من الحلم إلى مأزق الواقع ؟

اكرم حسين

ما شهدناه مؤخراً من أحداث في دير حافر والطبقة والرقة ، وما تلاها من تحولات في المواقف الكردية تجاه الاتفاقات السياسية التي أُبرمت، يكشف عن حقيقة مؤلمة، تمثلت في أن مشروع “الأمة الديمقراطية” الذي سعى البعض إلى تسويقه كنموذج تقدمي يتجاوز التقليدية ويؤسس لمستقبل جديد، قد انكشف بمرور الزمن على حقيقته. هذا المشروع لا يزال رهيناً لخطب أيديولوجية  تنكر الواقع المعاش وتكابر في مواجهة الإخفاقات التي تراكمت على الأرض.

لقد عاش “الكرد” في مرحلة ما شعوراً بنشوة الانتصار، وحلم “روجافا”  حيث توهموا أن القدرة على إدارة منطقة تفوق مساحتها ثلاثة أضعاف لبنان، في إطار مواجهة داعش ورعاية التحالف الدولي  مع ما تضمنه ذلك من امتيازات سياسية وإدارية ومادية ، هو تعبير عن قوة حقيقية، أو على الأقل عن مسار تاريخي في البناء الذاتي. لكن اليوم، وبعد اتفاقية ٢٩ يناير ، تظهر الفجوة بين تلك التصورات المثالية وبين الواقع القاسي ، الذي بدت فيه هذه الإدارة عاجزة عن تقديم حلول حقيقية للتعقيدات التي برزت في المنطقة.

تجربة “شمال شرق سوريا” كشفت عن تطور محبط ، حيث بدت الخطابات الكبرى حول “الديمقراطية” و”الحريات” و”اخوة الشعوب ” و ” المرأة حياة  “غير قادرة على تقديم شيء ملموس للمجتمع الكردي وسائر المكونات الأخرى. فالمحاولات المتكررة لفرض نموذج أيديولوجي  معين عبر “قوات سوريا الديمقراطية” والإدارة الذاتية، لم تُترجم إلى واقع ملموس من الحريات والخدمات والحقوق الإساسية  . على العكس، فإن العديد من الأفعال التي تم تنفيذها تحت ستار هذا “النموذج الديمقراطي” فشلت في إقناع الناس بجدواها. ما حدث في دير حافر والطبقة كان بمثابة كشف حقيقي للمشروع الذي تاه في ازدواجية الخطاب .

ما نشهده اليوم يُعد لحظة  مفصلية في تاريخ الكرد في سوريا، ومن الضروري التوقف عند هذه اللحظة وتقييم المسار الذي تم اتخاذه. فما حدث يمكن أن يُعتبر في نظر البعض “نكبة ” أو  “نكسة” جديدة قد لا تختلف في آثارها عن نكبة فلسطين أو نكسة 1967 في الذاكرة العربية. لكن ما هو أكثر أهمية الآن هو السؤال: هل كانت “النشوة” الكردية مجرد سراب، أم أنها ستُترجم إلى مشروع سياسي جديد يعكس الواقع المعاش وبأدوات عصرية ؟

في هذا السياق، لا يمكن النظر إلى ما حدث على أنه مجرد حدث عابر. فالارتياح الذي لاقاه البعض من اتفاقات حفظت الدماء ومنعت التهجير، لا يعكس سوى حقيقة مفادها أن النظام “الديمقراطي” المزعوم قد فشل في تأسيس رؤية شاملة ومستدامة.صحيح  أن  الاتفاقات  قد منعت تدهور الوضع العياني  أكثر، لكنها لم تُقدم الحلول التي تضمن الحد الادنى من الطموحات الكردية ، وحتى مع المرسوم 13 الذي اعتبر الكرد جزءاً أصيلًا من المجتمع السوري وأقر بالحقوق الثقافية واللغوية ، يبقى السؤال: هل هذا الاعتراف ، الذي يظل محصوراً في أطره، هو ما يسعى إليه  الكرد؟ هل هذه الحقوق تشكل  تحولاً حقيقياً في نظرة الدولة إلى الكرد أم هو مجرد مرسوم  تم اصداره استجابة لهدف تكتيكي وسيتم سحبه من  الواقع؟

إن ما حدث هو نموذج لمأزق أيديولوجي قد لا يختلف كثيرا عن مسارات تاريخية مشابهة، حيث تنفصل الشعارات عن الواقع وتصبح هي نفسها أداة للإلهاء والتعبئة أكثر من كونها طريقاً للتغيير الحقيقي. إن الخطابات التي تروج لـ “الانتصار” على أعداء وهميين، والتي تحشد الجماهير خلف شعارات براقة لا تجد لها مكاناً في الواقع اليومي للمواطن، وهي جزء من الأزمة التي يواجهها المشروع.

ومن هنا، بات لزاماً على كرد سوريا الابتعاد عن الانعزال والتقوقع، والخروج من قمم العزلة باتجاه جميع السوريين. فالقضية الكردية لا تنحصر في الجانب القومي فقط، بل تتعداها إلى أبعاد أوسع تتعلق بالطبيعة االديمقراطية والمواطنة وسيادة القانون ، وهي قضية حقوقية وإنسانية تتطلب التفاعل والتعاون مع جميع مكونات المجتمع السوري من أجل بناء دولة مدنية حديثة تقوم على أسس من العدالة والمساواة وحكم القانون  ، وبالتالي فإن الاستمرار في التصورات التي تعزل الكرد عن باقي شرائح الشعب السوري وهمومهم لن تؤدي إلا إلى المزيد من الانقسام وتعميق الجراح، بينما الحقيقة هي أن الكرد بحاجة إلى مشروع وطني جامع يعترف بخصوصيتهم ويضمن لهم الحقوق، وفي ذات الوقت لا يتنكر لحقوق باقي المكونات. الكرامة لا تتحقق إلا عبر التشارك والاحترام المتبادل، وبناء دولة ديمقراطية تتسع للجميع وتوفر لجميع المواطنين فرصاً متساوية في المواطنة وفي إدارة شؤونهم.

إذن، لحظة الحقيقة قد حانت، ويجب على الجميع، سواء من مؤيدي هذا المشروع أو منتقديه، أن يعيدوا التفكير في المسار الذي ينبغي اتخاذه، وأن يبحثوا عن سُبل لتصحيحه نحو مشروع وطني أوسع وأعمق، بعيداً عن الأيديولوجيات المغلقة والشعارات الفضفاضة التي لا تعكس سوى فراغات تهوي بالواقع نحو المزيد من الارتباك والتشويش والانكسار .

بات لزاماً على أصحاب المشروع إجراء المراجعات ، وتقييم التجربة بشفافية ، والاعتذار للشعب الكردي ، ولأمهات الشهداء خصوصاً؟

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

عزالدين ملا التحريض والتجييش عبر وسائل التواصل الاجتماعي أصبح أحد أخطر الأسلحة المستخدمة في تفتيت الوحدة الوطنية والثقة بين مكونات المجتمع السوري، حيث أن تبعاته لا يمكن قياسها بدقة، فهي قد تجر المنطقة إلى ما هو أخطر من مجازر الأشرفية وشيخ مقصود. إن هؤلاء الذين يروّجون للكراهية والتحريض، غالباً ما يكونون أشخاصاً لا يملكون مصلحة حقيقية في حل الأزمة، بل…

سليمان سليمان منذ انطلاق ما عرف بالثورة السورية، التي تحولت فيما بعد إلى ثورة اللصوص،يمكن القول إن مجمل القوى والأحزاب السياسية الكوردية في روج آفا كوردستان تتحمل، بدرجات متفاوتة، جزءًا من المسؤولية عما آلت إليه أوضاع الشعب الكوردي في السنوات الأخيرة، كل بحسب موقعه السياسي، وطبيعة تحالفاته، وعلاقاته الإقليمية والدولية. ولا يهدف هذا الطرح إلى تبرئة أي طرف أو تحميل…

خوشناق سليمان   توجد في صميم العمل الصحفي خطوط حمراء غير مكتوبة: احترام الحقيقة، حماية كرامة الضحايا، وعدم تحويل الشك إلى حقيقة بديلة من دون أدلة دامغة. هذه المبادئ ليست مجرد نظرية، بل تشكّل أساس الثقة بين الجمهور ووسائل الإعلام. والأخطر أن هذه التجاوزات قد تنشأ أحيانا داخل غرف التحرير نفسها، حين تختار المؤسسة التخلي عن حذرها المهني والدخول إلى…

مموجان كورداغي في عام 2011، عندما انفجر البركان السوري، تحول الشعب إلى ثوار في وجه نظام لم يكن في حسبانه قط أن ينتفض الشعب يوما على سلطته المطلقة والفاسدة. تحولت مطالب الناس إلى ثورة شاركت فيها جميع القوميات والفئات الاجتماعية السورية. وسرعان ما حاول النظام تحويل مسار الثورة من حركة سلمية ذات مطالب اجتماعية تتعلق بلقمة العيش والاحتياجات اليومية واسترجاع…