سليمان سليمان
منذ انطلاق ما عرف بالثورة السورية، التي تحولت فيما بعد إلى ثورة اللصوص،يمكن القول إن مجمل القوى والأحزاب السياسية الكوردية في روج آفا كوردستان تتحمل، بدرجات متفاوتة، جزءًا من المسؤولية عما آلت إليه أوضاع الشعب الكوردي في السنوات الأخيرة، كل بحسب موقعه السياسي، وطبيعة تحالفاته، وعلاقاته الإقليمية والدولية.
ولا يهدف هذا الطرح إلى تبرئة أي طرف أو تحميل جهة واحدة كامل المسؤولية، بل إلى تقديم قراءة نقدية شاملة لأداء الحركة السياسية الكوردية بمختلف أطرافها، في ظل تحول القضية الكوردية إلى ساحة تجاذبات إقليمية ودولية وصراعات نفوذ متشابكة.
كما أن الصراع السياسي الحاد بين الطرفين الرئيسيين لم يبق محصورًا في إطار التنافس الحزبي أو الخلاف في الرؤى والبرامج، بل انعكس بصورة مباشرة على الشارع الكوردي نفسه، وأدى إلى تعميق حالة الانقسام داخل المجتمع الكوردي، وإضعاف الثقة بين مختلف الفئات، وإرباك أولويات الناس في ظل ظروف أمنية واقتصادية وإنسانية شديدة التعقيد. وقد أسهم هذا الاستقطاب الحاد في تحويل الخلاف السياسي إلى حالة استقطاب اجتماعي، ما زاد من هشاشة الوضع العام، وعمق آثار الأزمة على الشعب الكوردي، بدل أن يكون الخلاف عاملًا محفزًا لتطوير التجربة السياسية أو تصحيح مسارها.
وفي هذا السياق، تبرز مسؤولية خاصة للطرفين الرئيسيين اللذين امتلكا، خلال السنوات الماضية، النفوذ الأكبر على المستويين السياسي والمالي.
فمن جهة، يتحمل حزب الاتحاد الديمقراطي (PYD) جانبًا مهمًا من هذه المسؤولية، نتيجة تركز السلطتين والقرارين السياسي والاقتصادي بيده، وانفراده بإدارة الشأن العام في مناطق واسعة، بما حد من التعددية السياسية، وأضعف إمكانات الشراكة الوطنية الكوردية. كما أن تبنيه لمشروع الأمة الديمقراطية بوصفه إطارًا بديلًا عن المشروع القومي الكوردي، وتقديمه مفهوم أخوة الشعوب على حساب بناء مرجعية سياسية كوردية واضحة، يواجه إشكالية بنيوية عميقة، إذ يقومان على افتراض إمكان تجاوز الهويات القومية والدينية في واقع إقليمي واجتماعي ما زال محكومًا بعقليات دينية تقليدية، هذا المشروع الذي لا يمكن تحقيقه حتى بعد مائة عام بين شعوب ما زالت تؤمن بسبي النساء وبالحوريات في الجنة الموعودة، وبأنها خير أمة أُخرجت للناس، فضلًا عن انتشار العنصرية تجاه المختلف معهم، وصراعات تاريخية عميقة يصعب تجاوزها في المدى المنظور، الأمر الذي جعل هذه الطروحات محل جدل واسع داخل الشارع الكوردي.
ومن جهة ثانية، يتحمل المجلس الوطني الكوردي بدوره مسؤولية سياسية لا تقل أهمية، بسبب استمراره في الارتباط بالائتلاف الإخواني السوري العنصري، وما رافق ذلك من علاقات سياسية مع الدولة التركية، في وقت ارتكبت الفصائل المسلحة المحسوبة على الائتلاف، والمدعومة من الدولة التركية، انتهاكات وجرائم بحق الشعب الكوردي في المناطق والمدن الكوردية التي احتلتها تركيا، وشرد الآلاف من العائلات الكوردية من مناطقهم، وتم الاستيلاء على منازلهم وممتلكاتهم، وتوطين عوائل عربية في منازلهم، دون أي إدانة مباشرة من قيادات المجلس. وقد انعكس هذا الارتباط سلبًا على صورة المجلس لدى قطاعات واسعة من الشارع الكوردي، التي رأت في هذا التموضع عجزًا عن اتخاذ موقف مستقل يحمي المصالح الكوردية بصورة واضحة.
ولا يمكن، في هذا السياق، إغفال مسؤولية الأحزاب والقوى الكوردية الأخرى التي اصطفت إلى جانب أحد هذين الطرفين، أو التزمت الصمت إزاء أخطائهما؛ فالصمت في لحظات كهذه ليس حيادًا، بل شكل من أشكال المشاركة، سلبًا كان أم إيجابًا. كما أنها لم تمارس دورًا فاعلًا في النقد العلني أو في الوقوف بوضوح في وجه أخطاء الطرفين، خشية على مكانتها وامتيازاتها الحزبية، ولم تسعَ إلى تقديم بدائل سياسية حقيقية.
وقد أسهم ذلك في تكريس حالة الاستقطاب والانقسام، وأضعف فرص بناء موقف كوردي جامع.
انطلاقًا من ذلك، تبرز الحاجة الملحة إلى مراجعة نقدية جريئة داخل الحركة السياسية الكوردية، مراجعة لا تكتفي بتبادل الاتهامات، بل تقوم على الاعتراف الصريح بالأخطاء التي ارتكبت خلال السنوات الماضية. فالقيادات الكوردية، إن كانت تمتلك الجرأة والإحساس الحقيقي بالمسؤولية، مطالبة بكسر صمتها وتقديم اعتذار سياسي وأخلاقي واضح وعلني للشعب الكوردي عما لحق به من إخفاقات وخيبات.
لقد قدم هذا الشعب تضحيات جسامًا دفاعًا عن قضيته ووجوده، ولا يزال مستعدًا لبذل المزيد من أجل أن يعيش حرًّا مستقلًّا كريمًا. والعالم بأسره، الأعداء قبل الأصدقاء، شهد كيف توحد الصوت الكوردي في الداخل والخارج، وكيف هز الشوارع والساحات في الداخل والخارج بندائه: تحيا كوردستان، تحيا الوحدة الكوردستانية، وتحيا مقاومة روج آفا كوردستان. بل إن كثيرين كسروا الحواجز وتجاوزوا الحدود المصطنعة ليقفوا إلى جانب إخوتهم دفاعًا عن روج آفا.
إن هذه الوحدة التي صنعها الشعب بدمه وإرادته ليست شعارًا عابرًا، بل مسؤولية تاريخية. وصونها واجب أخلاقي وسياسي يقع على عاتق القيادات قبل غيرها. فالشعب بات واحدًا، وأي تفريط بهذه الوحدة، أو أي انتكاسة تصيبها، لن يكون إلا مسؤولية من يتولى القرار.
وفي الخلاصة، يمكن التأكيد أن جزءًا مهمًا من المأساة التي عاشها الشعب الكوردي في روج آفا كوردستان لا ينفصل عن أداء حركته السياسية نفسها، بمختلف أطرافها، بما يجعل هذه الحركة شريكًا، بشكل أو بآخر، في المآسي التي تعرض لها الشعب الكوردي خلال الفترة التي نتناولها. وإن استمرار النهج الحالي، من دون تصحيح جدي للمسار، ومن دون إعادة بناء مشروع سياسي كوردي مستقل وديمقراطي، سيعني عمليًا الاستمرار في الدوران داخل الحلقة ذاتها من الإخفاقات، مهما تبدلت الشعارات والتحالفات.