في ظل التغيرات الميدانية: مصير السجناء الكرد لا يزال مجهولاً

ديالا علي

تعيش الساحة السورية على وقع تغيرات ميدانية سريعة وعميقة، تتراوح بين تحولات في توزيع النفوذ والإدارة إلى تغييرات جوهرية في الواقع السياسي والعسكري. منذ سنوات، كانت هناك تحولات لافتة في إدارة المناطق التي شهدت صراعات معقدة بين مختلف القوى المحلية والدولية. هذه التحولات، التي أُبرمت في إطار اتفاقات سياسية وأمنية، لا تلوح في الأفق أي رؤية واضحة تشرح كيفية ترتيب المشهد السياسي والأمني في المستقبل القريب. ومن أبرز هذه التغيرات هو الاتفاق بين الحكومة السورية وقسد (قوات سوريا الديمقراطية)، الذي بدأ منذ عام تقريبًا ولا يزال يترك آثارًا كبيرة على الوضع الميداني والتفاعلات المحلية.

من بين أبرز القضايا التي لم يتم تناولها بشكل جاد أو فعال في ظل هذه التغيرات، نجد قضية السجناء الكرد وحقوقهم، التي أصبحت من القضايا المعلقة بلا حل. فالحديث عن قضايا السجناء وحقوقهم، خصوصًا في المناطق التي تقع ضمن نطاق روج آفا كردستان، يطرح تساؤلات عديدة، إذ لا تزال محاكمة هؤلاء السجناء أو حتى إطلاق سراحهم يشكل ملفًا بعيدًا عن الأضواء.

وتشهد هذه القضية تجاهلًا وتهميشًا واضحًا، حيث يغيب الحوار بشأن الحقوق الأساسية لهؤلاء الأفراد، في الوقت الذي تُجرى فيه تغييرات جذرية على الأرض. أحد الأسئلة التي تثير القلق هو: هل ستُنفَّذ العدالة الانتقالية كما هو مقرر في ظل الحكومات المتعاقبة في المنطقة؟ وهل ستتسنى الفرصة لمحاسبة المسؤولين عن انتهاكات حقوق الإنسان؟

الواقع القانوني والسياسي للسجناء الكرد

في هذه اللحظة التاريخية، وعلى الرغم من الاتفاقات الأمنية والسياسية التي جرت بين الأطراف المعنية، لم يُقدَّم أي حل نهائي بشأن السجناء الكرد الذين لا يزال مصيرهم غامضًا في سجون متعددة. هذه القضية، التي تعد بمثابة انعكاس مباشر لغياب العدالة في المناطق التي شهدت النزاع، لم تجد طريقًا للحل رغم المطالب المتزايدة من قبل العائلات والمجتمع المدني.

إن المحاكمة العادلة لهذه السجناء، سواء في إطار محاكمات علنية أو ضمن الإجراءات القانونية الدولية، لم تثمر بعد. وعلى الرغم من أن بعض الأطراف قد تعهدت بتحقيق العدالة، إلا أن الوضع الحالي يعكس استمرار العجز في هذا الملف الحساس، ما يثير الشكوك حول رغبة الأطراف المتنازعة في الوصول إلى حلول حقيقية.

الحالة النفسية للسجناء وأسرهم: معاناة إضافية

لكن في خضم هذه القضايا القانونية والسياسية، لا يمكن إغفال الجوانب الإنسانية التي تؤثر بشكل مباشر على حياة السجناء وأسرهم. إن الحبس، بما له من تأثيرات نفسية واجتماعية على الأفراد، يزيد من معاناة السجناء الكرد الذين يعيشون في ظروف غير إنسانية أحيانًا، ويخضعون للتعذيب النفسي والجسدي في بعض الحالات. إذ يتعرض العديد منهم للضغوط النفسية نتيجة للاعتقال المطول في ظروف غير آمنة، مع غياب أفق واضح لمصيرهم. هؤلاء السجناء، الذين غالبًا ما يُحرمون من محاكمة عادلة أو فرصة للدفاع عن أنفسهم، يعيشون في حالة من الضياع، ما يزيد من تفاقم معاناتهم.

أما بالنسبة للأسر، فهي تعيش حالة من القلق المستمر والمأساة العاطفية. فبجانب الحزن على فقدان الأبناء، تتفاقم معاناتهم بسبب انعدام المعرفة الدقيقة حول مكان وجودهم أو وضعهم في السجون. يصبح القلق الدائم هو السمة المميزة لحياة العائلات التي لا تعلم شيئًا عن مصير أفرادها المعتقلين. يشعر الأهل بالعجز، حيث لا يجدون من يطمئنهم أو يجيب على أسئلتهم المتكررة: “أين هم؟” “هل هم بخير؟” “هل سيتم إطلاق سراحهم؟”

إن الحرمان من الاتصال العاطفي والحقوق الأساسية مثل الزيارة أو الحصول على محامٍ، يزيد من الحالة النفسية المتدهورة لكل من السجين وأسرته. وهذا يعمق الفجوة بين المعاناة الإنسانية والتجاهل السياسي في معالجة هذه القضية.

التهم غير الدقيقة وعدم المحاكمة العادلة

إضافة إلى الظروف النفسية التي يعيشها السجناء وأسرهم، هناك مسألة هامة أخرى تتمثل في التهم التي تُوجه إلى العديد من هؤلاء السجناء، والتي لا تكون دائمًا دقيقة أو قائمة على أدلة دامغة. فعلى الرغم من أن بعض السجناء قد يتم اتهامهم بتهمٍ مبهمة أو غير واضحة، إلا أنهم لم يخضعوا إلى محاكمة عادلة من قبل محكمة مختصة، مما يزيد من غموض مصيرهم ويدفع باتجاه مزيد من التشكيك في نزاهة الإجراءات القانونية المتبعة. في العديد من الحالات، تكون التهم التي وُجهت للسجناء الكرد غير مدعمة بأدلة قوية، وتفتقر إلى الشفافية في تقديم الأدلة والشهادات، مما يرفع من مستوى الظلم الذي يتعرض له هؤلاء الأفراد.

إن غياب المحاكمة العادلة يمثل انتهاكًا واضحًا للحقوق الأساسية للمعتقلين، ويعزز من حالة الاستهتار بالقانون الذي يضمن الحقوق الإنسانية. ففي أي نظام قانوني عادل، يُفترض أن يتمكن المعتقل من الدفاع عن نفسه أمام محكمة مستقلة، لكن في الواقع، لا يُتاح للسجناء في كثير من الحالات تلك الفرصة، مما يثير تساؤلات كبيرة حول مدى قانونية هذه الاعتقالات واستمرارها في ظل تغييرات أمنية وسياسية متسارعة.

العفو عن الجناة وتجاهل الأبرياء

ويثير الوضع أكثر من تساؤل عندما نلاحظ أنه في الوقت الذي تُصدر فيه بعض الجهات السياسية العفو عن العديد من الأفراد الذين ارتكبوا جرائم خطيرة، يبقى السجناء الذين لم يتم إثبات تورطهم في أية جرائم تُذكر قابعين خلف القضبان. هذه التناقضات تزيد من الإحباط لدى الأسر والمجتمع، حيث يرون أن العدالة لا تُطبق بشكل متساوٍ، وأن هناك تمييزًا واضحًا بين الأشخاص الذين ارتكبوا جرائم حقيقية وبين أولئك الذين يعيشون في السجون دون محاكمة عادلة.

إن العفو عن الجناة الذين ارتكبوا انتهاكات خطيرة لحقوق الإنسان في ظل استمرار اعتقال الأبرياء يُعمق شعورًا بالظلم ويُزيد من تمزق النسيج الاجتماعي. هذا التناقض يعكس ضعف الإرادة السياسية في تحقيق العدالة، ويزيد من الاحتقان في أوساط المجتمع السوري، الذي يطالب بأدنى درجات المساواة في تطبيق القوانين.

الضغط الاجتماعي وحقوق الأسر

لا يقتصر الوضع على السجناء أنفسهم، بل يمتد تأثيره إلى أسرهم التي تعيش حالة من القلق المستمر بشأن مصير أبنائهم. فقد باتت عائلات السجناء تسأل عن مصير أبنائهم في ظل غياب الشفافية والتواصل من جانب المسؤولين. أسئلة كثيرة تُطرح على المسؤولين، مثل: “أين هم الآن؟ ما هي خطوات العدالة المتخذة بشأنهم؟ وهل سنحصل على حقنا في معرفة مصيرهم؟”

إن هذه الأسئلة ليست فقط جزءًا من الحقوق الإنسانية الأساسية، بل هي مسألة تتعلق بالكرامة والعدالة التي يجب أن تتحقق في إطار الانتقال السياسي الذي يُفترض أن تشهده البلاد في الفترة القادمة. في وقت يبدو فيه أن الحكومة السورية وقسد يتفاوضان بشأن القضايا الكبرى، فإن قضية السجناء الكرد تبقى في الظل، وهو ما يضاعف من معاناة الأسر.

العدالة الانتقالية: ضرورة لا غنى عنها

في أي مرحلة من مراحل التحولات السياسية الكبرى، تتطلب العدالة الانتقالية معالجة القضايا المرتبطة بحقوق الإنسان والمساواة والعدالة. فهي ضرورية لضمان أن يتم الاعتراف بآلام الضحايا وتحقيق العدالة من خلال محاكمات عادلة، فضلاً عن إعادة بناء الثقة بين مختلف مكونات المجتمع. في حالة السجناء الكرد، يُنتظر من الأطراف المعنية أن تضع هذا الملف في مقدمة أولوياتها لتحقيق الانتقال الحقيقي إلى مرحلة أكثر استقرارًا وسلمًا.

وفي الختام، لا يمكن للعدالة الانتقالية أن تكتمل في ظل غياب معالجة القضايا الإنسانية المرتبطة بحقوق السجناء ومصيرهم. فقد أصبح من الضروري أن تعلن الأطراف المعنية موقفها بشكل صريح وتقدم حلولًا واضحة تضمن تحقيق العدالة للسجناء الكرد.

 

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

شادي حاجي لم يكن تحذير جون بولتون، مستشار الأمن القومي الأميركي السابق، للكرد في سوريا مجرّد رأي شخصي، بل توصيفاً صريحاً لواقع سياسي قاسٍ: التحالفات العسكرية لا تتحوّل تلقائياً إلى ضمانات سياسية، ومن يكتفي بدور “الشريك الميداني” قد يجد نفسه وحيداً عند أول تبدّل في المزاج الدولي. وفي السياق نفسه، يقدّم الدكتور سمير تقي، المؤسس والمدير العام لمركز الشرق…

تحية طيبة تابعنا التصريحات الصادرة عنكم بخصوص توجه وفد من المجلس الوطني الكوردي إلى دمشق وما تضمنته من ادعاءات بأن الزيارة تمت دون علم الأطراف الكردية وفي توقيت يضر بوحدة الصف الكوردي وإزاء ذلك نؤكد بوضوح أن هذه الاتهامات عارية عن الصحة ولا تستند إلى الوقائع بل تندرج في إطار التشويش والتضليل السياسي وهي لا تخدم مصلحة شعبنا بقدر ما…

خالد حسو ما جرى في روج آفا لم يكن حدثًا عابرًا، بل كان نتيجة أخطاء سياسية وسوء تقدير للواقع الإقليمي والدولي. لقد كانت الخسائر كبيرة، وكان الدرس قاسيًا. ومع ذلك، ما تزال الفرصة قائمة إذا توفرت إرادة حقيقية لإعادة النظر وتصحيح الاتجاه. لقد أثبتت التجربة السابقة أن التمسك بشعارات أيديولوجية بعيدة عن الأولوية القومية أدى إلى استنزاف بشري وعسكري، وأدخل…

خالد جميل محمد من أهمِّ مَظاهر استدامة الإخفاقِ وتواتره على صعيد الأفراد والمجتمعات والتنظيمات والإدارات والمؤسسات، وعلى صعيد العالم، في أي زمان أو مكان، إشغالُ المتسبِّب في الإخفاق نفْسَه والآخَرين بنتائج ذلك الإخفاق، بقصد تمويه الحقائق، دون القبول بالعودة النقدية الصحيحة والحقيقية والصادقة والجادّة إلى العوامل التي أدت إلى تلك النتيجة، فضلاً عن التنكر لفاعلية تلك العوامل وتأثيراتها وما ينجم…