استعادة الحق أم إعادة إنتاج الظلم؟ بيان إلى الرأي العام الكردي في سوريا

 فرهاد جميل حاجو/ السويد

 

قبل دخولي في لب الموضوع أريد التنويه بأن دافعي إلى نشر هذا البيان هو تقديم مساهمة متواضعة لعدم تكرار الظلم التاريخي الذي تعرض له شعبنا الكردي في سوريا بشكل عام، و لتفادي محاولة قيامنا بإنتاج هذا الظلم داخل صفوفنا. و ربما أيضاً لتوضيح المبدأ الحقيقي للحياة القائل بأن استعادة الحقوق لا تعني استبدال ضحية بأخرى، ولا تحويل المظلوم إلى ظالم.

إن ما جرى في سوريا في بدايات الستينات من القرن الماضي بعد إستلام البعث للحكم، و الذي استمر سبعة عقود من الزمن، من سياسات شوفينية ممنهجة بحق الكرد، يعتبر مرحلة من أكثر مراحل التاريخ الكردي سواداً. فقد طبق هؤلاء أقذر المشاريع بحق شعبنا الكردي في سوريا ، كان من أبرزها الإحصاء الاستثنائي الذي جُرّد بموجبه أكثر من مئتي ألف كردي من جنسيتهم، ثم تلاه الاستيلاء على الأراضي الزراعية الكردية، ضمن مشروع بإسم “الحزام العربي” الذي جرى من خلاله جلب عائلات عربية وتوطينها في أراضٍ كانت تعود تاريخيًا للكرد. الهدف كان واضحًا: تجويع الشعب الكردي، كسر إرادته، ودفعه إلى الهجرة. وقد نجحت تلك السياسة إلى حدٍّ كبير.

 عائلة حاجو كانت واحدة من ضمن العائلات الكردية ممن سلبت أراضيهم من قبل الدولة من خلال قانون الإستلاء الإستثنائي في ستينات القرن الماضي، إبّان سيطرة حزب البعث على الحكم في سوريا. جدي حاجو آغا كان قد نزح مع القسم الأكبر من عشيرته من كردستان تركيا إلى كردستان سوريا الحالية، وتحديدًا إلى محيط القامشلي، و ذلك خلال فترة الانتداب الفرنسي على سوريا. وفي سياق سياسات الدولة الفرنسية، منحت له و لعشيرة الهفيركان أراضي شاسعة بهدف إسكانه وإسكان أفراد عشيرته الذين تجاوز عددهم ألفي شخص في تلك المناطق.

بعد فترة من الزمن قام جدي حاجو بخطوة فريدة من نوعها، ربما كرد فعل على ما كان دارجاً حينها بين فروع العائلة الواحدة من تنافس مميت على زعامة العشيرة، حيث سجل جميع تلك الأراضي باسمه وبأسماء أولاده دون الأخذ بالإعتبار وقوف أولاد عمومته من عائلة ”عليكي بطي” و من عائلة ”فرحو” و عائلات كثيرة أخرى من العشيرة إلى جانبه في حربه ضد الأتراك و ربط مصيرهم به لدى نزوحه إلى سوريا. وهو ما أدى لاحقًا إلى تحوّل عائلتنا إلى عائلة إقطاعية ذات نفوذ. طبعاً غرضي من تبيان موقف جدي حاجو ليس هو توجيه أية تهمة إليه. بل بلأحرى ربما من المهم جداً التأكيد على إن قيام حاجو بتلك الخطوة لم تكن بالضرورة بدافع الطمع المادي بل كانت، إذا نظرنا إليها من خلال سياقها التاريخي، كانت خطوة لا بد منها في إطار الظروف االإجتماعية و العشائرية السائدة في تلك المرحلة التي كانت تتطلب تركيز النفوذ والقرار بيد رئيس العشيرة للحفاظ على تماسكها.

اليوم و بعد مرور عقود على ما جرى لا نستطيع أن نتجرأ بكل سهولة على القول ” عفا الله على ما مضى ”. بل الجرأة المطلوبة منا، نحن أحفاد حاجو، هو الإعتراف بالظلم الذي تعرض له أبناء عشيرة الهفيركان الذين ذاقوا الأمرين من خلال وقوفهم معنا، نحن أبناء حاجو، و من خلال ربط مصيرهم بمصيرنا عندما تعرضنا إلى الإضطهاد و لوحقنا و أجبرنا من قبل نظام البعث إلى الهرب و اللجوء إلى المهاجر المنتشرة في جميع أصقاع الأرض.

 الآن و مع التحولات السياسية الأخيرة في سوريا، هناك وعود رسمية بإعادة النظر في ملفات الاستلاء التاريخية، و هناك بوادر تلوح في الأفق تشير إلى إحتمالية استعادة الأراضي المستولى عليها من قبل نظام البعث المقبور، ومن ضمنها طبعاً أراضينا، أي تلك الأراضي المسجلة قانونياً بأسماء الملاكين من أبناء حاجو.

طبعا لا نستطيع أن نتكهن مدى إلتزام حكام دمشق الجدد بتلك الوعود و مدى جديتهم في تنفيذها، و لكننا يجب أن نكون مستعدين لأي طاريء يأتي. كما يجب أن نكون واعيين بأن استعادة الأراضي بصيغتها القانونية البحتة تعني، عمليًا، حرمان آلاف الفلاحين الكرد الذين عاشوا على تلك الأرض عبر قرون، وسقوها بعرق جبينهم. و هنا تكمن المعضلة و التي ربما ستتحول مع الوقت إلى قنبلة موقوتة قابلة للإنفجار إذا لم نتدارك إلى عدم إنتزاع صمام الأمان منها. صمام الأمان موجود بأيدي الملاكين الكبار من الكرد من الذين إستوليت على أراضيهم في حقبة حكم البعث. و إستعداداً لذلك بادرت مجموعة من أحفاد حاجو في المهجر إلى طرح الموضوع للنقاش. إختلفت الآراء بيننا و تضاربت بشكل جذري. و إحتد الجدال بيننا، بين فصيل يتمسّك بأنانية مفرطة بمنطق الملكية القانونية المجردة، ويرى أن حق استعادة الأرض يجب أن يكون حصريًا بأحفاد حاجو، و بين فصيل آخر من أفراد العائلة وأنا منهم، نرفض هذا التوجه و نصر على التمسك بالوجه العادل للقضية. حيث نرى أن الفلاحين الكرد، من الذين جُرّدوا من أراضيهم مثلنا، يجب أن يُمنحوا حق العودة وحق التملك. هؤلاء الفلاحون لم يكونوا غرباء، بل كانوا ضحايا للسياسات ذاتها التي طالتنا جميعًا.

و هذا، و أمور أخرى متعلقة بهذا السياق، و من ضمنها شعوري بالمسؤولية الأخلاقية دفعني إلى أخذ زمام المبادرة لأتوجه بهذا البيان إلى الرأي العام الكردي ـ و خاصة تلك المتمثلة في القيادات السياسية الكردية المنضوية تحت مظلة المجلس الوطني الكردي ـ ليكونوا على بينة من إحتمالية مما سيأتي في المستقبل و ليكونوا أيضاً على بينة من موقفي الداعم لحق الفلاحين الكرد في الأراضي التي هي أملاك لآل حاجو بحكم القانون. كما إنني أتوجه من خلال هذا البيان إلى إخوتي من الفلاحين الذين كانوا يعيشون معنا على تلك الأرض، يزرعونها و يسقونها بعرق جبينهم، و التي كانت، تاريخيًا، مصدر رزقهم ووجودهم، أن يستعدوا لهذا الأمر من خلال تشكيل لجان تقوم بجمع المعلومات و وضع قوائم بأسماء أولئك الفلاحين والقيام بتنظيم مطالبهم، والوقوف في وجه أي محاولة لمصادرة حقهم باسم القانون أو الإرث.

ختاماً أريد الإشارة إلى بعض الحقائق التاريخية التي لا بد من أخذها في هذا السياق بعين الإعتبار:

إن العدالة لا تتجزأ. ولا يمكن لشعبٍ عانى من الظلم التاريخي أن يُعيد إنتاج الظلم داخل صفوفه. استعادة الحقوق لا تعني استبدال ضحية بأخرى، ولا تحويل المظلوم إلى ظالم.

إن هؤلاء الفلاحين، وفق مبادئ العدالة الانتقالية والقانون الدولي لحقوق الإنسان، يُعتبرون أصحاب مصلحة أصيلة في أي عملية استرداد أو تسوية، ويملكون حقًا مشروعًا في العودة، وفي التمتّع بالأرض، وفي الحماية من الإخلاء أو الحرمان التعسفي من سبل العيش. أن أي حل عادل لهذه القضية يجب أن:

  1. يقرّ بعدم مشروعية المصادرات التي تمت بحق عائلة آل حاجو والفلاحين الكرد على حدّ سواء.
  2. يعترف بحق الفلاحين الكرد الذين عاشوا تاريخيًا على تلك الأراضي في العودة والتملك أو الشراكة العادلة.
  3. يرفض تحويل الحق القانوني إلى أداة لإعادة إنتاج الظلم الاجتماعي.
  4. يستند إلى معايير العدالة، والإنصاف، وجبر الضرر، وليس فقط إلى السجلات العقارية المجردة.

إن تطوّر مفاهيم العدالة الاجتماعية لا يحدث بمعزل عن الصراعات والأزمات. فالظلم، حين يتراكم، يفرض على المجتمعات مراجعة مسلّماتها الأخلاقية والقانونية. والهجرات القسرية، والمصادرات، والتهميش الممنهج، كلها عوامل تدفع الأفراد والجماعات إلى إعادة طرح أسئلة جوهرية حول معنى الحق، وحدود الملكية، والمسؤولية الأخلاقية تجاه الآخر، لا سيما حين يكون هذا الآخر شريكًا في المعاناة التاريخية ذاتها.

ومن هذا المنطلق، فإن النقاش حول استعادة الحقوق لا يمكن أن يُختزل في العودة إلى نصوص قانونية وُضعت في سياقات تاريخية مختلفة، بل يجب أن يأخذ بعين الاعتبار تطوّر مفهوم العدالة ذاته، والتحوّل في المعايير الأخلاقية التي تحكم علاقة الإنسان بالأرض، وبالمجتمع، وبالذاكرة الجماعية. فالعدالة، في جوهرها، ليست مجرد استرجاع لما سُلب، بل هي أيضًا سؤال عن الكيفية التي نمنع بها تكرار الظلم، حتى وإن جاء هذه المرة مغطّى بغطاء قانوني.

 و لا بد لنا من فتح الباب أمام نقاش صريح ومسؤول حول معنى العدالة الاجتماعية في هذه الحظات التاريخية الجديدة التي تحيط بنا، وحول كيفية مقاربة القضايا الموروثة من الماضي بمنطق أكثر إنصافًا، يوازن بين الحق القانوني والحق الأخلاقي، وبين الذاكرة والتطلّع إلى مستقبل أكثر عدلًا. خاصة لأن الظاهرة لا تشمل فقط قضية إسترجاع أراضي الملاكين من آل حاجو و الملاكين الكرد الآخرين من الذين شملتهم إجراءات الإستلاء التعسفية و توطين العرب في أراضيهم. بل هذه الظاهرة تشمل طيف واسع من القضايا الأخلاقية الجوهرية.

و أخيراً فإن مغزى هذا البيان هو ليس لتقديم إجابة نهائية، بل لفتح نقاش صريح ومسؤول حول معنى العدالة الاجتماعية في لحظة تاريخية جديدة، وحول كيفية مقاربة القضايا الموروثة من الماضي بمنطق أكثر إنصافًا، يوازن بين الحق القانوني والحق الأخلاقي، وبين الذاكرة والتطلّع إلى مستقبل أكثر عدلًا. وانطلاقًا من هذا الفهم، تبرز قضية الأرض بوصفها إحدى أكثر تجليات العدالة الاجتماعية حساسية وتعقيدًا، حيث تتقاطع الملكية القانونية مع الارتباط التاريخي والمعيشي بالأرض. وهو ما يجعل مسألة استعادة الأراضي المصادَرة، ومنها الأراضي التي تعود لعائلتي، قضية لا يمكن مقاربتها إلا من زاوية عدالة الملكية، التي توازن بين القانون، والإنصاف، وحقوق من عاشوا على الأرض وساهموا في حمايتها واستثمارها عبر الزمن.

 7/2/2026

 

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

عبدالرحمن كلو هندسة الفوضى: تركيا والقنبلة الموقوتة يشكّل الاتفاق الأخير المبرم بين قوات سوريا الديمقراطية (قسد) وحكومة دمشق، تحت المظلة الدولية (الأمريكية–الفرنسية) وبالدعم الإقليمي من إقليم كوردستان، منعطفًا استراتيجيًا حادًا في مسار الأزمة السورية بشكل عام والحالة الكوردية بشكل خاص. فهذا التقارب، الذي قد يبدو خطوةً باتجاه “حلٍّ وطني سوري” واستعادة سيادة سورية موحّدة، لا يمكن قراءته بمعزل عن البيئة…

صلاح بدرالدين استحقاقات المرسوم – ١٣ – ( ١٦ – ١ – ٢٠٢٦ ) سبق وذكرنا ان احد ابرز – خصائص – المرسوم المتعلق أساسا بالكرد السوريين هو صدوره من طرف واحد وهو الدولة السورية وادارتها الانتقالية ، بغياب الطرف المعني ، وفي تجارب حل القضايا القومية في العالم من الغالب ان يتم الحل كعقد اجتماعي سياسي بين طرفين ،…

نظام مير محمدي *   لم تكن برلين يوم السبت 7 شباط/فبرتير مجرد عاصمة أوروبية تحتضن تجمعاً للمغتربين، بل تحولت إلى ساحة لإعلان ميلاد فجر جديد لإيران. تحت بوابة “براندنبورغ” التاريخية، احتشد نحو مائة ألف إيراني، متحدين البرد القارس والعقبات الجوية، ليوجهوا رسالة مدوية إلى العالم: إن ثورة يناير ٢٠٢٦ في الداخل لم تعد مجرد انتفاضة عابرة، بل هي حراك…

عدنان بدرالدين تُفهم محادثات مسقط، كما تُفهم الضغوط والتهديدات التي سبقتها، ضمن سياق أوسع من مجرد السعي إلى اتفاق أو التحضير لمواجهة. فهي أقرب إلى محاولة دائمة لضبط التوتر، وتنظيم الصراع، ومنع خروجه عن حدود يمكن التحكم بها. في هذا النوع من المسارات، لا تكون الدبلوماسية بديلًا عن التصعيد، بل إحدى أدواته، تُستخدم لتخفيف حدّته حينًا، ولإبقائه تحت السيطرة حينًا…