خريطة طريق لقوات سوريا الديمقراطية

إبراهيم اليوسف

حقيقة إن الكرد جميعاً، ليس في كردستان سوريا- فحسب- وإنما في أجزاء كردستان الأربعة يقفون اليوم إلى جانب قوات سوريا الديمقراطية، ما عدا قلة جد قليلة، لها حساباتها الخاصة، أو من المتضررين من سياسات ب ك ك، وهو ما لا أريد التوقف عنده. صحيح أننا جميعاً كان لنا موقفنا من طريقة فرض ب ي د على كرد سوريا، ومحاولته قيادة كرد سوريا والاستئثار بذلك وإقصاء أصحاب البيت من الحركة السياسية التقليدية التي تعد هي من قادت دفة الكرد في سوريا، منذ تأسيس أول حزب كردي. أجل نقدنا هذا الطرف وبشدة، إلا أن التاريخ أثبت أن من كانوا يقفون ضد- قسد- لم يفعلوا ذلك إلا لاعتبارات عديدة: كره الكرد، أو الثأر من قسد باعتباره كان خط الدفاع الأول الذي كسر شوكة تنظيم الدولة الإسلامية وهزمه.

لا آتي بجديد عندما أقول إنني- مثلاً- نقدت هذا الطرف منذ أول تدخل له في مناطق لا تواجد للكرد فيها، إلا أنني وقفت معه في كتاباتي أمام أي استهداف خارجي من قبل تركيا ومرتزقتها في العام 2012 ومن قبل الفصائل التي عادتها ولا تزال تعاديها وقبلت أن تكون أداة في أيدي: تركيا- قطر وغيرهما. فقد كان نقدي على أشده، ومن يعد إلى كتاباتي ير ذلك، إلا أن تضامني معه محطة محطة كان موجوداً، رغم أني طالما رأيت أن من قاد الحركة الكردية في سوريا هم أحزاب الحركة الكردية، ما عدا هذا الطرف. إلا أن ما يجري منذ وصول أبو محمد الجولاني إلى دمشق وفق ترتيب دولي إقليمي، فقد تم تهميش الكرد جميعاً. إذ يتم ذكر اسم قسد كذريعة ونرى أن ثقافة الكراهية تشمل الكرد جميعاً، فهناك من يتحدث عن أحزاب الحركة الكردية كلها كخصوم وهناك من يرى أن كل الكتاب الكرد، كل منظمات المجتمع المدني الكردي في صف العداء.

إذ يتوجب النظر إلى المرحلة- على نحو عاجل أو إسعافي باللغة اليومية- باعتبارها منعطفاً حاداً لا يحتمل المجاملة ولا الاتكاء على عاطفة الانتصارات الماضية، إذ لم يعد يكفي أن تكون القوة قد هزمت عدواً شرساَ- هنا أو هناك- كي تضمن ديمومتها، وشرعيتها الدائمة، إنما تصبح هذه القوة أو القوات مطالبة بأن تعيد تعريف موقعها وحدودها وأولوياتها في ضوء الخطر المحدق، لأن الواقع السوري قد تغير. سوريا داعش المستعدى عليها، غير سوريا المعتمد على داعشها الجديد. فقد تغير الكثير: إقليمياً، وعربياً، وخليجياً، ودولياً، وباتت سوريا- على حين غرة- في الزمن الترامبي، الباراكي، ساحة تقاطع مصالح لا مكان فيها لمن لا داعمين إقليميين أو دوليين لهم، وهكذا فإن أية ثغرة داخلية قد تتحول إلى بوابة تفكك. من هنا تبدو الحاجة جد ملحّة إلى- خريطة طريق -صارمة، عقلانية، تقيس الخطوة بميزان الوجود لا بميزان الرغبة.

يظهر أول مواطن الخلل في التمدد خارج الجغرافيا الكردية، إذ بدا ذلك التمدد أقرب إلى استعارة عبء إضافي لا إلى توسيع مجال الأمان. يخلق هذا الانتشار خطوط تماس طويلة، ويستنزف الموارد البشرية والعسكرية، ويضع المقاتل في بيئة لا تحمي ظهره اجتماعياً. تتحول القرى والمدن البعيدة إلى مساحات هشّة، إذ لا سند عشائري ولا عمق شعبي ولا ذاكرة مشتركة. هكذا يصبح أي احتكاك شرارة قابلة للاشتعال، وتتحول القوة من درعٍ للأهالي إلى جسم غريب يسهل شيطنته. قراءة الواقع بعين باردة تفضي إلى نتيجة واضحة: الخطأ الكبير كان التواجد خارج المناطق الكردية من دون غطاء سياسي ومجتمعي حقيقي، ومن دون حساب دقيق للكلفة الأخلاقية قبل العسكرية.

يتصل بذلك ملف العناصر غير الكردية، إذ لا يجوز التعامل معه بعفوية أو بحسن نوايا أو سماجة. إذ بين هؤلاء- بحق- سوريون مخلصون حملوا السلاح عن قناعة فعلية تامة، ولهم تاريخهم وتجاربهم في وجه التطرّف والإرهاب، ويستحقون الاحترام والتقدير، غير أن الواقع الحساس والخطير يفرض التحسب لوجه آخر للوحة. حيث يتحول المقاتل الذي تقع عائلته تحت سيطرة ميليشيات السلطة إلى نقطة ضغط مهيأة للابتزاز أو حتى الترغيب والترهيب، إذ يمكن تهديد أهله أو ابتزازهم أو استخدامهم رهائن حقيقيين. عندئذ يغدو هذا العنصر، رغماً عنه، حصان طروادة في جسد التشكيل.  لذلك فإن مسؤولية القيادة تقتضي إجراء دراسة -عاجلة- دقيقة لكل حالة، فرزاً وتقييماً ومراجعة، بحيث يتم صون المخلص وإعادة تموضع من تحيط به المخاطر، حمايةً له قبل أي اعتبار، فالمرحلة تتطلب وتستدعي وجود جهاز اجتماعي- أمني يقرأ خريطة التوزيع البشري، كما أن هناك مختصين في قراءة الخرائط العسكرية، لأن الخطر في هذه الحرب لا يأتي دائماً من الجبهة، بل من” الشقوق”  و المسارب، والتصدعات، الصغيرة في الداخل.

يتجسد الخطر الكبير، من خلال الأصوات الصادقة التي نقدت الجهات التي تتحكم بقسد، في ظل تجنيد بعض القاصرين، وحتى التجنيد القسري، عنوة.، لأن مثل هذا الإكراه يخلخل رباط الثقة بين هذه القوات ومحيطها ومجتمعها، إذ لا يمكن لمن أُخذ مكرهاً من بيته أن يقاتل بروح من يرى في المعركة قضيته.  لأننا هنا أمام فجوة شاسعة بين الحامل للسلاح وبين المكان الذي يفترض الدفاع عنه. لهذا فإن الواجب الأخلاقي والسياسي يقتضيان ترك من تم تجنيدهم قسراً، ووضع حد لهذه الجريمة، نهائياً، لأن الجندية التي لا تقوم على الإرادة تتحول عبئاً نفسياً وأمنياً معاً. إن أعظم قوة -تاريخياً- هي التي تتشكل من قبل مؤمنين بالقضية التي ينخرطون للدفاع عنها، والاستظهار بعوام أبناء المجتمع يعد أقوى من ألف بندقية محمولة على أكتاف من جيء بهم، أو جاؤوا مكرهين لتأمين قوت ذويهم، لأنك في هذه اللحظة أمام خطرين: داخلي خطير وخارجي لاتهابها هذه القوات، نتيجة تفوقها العسكري، وتمرسها، وتاريخها.

يبدو- بحق- أن الوضع خطير إلى الدرجة التي لا يسمح خلالها بالترف الخطابي، إذ تتقاطع رغبات إقليمية ودولية على تحجيم الكرد أو استخدامهم ورقة ثم رميها. تتبدل التحالفات بسرعة، وتُكتب الخرائط بحبر دهاقنة أو جلاوزة وأرباب المصالح الدولية. من هنا يغدو التماسك الداخلي، والاقتصار على حماية الجغرافيا الطبيعية، وبناء إدارة مدنية رشيدة، عناصر بقاء لا شعارات. السياسة الرشيدة تعني تقليل الجبهات لا فتحها، وترميم البيت قبل التفكير في الساحات البعيدة، وصوغ خطاب وطني جامع يبدد الخوف لدى المكونات الأخرى بدلاً عن تكريسه.

رغم كل مآخذي على قسد، ورغم الكثير من الانتقادات التي لم أخفها، يوماً، ولا ولن أخفيها، على مستوى الأداء السياسي والإداري، ما زلت موقناً أنها الأكثر- وطنية- نظراً لتركيبتها، إذ نشأت من رحم معركة وجودية ضد التطرف، لا من رحم محض صفقات عابرة، كما يقال، وأنا-هنا- أتحدث عن روح المقاتل، لا من يتحكمون بهذه القوات، عن بعد أو عن قرب، ممن هم خارج مكاننا. هذه الوطنية لا تُمنح شهادة دائمة، إنما تُختبر يومياً عبر المقدرة الفعلية المسؤولة على تصحيح الأخطاء والإنصات إلى ضمير النقد، وأصوات النقد. قوة تعترف بحدودها وتراجع خياراتها أقدر على البقاء من قوة تتوهم العصمة بروح استعلائية، لا تنصت إلى أحد البتة.

أجل، إن الطريق واضحة في جوهرها، كما أرى، وهي تكمن في ضرورة حماية الجغرافيا الكردية باعتبارها خط الدفاع الأول، وإعادة تنظيم الصفوف، وذلك بعد دراسة العناصر التي تشكل- قوام- القوات، وذلك بعين صقرية، وليكن قبل كل شيء: إطلاق سراح من جُنّدوا قسراً، بناء شراكات مدنية لا عسكرية مع المحيط، وتثبيت خطاب وطني، لا تشوبه شائبة. خطاب يربط الكرامة بالأرض لا بالمغامرة. هكذا فقط يتحول السلاح والمقاتل من عبء إلى ضرورة، ومن ذريعة للخصوم إلى ضمانة للناس، وهكذا فقط يمكن لقسد أن تظل قوة حماية لا أداة وسبباً في صراع جديد قد لا ينتهي.

*كتب المقال بعيد عملية الاختراق المعروفة، بل الخيانة التي تمت في صفوف قسد، في  حيي: الأشرفية والشيخ مقصود في مدينة حلب، وقد قيل لي مثل هذا التوقع من قبل قيادي سابق وصادق، في- هذا الطرف الكردي- عشية الوقفات التضامنية مع الشعب الكردي في كردستان سوريا، وكان المتواصل الوحيد- والأول- معي منذ سنوات بعيدة من القطيعة،  إذ لم أنشر المقال- عند كتابته- نظراً لحساسية طبيعة اللحظة الحرجة..

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

عزالدين ملا التحريض والتجييش عبر وسائل التواصل الاجتماعي أصبح أحد أخطر الأسلحة المستخدمة في تفتيت الوحدة الوطنية والثقة بين مكونات المجتمع السوري، حيث أن تبعاته لا يمكن قياسها بدقة، فهي قد تجر المنطقة إلى ما هو أخطر من مجازر الأشرفية وشيخ مقصود. إن هؤلاء الذين يروّجون للكراهية والتحريض، غالباً ما يكونون أشخاصاً لا يملكون مصلحة حقيقية في حل الأزمة، بل…

سليمان سليمان منذ انطلاق ما عرف بالثورة السورية، التي تحولت فيما بعد إلى ثورة اللصوص،يمكن القول إن مجمل القوى والأحزاب السياسية الكوردية في روج آفا كوردستان تتحمل، بدرجات متفاوتة، جزءًا من المسؤولية عما آلت إليه أوضاع الشعب الكوردي في السنوات الأخيرة، كل بحسب موقعه السياسي، وطبيعة تحالفاته، وعلاقاته الإقليمية والدولية. ولا يهدف هذا الطرح إلى تبرئة أي طرف أو تحميل…

خوشناق سليمان   توجد في صميم العمل الصحفي خطوط حمراء غير مكتوبة: احترام الحقيقة، حماية كرامة الضحايا، وعدم تحويل الشك إلى حقيقة بديلة من دون أدلة دامغة. هذه المبادئ ليست مجرد نظرية، بل تشكّل أساس الثقة بين الجمهور ووسائل الإعلام. والأخطر أن هذه التجاوزات قد تنشأ أحيانا داخل غرف التحرير نفسها، حين تختار المؤسسة التخلي عن حذرها المهني والدخول إلى…

مموجان كورداغي في عام 2011، عندما انفجر البركان السوري، تحول الشعب إلى ثوار في وجه نظام لم يكن في حسبانه قط أن ينتفض الشعب يوما على سلطته المطلقة والفاسدة. تحولت مطالب الناس إلى ثورة شاركت فيها جميع القوميات والفئات الاجتماعية السورية. وسرعان ما حاول النظام تحويل مسار الثورة من حركة سلمية ذات مطالب اجتماعية تتعلق بلقمة العيش والاحتياجات اليومية واسترجاع…