بعد جلسة الكونغرس حول سوريا، ماذا تغيّر في الحسابات الأمريكية؟ وأين يقف الكورد بين دمشق وأنقرة؟

د. محمود عباس

لم تكن جلسة لجنة الشؤون الخارجية في مجلس النواب الأميركي المعنونة «سوريا عند مفترق الطرق، تحديات السياسة الأميركية في مرحلة ما بعد النظام السابق» المنعقدة بتاريخ 10 شباط/فبراير 2026، مجرد استعراض تقليدي أو نقاش شكلي، بل شكّلت، من خلال افتتاحية رئيس اللجنة ومضامين شهادات الشهود، صورة أقرب إلى دفتر شروط أميركي لمرحلة ما بعد سقوط السلطة السابقة. فقد أبقت الجلسة الباب مفتوحًا أمام سياسة اختبار صارمة تجاه الحكومة السورية الانتقالية، وفي الوقت نفسه ثبّتت بوضوح موقع الكورد وقوات سوريا الديمقراطية بوصفهم عنصرًا لا يمكن القفز فوقه في معادلة الأمن الإقليمي وملف تنظيم داعش.

أول ما يلفت في خطاب رئيس اللجنة براين ماست أنه وضع معيارين متلازمين: “سوريا الجديدة” لا تُقاس بالشعارات ولا بمجرد تغيير الواجهة، بل بوقف العنف ضد الأقليات وببناء أجهزة أمن “قابلة للثقة”، ثم ربط ذلك مباشرة بسلوك دمشق تجاه قسد والكورد. في نص افتتاحيته قال إنهم “رأوا حوادث كثيرة من الأمن والعنف ضد الأقليات الدينية والإثنية”، وتحدّث عن “وجود مقاتلين أجانب داخل القوات الأمنية، كثير منهم مدعومون من تركيا”، ثم وصف “الأعمال الأخيرة ضد قوات سوريا الديمقراطية، شريكنا الطويل في مكافحة الإرهاب وحليفنا الكوردي” بأنها “غير مقبولة”.

هذه ليست جملة إنشائية؛ لأنها قادت إلى أخطر نقطة أمنية في الجلسة، ماست قال إن أفعالًا ضد قسد “أجبرت CENTCOM على نقل 7000 من مقاتلي داعش من مرافق احتجاز داخل سوريا إلى العراق”. هذه العبارة وحدها تعطيك أين تضع واشنطن قلمها الأحمر، ملف معتقلي داعش ليس تفصيلًا، بل معيار ثقة، وأي اضطراب أمني في مناطق الكورد يُقرأ في واشنطن بوصفه تهديدًا مباشرًا لمسار “الهزيمة الدائمة” لداعش.

ومن زاوية الديمقراطيين، جاءت مداخلة النائب غريغوري ميكس، أرفع ديمقراطي في لجنة الشؤون الخارجية، لتؤكد أن المسألة الكوردية لم تُطرح بوصفها هامشًا أو تفصيلًا تقنيًا. فقد نقلت صحيفة The National عنه مطالبته الصريحة بأن تلتزم الحكومة السورية الجديدة بكبح الوحدات التي «هاجمت القوات الكوردية»، مشددًا بالقول: «مرة أخرى يواجه الشعب الكوردي العنف على يد قوات أمن تتمركز في دمشق». أهمية هذا التصريح لا تكمن في حدّته فحسب، بل في موقعه السياسي، إذ يعكس انتقال الرسالة من كونها موقفًا حزبيًا إلى كونها قاسمًا مشتركًا عابرًا للحزبين داخل الكونغرس.

بهذا المعنى، لم يعد الكورد ملفًا تفاوضيًا ثانويًا يُستخدم للمساومة عند الحاجة، ولا ورقة يمكن لدمشق أو أنقرة إزاحتها من الطاولة متى شاءتا، بل باتوا معيارًا يُقاس من خلاله مدى أهلية السلطة الجديدة للاعتراف، ومدى ثبات السياسة الأميركية نفسها. فطريقة التعامل مع الكورد أصبحت اختبارًا مباشرًا لخطاب “الاستقرار” الذي ترفعه دمشق، ولمصداقية أي تعهدات تُقدَّم لواشنطن، ولقدرة الولايات المتحدة على حماية شركائها وعدم التفريط بعناصر القوة التي بنتها خلال سنوات الحرب على داعش.

أما مضمون الشهادات، فأعطى “خرائط طريق” أكثر تحديدًا من الخطب. السفير جيمس جيفري، مثلًا، لم يتحدث عن الكورد بوصفهم ملف هوية فقط، بل بوصفهم وظيفة أمنية وسياسية لا بد من دمجها في سوريا موحّدة دون سحقها. قال بوضوح إن “الاندماج الناجح لقسد في سوريا موحّدة أمرٌ حتمي لأغراض مكافحة الإرهاب والأمن الداخلي”، وأضاف أن واشنطن “لديها التزام أخلاقي لضمان ألا يُساء إلى حلفائها الكورد”. ثم انتقل إلى لبّ اللامركزية والفيدرالية عبر صياغة أميركية معتادة لا تحب كلمة “فيدرالية” لكنها تعمل بجوهرها، الاستقرار (سيتطلب… حُكمًا محليًا) وهو “ذو أهمية خاصة لكسب ولاء الكورد والأقليات الأخرى”، وأن على دمشق أن تفعل “أكثر بكثير” باتجاه “حكم ذاتي محلي” قابل للحياة، بل ربط التمويل وإعادة الإعمار بـ “تقدّم ملموس” في هذا المسار.

وفي هذا الإطار، برزت مواقف نادين مينزا من خلال إجاباتها على أسئلة عدد من أعضاء الكونغرس، بصفتها رئيسة سابقة للجنة الولايات المتحدة للحريات الدينية الدولية (USCIRF)، وهي هيئة فدرالية مستقلة تُقدّم توصياتها مباشرة إلى الكونغرس والإدارة الأميركية في ما يتعلق بحقوق الأقليات والحريات الدينية. واستندت مينزا في إجاباتها إلى خبرة ميدانية مباشرة، إذ أشارت إلى زيارتها لغربي كوردستان قبل أشهر واطلاعها على أوضاع المجتمعات المحلية عن قرب. وأكدت أن الشراكة مع قوات سوريا الديمقراطية «لم تكن نظرية أو سياسية فقط، بل قامت على دور فعلي في مواجهة داعش وحماية المدنيين». كما حذّرت من أن «إضعاف الشركاء المحليين أو تجاوزهم في أي ترتيبات أمنية سيؤدي إلى فراغ أمني خطير»، مؤكدة أن هذا الفراغ سيكون بيئة مناسبة لعودة التنظيمات المتطرفة. وربطت مينزا بين الاستقرار النسبي الذي شاهدته في شمال وشرق سوريا وبين نموذج الحكم المحلي القائم، معتبرة أن «كسب ولاء المجتمعات المحلية لا يتم عبر الإقصاء أو إعادة إنتاج المركزية، بل عبر احترام الإدارة المحلية وحقوق المكونات». وفي هذا السياق شددت على أن تجاهل الدور الكوردي أو التعامل معه بوصفه ملفًا ثانويًا سيقوّض أي مسار جاد نحو استقرار مستدام في سوريا.

في المقابل، شهادة أندرو تابلر وضعت الإصبع على المفارقة التي تحدد مستقبل اللامركزية عمليًا، من جهة توجد “عمارة انتقالية” تُبنى بسرعة في دمشق، لكن آلياتها، بحسب وصفه، تُراكم السلطة في الرئاسة وتُقلّص المشاركة الفعلية “خصوصًا للكورد”، وتُبقي “دمج قسد” معلقًا كملف لم يُحسم. تابلر قال إن العملية “حدّت من المشاركة ذات المعنى… وخاصة الكورد”، وإن شرعية المسار تبقى “موضع نزاع” بسبب “هيمنة تنفيذية” وتمثيل أقليات محدود أو شكلي، ودمج أمني غير محسوم، خصوصًا مع قوات سوريا الديمقراطية”. كما أشار إلى أن تشكيلات الحكم الانتقالي انتهت إلى حكومة فيها “وزير كوردي واحد” ضمن تشكيلة يغلب عليها لون واحد، ما يجعل “التمثيل” أقرب إلى إشارة سياسية منه إلى عقد شراكة.

هنا تتبدّى الدلالة الأعمق للجلسة على مستقبل اللامركزية والفيدرالية في سوريا. فالكونغرس لم يعلن تبنّي “الفيدرالية” كصيغة دستورية جاهزة، لكنه، في الجوهر، رسّخ معادلة ضغط واضحة، أي اندماج مع دمشق لا يمكن أن يكون شعارًا سياسيًا عامًا، بل مسارًا مشروطًا بضمانات محلية وحقوقية وأمنية قابلة للقياس والتحقق. والأهم هو التقاط اللغة كما قُدّمت داخل الجلسة نفسها؛ إذ جرى التداول بمفاهيم من قبيل “الحكم المحلي” و“الإدارة الذاتية المحلية” و“كسب ولاء الكورد”، بما يعني أن واشنطن لا تبحث عن تسمية واحدة نهائية للحل، بقدر ما تضع جوهر توزيع السلطة والصلاحيات شرطًا للاستقرار، ولتدفق التمويل، ولنيل أي شرعية سياسية مستقبلية.

أما تركيا، فالجلسة جعلتها حاضرًا “بالاسم” لا “بالظن”. ماست تحدث عن “مقاتلين أجانب… مدعومين من تركيا” داخل أجهزة الأمن السورية، وربط ذلك بالأعمال ضد قسد. هذه إشارة سياسية خطيرة لأن أنقرة عادة تحاول تسويق معركتها ضد الكورد بوصفها “مكافحة إرهاب”، بينما الجلسة نقلت الملف إلى مربع آخر، سلوك وكلاء/قوى مرتبطة بتركيا داخل بنية أمن دمشق، وتأثيره على داعش والاستقرار. هذا يمنح تركيا مساحة مناورة أقل في واشنطن، لكنه لا يعني أنها ستتوقف؛ الأرجح أنها ستذهب إلى تكتيكات أقل كلفة وأكثر قابلية للإنكار، ضغط أمني متقطع، تحريك واجهات محلية، وتغذية سردية أن الكورد “عائق” أمام استقرار الدولة، لأنها تعلم أن معيار واشنطن هو “عدم الفوضى” و“ملف داعش”، فتسعى لإظهار خصمها كسبب الفوضى.

وبخصوص إسرائيل، شهادة جيفري كانت أوضح من العادة داخل جلسة أميركية عامة عن سوريا، دعا إلى “اتفاق” مع القدس يشمل “قنوات تواصل” و“تفاهمات” على العمليات الطارئة، وذكر “تسامحًا” مع دعم إسرائيلي “محدود” للدروز، مع الحديث عن سحب إسرائيلي من مناطق سيطرت عليها بعد ديسمبر 2024 ضمن ترتيبات لاحقة. معنى ذلك أن واشنطن، على الأقل في منظور أحد الشهود الرئيسيين، تريد تحويل تماسّ إسرائيل في سوريا من عملٍ عسكري مفتوح إلى إطار تفاهمات وضبط مسرح، لأن احتكاك تركيا وإسرائيل على الأرض السورية بات واقعًا بعد تراجع إيران وهزيمة داعش عسكريًا. هذا ينعكس على الكورد أيضًا، كلما تحوّل جنوب سوريا إلى “ملف ترتيبات”، ستزداد حاجة واشنطن إلى أن يبقى الشرق والشمال الشرقي “منضبطًا” بلا انفلات، أي أن ورقة الاستقرار الكوردية تصبح أثمن.

ما تأثير كل ذلك على إدارة ترامب؟ الجلسة، من حيث الدلالة السياسية، قدّمت للإدارة غطاءً تشريعيًا/رقابيًا لنهج، الانخراط المشروط، لا شيك على بياض لدمشق، ولا قطع علاقات يفتح فراغًا تستغله روسيا/تركيا/فلول داعش. خطاب ماست نفسه قال إنه التقى الرئيس السوري أحمد الشرع، وهذا يعني أن التواصل قائم، لكن مع تحذير علني، (نحتاج أن يفعل أفضل) وأن الاعتداءات على الأقليات والكورد (خطوات في الاتجاه الخاطئ). كما أن ماست وغيرَه طرحوا فكرة إعادة فرض العقوبات إذا فشلت الحكومة في تحقيق تقدّم، وأشار إلى تشريع طُرح لمعاقبة الجهات التي تعادي الكورد. أي أن الإدارة ستتحرك ضمن مساحة رسمها الكونغرس، حوافز مقابل التزام، وعقوبات محتملة مقابل انتكاس.

السياسة الأميركية لا تعمل بلغة إعلان “الفيدرالية” لفظًا، بل بلغة الضمانات والوظائف. لذلك، يجب أن تنصب المطالب الكوردية على حماية مُقنّنة للإدارة المحلية، وضمانات حقوقية ولغوية واضحة، وصيغة أمن محلي تمنع الفراغ والفوضى، وآلية دمج وطنية لا تُفكك أدوات الاستقرار قبل تثبيت البديل. بهذا فقط يتحول الحديث عن اللامركزية من شعار إلى عقد شروط، ومن مطلب عام إلى أدوات إلزام سياسي ومالي. فالدعم الأميركي، كما ظهر في الجلسة، مشروط بتقدم ملموس في الحكم المحلي وحقوق الإنسان، لا بالنيات ولا بالوعود.

إن فهم هذه اللحظة والتقاط لغتها بدقة هو ما يحدد إن كانت ستتحول إلى فرصة سياسية حقيقية، أم تضيع كما ضاعت فرص كثيرة من قبل.

د. محمود عباس

الولايات المتحدة الأمريكية

10/2/2026م

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

سليمان سليمان منذ انطلاق ما عرف بالثورة السورية، التي تحولت فيما بعد إلى ثورة اللصوص،يمكن القول إن مجمل القوى والأحزاب السياسية الكوردية في روج آفا كوردستان تتحمل، بدرجات متفاوتة، جزءًا من المسؤولية عما آلت إليه أوضاع الشعب الكوردي في السنوات الأخيرة، كل بحسب موقعه السياسي، وطبيعة تحالفاته، وعلاقاته الإقليمية والدولية. ولا يهدف هذا الطرح إلى تبرئة أي طرف أو تحميل…

خوشناق سليمان   توجد في صميم العمل الصحفي خطوط حمراء غير مكتوبة: احترام الحقيقة، حماية كرامة الضحايا، وعدم تحويل الشك إلى حقيقة بديلة من دون أدلة دامغة. هذه المبادئ ليست مجرد نظرية، بل تشكّل أساس الثقة بين الجمهور ووسائل الإعلام. والأخطر أن هذه التجاوزات قد تنشأ أحيانا داخل غرف التحرير نفسها، حين تختار المؤسسة التخلي عن حذرها المهني والدخول إلى…

مموجان كورداغي في عام 2011، عندما انفجر البركان السوري، تحول الشعب إلى ثوار في وجه نظام لم يكن في حسبانه قط أن ينتفض الشعب يوما على سلطته المطلقة والفاسدة. تحولت مطالب الناس إلى ثورة شاركت فيها جميع القوميات والفئات الاجتماعية السورية. وسرعان ما حاول النظام تحويل مسار الثورة من حركة سلمية ذات مطالب اجتماعية تتعلق بلقمة العيش والاحتياجات اليومية واسترجاع…

تقدم الكاتب الكردي عاصم أمين بشكوى واعتراض الى صحيفة دير شبيغل الالمانية بخصوص المقال الذي حاول دحض وتفنيد حقيقية فيديو قص ظفيرة الفتاة الكردية من قبل جهادي تابع لفصائل الجولاني احمد الشرع. الرسالة الاولى هي للكاتب والرسالة الثانية هو رد من الصحيفة على رسالته: عاصم أمين 7 فبراير 2026، الساعة 10:30 مساءً بتوقيت وسط أوروبا سيداتي وسادتي في صحيفة دير…