خوشناق سليمان
توجد في صميم العمل الصحفي خطوط حمراء غير مكتوبة: احترام الحقيقة، حماية كرامة الضحايا، وعدم تحويل الشك إلى حقيقة بديلة من دون أدلة دامغة. هذه المبادئ ليست مجرد نظرية، بل تشكّل أساس الثقة بين الجمهور ووسائل الإعلام. والأخطر أن هذه التجاوزات قد تنشأ أحيانا داخل غرف التحرير نفسها، حين تختار المؤسسة التخلي عن حذرها المهني والدخول إلى منطقة خطرة: التشكيك في الضحية بدلًا من التحقيق في الجريمة.
هذا بالضبط ما حدث في تغطية مجلة «دير شبيغل» الألمانية لقضية جديلة المقاتلة الكردية في سوريا. لم تبدأ الواقعة بإشاعة، بل بفيديو واضح لا يحتمل اللبس. يظهر فيه القاتل، رامي الدهش، أحد أفراد الجيش السوري النظامي، وهو يحمل جديلة طويلة ويتحدث أمام الكاميرا بفخر وصفاقة، قائلا إنه أخذها من مقاتلة كردية بعد مقتلها. اللافت هنا أن الدهش لم يكن «شخصا مجهولا»، بل جنديا في الجيش النظامي، وفق تقارير موثقة نشرتها وسائل إعلام دولية، مثل «جيروزاليم بوست» ومعهد دراسات الحرب، وأكدتها وكالة «فرانس برس» (AFP) وغيرها.
في الفيديو الأصلي، صرح الجاني بأن المرأة «ماتت بالفعل»، وهو ما فُهم على أنه اعتراف صريح بقطع جديلة امرأة قُتلت.
لاحقا، ومع تصاعد الغضب العالمي، نُشر فيديو آخر يظهر فيه الدهش وهو يقول إن الجديلة كانت «اصطناعية»، وإن ما حدث كان «مزحة». عند هذه النقطة جاء دور مجلة «دير شبيغل»، التي نشرت تقريرا استقصائيا أشار إلى أن الجديلة قد تكون صناعية أو مزيفة، وأن الفيديو ربما كان جزءا من حملة دعائية جرى تضخيمها عبر وسائل التواصل الاجتماعي.
تكمن المشكلة الأساسية في التقرير في تركيزه على الشكوك بدلا من التحقيق في الجريمة نفسها. فقد قلّل من أهمية الفيديو الأصلي والتصريح المباشر للقاتل، ومنح مساحة واسعة لفرضيات التشكيك، من دون تقديم تحقق مستقل وحاسم من صحة الروايات المتضاربة.
وقد جاءت الانتقادات الموجهة إلى التقرير حادة وواضحة، وتمحورت حول عدة نقاط رئيسية:
- تجاهل الأدلة البصرية المباشرة التي تشير إلى وقوع جريمة محتملة.
- منح مساحة واسعة للشك بدلا من التركيز على الضحية وما تعرضت له، وعدم إجراء تحقيق معمق في الوقائع.
- الاستناد إلى تصريحات لاحقة للقاتل لتقويض دلالة تصريحاته الأصلية.
إن الإسهام في تقويض الثقة بالصحافة الاستقصائية يحدث عندما يتحول دورها من مساءلة السلطة وكشف الحقيقة إلى إعادة إنتاج الشك من دون حسم. إن وجود فيديو يتضمن تصريحا مباشرا من الفاعل كان يجب أن يشكل نقطة الانطلاق لأي تحقيق جاد، لا نقطة للتشكيك أو الالتفاف. السؤال المهني الأساسي لم يكن: هل يمكن نفي الواقعة؟ بل: من هي الضحية، وما الذي حدث لها؟
بدلا من ذلك، اختارت «دير شبيغل» التركيز على فرضيات التشكيك، متجاهلة أن الاعتراف المصور يُعد عنصرا جوهريا يستوجب التحقق والتوسع. فالصحافة ليست منصة لتحويل اعتراف مباشر إلى احتمال قابل للنفي، بل أداة لاختبار الروايات، ومساءلة التناقضات، والوصول إلى الحقيقة عبر التحقيق المهني.
هذه الواقعة لا تتعلق بجديلة مقاتلة فحسب، بل بانتهاك محتمل للكرامة الإنسانية، وبذهنية ترى جسد المرأة غنيمة حرب. وهذا ما يضاعف مسؤولية المؤسسة الصحفية، ويضعها أمام اختبار أخلاقي ومهني واضح: هل تحمي الحقيقة، أم تسهم، بقصد أو بغير قصد، في تمويهها؟
إن أخطر ما قد يحدث ليس إنكار الجريمة بشكل صريح، بل إغراقها في دائرة الاحتمال، حيث تُستبدل الحقيقة بسلسلة من الشكوك غير المحسومة. عندها، لا تعود الصحافة كاشفةً للحقيقة، بل تصبح جزءًا من الضباب الذي يحجبها.