حين يكون الشعب رهينة الشخص الخاطئ… فما مصيره؟

مموجان كورداغي

في عام 2011، عندما انفجر البركان السوري، تحول الشعب إلى ثوار في وجه نظام لم يكن في حسبانه قط أن ينتفض الشعب يوما على سلطته المطلقة والفاسدة. تحولت مطالب الناس إلى ثورة شاركت فيها جميع القوميات والفئات الاجتماعية السورية. وسرعان ما حاول النظام تحويل مسار الثورة من حركة سلمية ذات مطالب اجتماعية تتعلق بلقمة العيش والاحتياجات اليومية واسترجاع الكرامة المهانة، إلى صراع مسلح.

وبمساعدة جهات دولية واقليمية، كروسيا وايران وتركيا، تم حرف الثورة عن مسارها، لتتحول إلى حرب طائفية، وفي بعض المناطق إلى صراع عرقي وقومي، خاصة في المناطق الكوردية. حينها استعان نظام الاسد بعناصر حزب العمال الكوردستاني، وبموافقة تركية مسبقة، لتحقيق هدفين: اولهما التخلص من عبء الشارع الكوردي عبر قمعه بواسطة عناصر قدموا من داخل تركيا وجبال قنديل، فمارسوا القمع بعنف غير مسبوق وارتكبت انتهاكات عديدة بحق المدنيين. وثانيهما المشاركة في محاربة الثورة والجيش الحر، مما ادى في بعض الاحيان إلى افتعال اقتتال كوردي عربي، رغم حرص الكورد على عدم الانجرار إلى هذا المسار، لان المشكلة لم تكن يوما بين الكورد والعرب، بل كانت مع النظام.

وهكذا، حين تسلم مصائر الشعوب إلى الجهة الخاطئة، وحين يرتبط مصير المجتمع بالشخص الخاطئ، لا يعود الخطأ فرديا، بل يتحول إلى ازمة جماعية تمتد آثارها إلى السياسة والاقتصاد والاخلاق والوعي العام. وتتحول الثقافة إلى غوغاء تستغلها جهات معادية لوجود الشعب الكوردي، خاصة عندما تسند شؤون الادارة والسياسة إلى من لا علاقة لهم بالكفاءة او الخبرة.

فالقائد ليس مجرد فرد في موقع سلطة، بل هو مرآة تعكس اتجاه المجتمع والدولة، وبوصلة تحدد مسارها. فان اختلت البوصلة، تاه الجميع.

واول ما يفقده الشعب في هذه الحالة هو الثقة. تتآكل الثقة بين المجتمع ومؤسسات الدولة حين يرى الناس ان القرارات تتخذ بدافع المحسوبيات، سواء كانت حزبية او شخصية، او بدافع الخوف لا الحكمة. ومع الوقت تتحول اللامبالاة إلى سلوك عام، ويصبح الصمت وسيلة للبقاء لا علامة رضا.

ثم يأتي الجمود. فالشخص الخاطئ غالبا ما يخشى الكفاءات، فيقصي العقول القادرة ويحيط نفسه بالمصفقين. وهذا ما فعلته سلطة الامر الواقع التي فرضت برعاية النظام وبتفاهمات اقليمية، حيث عمدت الميليشيات المرتبطة بحزب العمال الكوردستاني إلى شل دور المؤسسات المدنية، وتعطيل آليات العمل العام، وتضييق الخناق على الاحزاب والمؤسسات المدنية، ومنعها من ممارسة دورها في خدمة المجتمع.

لا اصلاح حقيقي، ولا رؤية طويلة المدى، بل ادارة دائمة للازمات بدل حلها، وخلق معارك لا ناقة للكورد فيها ولا جمل.

وقد دفع الشعب الكوردي ثمن هذه السياسات الممنهجة التي هدفت إلى تفريغ المناطق الكوردية، وتحويل ابناء الشعب بين مشرد ومهاجر او مندمج قسرا في مجتمعات اخرى. لكن وعي شعبنا، وبفضل جهود الاحزاب الوطنية ومؤسسات المجتمع المدني والمثقفين، اسهم في افشال كثير من تلك المخططات، حين اختار الكورد البقاء في مدنهم وقراهم رغم محاولات التغيير الديمغرافي.

اما المصير الاخطر فكان تشويه الوعي. اذ طال امد الارتهان، وبدأ الخطأ يتزين بثوب الصواب، وجرى تمييع قضية ارض وشعب وربطها بمصير شخص لا ينتمي اساسا إلى هذا البلد. ومع الوقت يعاد تشكيل الحقائق، ويطبع مع الفشل، ويقدم الخضوع على انه حكمة، فيتحول الشعب من صاحب قضية إلى اداة، ويسلب قدرته على التمييز.

ومع ذلك، لا يكون هذا المصير حتميا.

فالتاريخ يثبت ان الشعوب، مهما طال احتجازها في قبضة الخطأ، تحتفظ ببذرة وعي. قد تنحني، لكنها لا تنكسر إلى الابد. التعليم، والكلمة الحرة، والتجربة القاسية نفسها، كلها عوامل توقظ الشعوب في لحظة ما.

حين يكون مصير الشعب رهينة الشخص الخاطئ او الحزب الخاطئ ذي الايديولوجيات الطوباوية، تكون المعاناة واقعا، لكنها ايضا اختبار. اختبار للوعي، وللصبر، وللقدرة على استعادة المبادرة.

فالاشخاص يزولون، اما الشعوب فتبقى… شرط ان تدرك متى، وكيف، ولماذا تقول:

كفى.

Swissra
11.02.2026

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

د. حمدي سنجاري يتحمّل رئيس الوزراء العراقي، علي فالح الزيدي، مسؤوليات تُعدّ من بين الأكثر تعقيداً في المنطقة، فالعراق يقف عند تقاطع تحديات داخلية وإقليمية ودولية تجعل من قيادة الدولة مهمة استثنائية بكل المقاييس. ولعلّ صعوبة هذه المهمة هي ما يجعل تولّيها، بحدّ ذاته، تعبيراً عن الثقة بالقدرة على الإنجاز، إذ إنّ قيادة العراق اليوم لا تحتمل الاكتفاء بإدارة الأزمات،…

دلدار بدرخان لست هنا بوارد إثارة الفتنة بين مكونات الشعب الواحد ، ولا أبتغي فتح جراحٍ جديدة أو صب الزيت على نار الخلافات الداخلية ، وإنما ما أود التطرق إليه في هذه الجزئية هو أحد أكثر المواضيع إثارةً للجدل في الأوساط الشعبية الكوردية ، ألا وهو موضوع تبرؤ بعض الإيزيديين الكورد من كورديتهم ، والتمسك بمفهوم أن ” الإيزيدية…

أمين شيخ كلين ياسادة الأفاضل: نتحدث عن الخيمة، والخيمة مسكن كوجري أو بدوي، يسهل بناؤه، وكذلك نقله في ساعات قليلة، وهي أفضل مسكن لمواجهة الزلازل مهما بلغت قوتها، فالأضرار فيها شبه معدومة. وللخيمة نماذج متعددة: المضافة، وخيمة العزاء، وخيمة الفرح، وخيمة العمال، وخيمة الخدم… ويذكرنا التاريخ بخيمة إبراهيم باشا الملي، التي كانت مقر قيادة الإمارة التي امتدت سلطتها من دير…

أكرم محمد يُمثل التناقض الجذري بين الفكر القومي الكردي التحرري (الكوردايتي) وبين التيار اليساري والشيوعي الكردي أحد أعمق الشروخ البنيوية التي أصابت جسد القضية الكردية طوال القرن الماضي وحتى يومنا هذا؛ حيث يرى الخطاب القومي التاريخي والمعاصر أن هذه الشريحة الآيديولوجية شكلت تاريخياً، وعبر أدوات ناعمة وخشنة، كابحاً حقيقياً وعائقاً وجودياً أمام تحقيق الطموح القومي الأسمى المتمثل في بناء دولة…