حق تقرير المصير: مقاربة قانونية وسياسية وتطبيقاته على مكوّنات وشعوب سوريا

خالد حسو

 

يُعدّ حق تقرير المصير أحد المبادئ الأساسية في القانون الدولي المعاصر، وقد نصّ عليه ميثاق الأمم المتحدة، كما أكّدته العهدان الدوليان الخاصان بالحقوق المدنية والسياسية، والحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية. ويعني هذا الحق تمكين الشعوب من اختيار وضعها السياسي بحرّية، وتحديد مسارها الاقتصادي والاجتماعي والثقافي، دون تدخل أو إكراه خارجي.

ولا يُفهم حق تقرير المصير، من منظور قانوني وأكاديمي، على أنه مرادف حتمي للانفصال أو تفكيك الدول، بل هو مفهوم أوسع وأكثر مرونة، يمكن تحقيقه عبر أشكال متعددة، مثل الحكم الذاتي، أو الفيدرالية، أو اللامركزية السياسية، أو المشاركة العادلة في السلطة، بما يضمن كرامة الشعوب وحقوقها الأساسية.

سياسيًا، ارتبط هذا الحق تاريخيًا بسياقات إنهاء الاستعمار، ومواجهة الاحتلال، ومعالجة حالات التهميش البنيوي والإقصاء القومي أو الديني. وفي هذا الإطار، يصبح حق تقرير المصير أداة قانونية سلمية لمعالجة الأزمات البنيوية داخل الدول المتعددة القوميات والطوائف، وليس تهديدًا لوحدتها.

تطبيق المبدأ على الشعب الكوردي في سوريا (غرب كوردستان)

يُعدّ الشعب الكوردي في سوريا أحد المكونات القومية الأصيلة في البلاد، وقد عانى تاريخيًا من سياسات التهميش، وحرمانه من الاعتراف الدستوري بهويته القومية، ومن حقوقه الثقافية والسياسية، بما في ذلك اللغة والمشاركة المتكافئة في إدارة الشأن العام.

انطلاقًا من القانون الدولي، فإن مطالبة الكورد بحق تقرير المصير لا تعني بالضرورة السعي إلى الانفصال، بل يمكن أن تتجسد في:

الاعتراف الدستوري بالشعب الكوردي.

ضمان حقوقه الثقافية واللغوية.

تبنّي نظام لامركزي أو فيدرالي يتيح إدارة ذاتية ديمقراطية.

مشاركة عادلة في مؤسسات الدولة.

إن تجاهل هذه الحقوق لا يؤدي إلى الاستقرار، بل يفاقم الصراع، بينما يشكّل الاعتراف بها مدخلًا لحل سياسي مستدام داخل سوريا موحّدة.

الدروز والعلويون وحق تقرير المصير

ينطبق مبدأ تقرير المصير كذلك على المكونات الدينية والطائفية التي عانت من القلق الوجودي، أو الإقصاء السياسي، أو توظيفها قسرًا في صراعات السلطة، كما هو الحال مع الدروز والعلويين في سوريا.

فحق تقرير المصير لهؤلاء لا يعني إقامة كيانات طائفية مغلقة، بل يتمثل في:

ضمان الأمن والكرامة والمواطنة المتساوية.

إنهاء التهميش أو الاستغلال السياسي باسم الطائفة.

تمكينهم من إدارة شؤونهم المحلية ضمن إطار الدولة.

توفير ضمانات دستورية تحمي التنوع الديني والثقافي.

إن أي دولة لا تعترف بتعدديتها، ولا توفر آليات دستورية عادلة لإدارة هذا التنوع، تبقى دولة هشّة، مهما رفعت من شعارات الوحدة.

فلبعلم الجميع إن حق تقرير المصير، في جوهره ومضمونه، ليس دعوة إلى العنف ولا إلى تقسيم الدول، بل هو حق قانوني وإنساني يهدف إلى تحقيق العدالة، والاستقرار، والسلم الأهلي. وتطبيقه على الكورد في غرب كوردستان، وعلى الدروز والعلويين، يجب أن يتم ضمن رؤية ديمقراطية شاملة، تقوم على الحوار، والاعتراف المتبادل، وبناء دولة المواطنة المتساوية واحترام خصوصية جميع المكونات والقوميات والشعوب والأعراق والأديان واللغات.

فالدول لا تُبنى بخطاب الكراهية أو الإقصاء أو عسكرة الهويات، بل بالوعي، والمعرفة، والتفاهم، والحوار، واحترام حق الشعوب في أن تكون شريكة حقيقية في تقرير مستقبلها.

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

ريزان شيخموس الاستاذ الفاضل أكرم محمد ؛ قرأت مقالك باهتمام، ولا أخفي أنني وجدت فيه جهدًا واضحًا في محاولة تفسير أحد أهم الإشكاليات التي رافقت الحركة السياسية الكردية طوال القرن الماضي. وأعتقد أن مثل هذه الكتابات، مهما اختلفنا معها، تستحق أن تُناقش بهدوء لأنها تمس جوهر القضية الكردية ومستقبلها. لكن ما سأكتبه هنا ليس دفاعًا عن اليسار الكردي، كما قد…

صلاح بدرالدين في مقابلة مطولة مع فضائية – الجزيرة – تناولت العديد من القضايا الهامة المتعلقة بسوريا حاضرا ومستقبلا ، أعلن الرئيس السوري الانتقالي عن مواقف مستجدة شديدة الوضوح ومميزة تجاه الوضع الكردي السوري ، معترفا بوجود قضية كردية سورية ، خارج اطار– قسد – والتنظيمات . حول هوية سوريا قال : ” أن هوية البلاد سورية وان ادخال تعريفات…

عنايت ديكو المثقف لا تصنعه الاجتماعات والمؤتمرات والمظاهر البرّاقة، بل تصنعه المواقف، وتُنجبه المبادئ. المثقف هو ذاك العنقاء الذي يخرج من بين الزحام والآلام، حاملاً مشروعه الوجودي بين يديه. نعم … قد يخطئ المثقف، لأنه بشر، يأكل ويشرب، لكنه لا يخون عمداً، ولا يؤجر مساحات الوعي، ولا يبيع أركان ضميره، ولا ينكر معروفاً. فيبقى وفياً لقضية الانسان، صادقاً في مشاعره،…

شادي حاجي ورقة رؤية استراتيجية لبناء النفوذ الكردي داخل الديمقراطيات الغربية بعد عقود من الهجرة والاستقرار في أوروبا وأمريكا الشمالية وأستراليا، لم يعد السؤال: كم يبلغ عدد الكرد في المهجر؟ بل: لماذا ما يزال تأثيرهم السياسي والفكري أقل بكثير من حجمهم الحقيقي؟ لا تهدف هذه الورقة إلى نقد واقع الجاليات الكردية فحسب، بل إلى طرح رؤية عملية لكيفية تحويل…