة؟ وهل كان يكفي العامل الداخلي وتماسك المجتمع الإسرائيلي وحدهما لصدّ تلك التهديدات لولا المظلّة الدولية السياسية والعسكرية؟

 

د. محمود عباس

الولايات المتحدة الأمريكية

11/2/2026م

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

شادي حاجي يقف الكرد في سوريا اليوم أمام اختبار تاريخي بالغ الحساسية، في لحظة تُعاد فيها صياغة ملامح الدولة السورية سياسياً ودستورياً، وتُفتح فيها ملفات الهوية والحقوق والشراكة الوطنية من جديد. وفي وقت يُفترض أن تنصبّ الجهود على تثبيت الحقوق القومية المشروعة وضمان حضورها في أي مشروع وطني قادم، يتبدد جزء من هذه الفرصة في صراعات داخلية وانقسامات سياسية…

جمال ولو تذكرتُ اليوم مشهداً من مدينة الطبقة قبل نصف قرن، حين كانت والدتي (رحمها الله) تتقاسم خيرات عفرين من زيت وزيتون مع جاراتها. وفي لحظة صدق نادرة، قالت إحدى الجارات: “الكرد شعب طيب، لكننا لا نستطيع أن نحبهم من قلبنا!”. هذه الجملة لم تكن مجرد رأي عابر، بل هي “الشيفرة” التي تفسر الكثير مما يحدث اليوم. لقد قدمنا “الزيت…

نظام مير محمدي * صدى صوت إيران في برلين؛ تجلي القوة المنظمة ونهاية عهد الديكتاتوريين في خضم الأزمات الدولية المتلاطمة، تبرز أحياناً أحداثٌ مفصلية تغير مسار التاريخ. إن التظاهرة المهيبة التي ضمت مائة ألف من الإيرانيين الأحرار في برلين، لم تكن مجرد تجمع سياسي عابر؛ بل كانت صرخة مدوية وتمثيلاً حقيقياً وتاماً لشعب عزم على استعادة مصيره من…

هجار أمين كانت الكاميرا في يده ترتجف، ليس من برد دمشق، بل من هول ما يراه، لم يدرس الإعلام، بل كان طالب طب في السنة الثالثة، لكنه في ذلك اليوم، لم يكن طبيباً، ولا حتى مواطناً عادياً، كانت النافذة الوحيدة التي يرى منها العالم ما يحدث في ديرالزور. هكذا يمكن اختصار آلاف القصص السورية التي تحول فيها الهاتف المحمول إلى…