شادي حاجي
تتناول هذه الدراسة مفهوم السياسة الواقعية في العلاقات الدولية، وتناقش مدى تغليب المصالح على القيم والأخلاق في سلوك الفاعلين الدوليين، متخذةً من القضية الكردية في سوريا نموذجاً تطبيقياً. وتُبرز الورقة التناقض بين عدالة القضية الكردية من جهة، والتخلي الإقليمي والدولي عنها من جهة أخرى، بما يكشف محدودية الخطاب الأخلاقي في النظام الدولي المعاصر. كما تسلط الضوء على جملة من الإخفاقات الذاتية البنيوية في الأداء السياسي الكردي، بوصفها عاملاً مكملاً لفهم تعثر هذه القضية.
أولاً: الإطار النظري – السياسة الواقعية في العلاقات الدولية
تُعدّ السياسة الواقعية أحد أبرز التيارات النظرية في العلاقات الدولية، وتنطلق من فرضية مركزية مفادها أن الدولة، بوصفها الفاعل الأساسي، تسعى إلى تعظيم مصالحها القومية، ولا سيما الأمن والبقاء والنفوذ، في بيئة دولية فوضوية تفتقر إلى سلطة أخلاقية عليا.
وفق هذا المنظور، لا تُعدّ القيم أو المبادئ أو حقوق الإنسان محددات حاكمة للسلوك السياسي، بل أدوات ظرفية يتم توظيفها عندما تنسجم مع المصلحة، والتخلي عنها عندما تتحول إلى عبء استراتيجياً. وعليه، تُختزل السياسة إلى حسابات القوة والكلفة والعائد، لا إلى ميزان العدالة أو الأخلاق.
ثانياً: القضية الكردية في سوريا – جذور تاريخية وعدالة مهملة
عانى الشعب الكردي في سوريا من إرث طويل من التهميش السياسي والثقافي، تجلّى في:
سياسات إنكار الهوية القومية،
حرمان شريحة واسعة من الجنسية لعقود،
تقييد اللغة والثقافة الكردية،
الإقصاء من مؤسسات الدولة والتمثيل السياسي.
وتُصنَّف المطالب الكردية، ولا سيما ما يتعلق بالاعتراف الدستوري، واللامركزية السياسية، والحقوق الثقافية، ضمن إطار المطالب المشروعة وفق القانون الدولي لحقوق الإنسان، ولا تنطوي بالضرورة على نزعة انفصالية كما يُروَّج سياسياً، بل تندرج في سياق السعي إلى شراكة وطنية عادلة داخل الدولة.
ثالثاً: التوظيف الدولي للقضية الكردية – دعم وظيفي بلا التزام
الولايات المتحدة الأمريكية
شكّل الكرد في سوريا حليفاً ميدانياً رئيسياً للولايات المتحدة في الحرب ضد تنظيم “داعش”، حيث قدّموا قوة برية فعّالة بأقل كلفة بشرية أمريكية. إلا أن هذا الدعم ظل تكتيكياً ومؤقتاً، ولم يُترجم إلى التزام سياسي طويل الأمد.
وعند تعارض الوجود الكردي مع المصالح الأمريكية الأوسع، ولا سيما العلاقة مع تركيا، جرى تقليص الدعم وترك الحليف الميداني في مواجهة مباشرة مع تهديدات إقليمية.
روسيا الاتحادية
انتهجت روسيا سياسة براغماتية تجاه الكرد، فتعاملت معهم كورقة ضغط في سياق التفاوض مع دمشق وأنقرة، دون تبنٍّ واضح لمطالبهم السياسية. وقد حافظت موسكو على أولوية وحدة الدولة السورية المركزية، ما حدّ من أي أفق حقيقي لمشروع سياسي كردي مستقل أو شبه مستقل.
تركيا
تنظر تركيا إلى أي كيان كردي في سوريا من منظور أمني صرف، معتبرةً إياه امتداداً لتهديد داخلي. وقد نجحت في تسويق هذا التصور دولياً، مستفيدة من مناخ السياسة الواقعية، حيث حظيت عملياتها العسكرية بتفهّم أو صمت دولي رغم ما رافقها من انتهاكات.
رابعاً: الأخلاق في الهامش – حدود الخطاب القيمي
تكشف التجربة الكردية في سوريا عن حقيقة مركزية في النظام الدولي المعاصر:
الأخلاق ليست عنصراً حاكماً في اتخاذ القرار السياسي، بل خطاباً مكملاً أو تجميلياً.
في هذا السياق:
لا يُكافأ الفاعل الذي يلتزم بالقيم إن لم يمتلك القوة،
ولا يُعاقَب من ينتهكها إذا كان ضرورياً في معادلات التوازن،
وتتحول القضايا العادلة إلى ملفات مؤجلة أو منسية.
خامساً: العوامل الذاتية – الإخفاقات البنيوية في الأداء السياسي الكردي
على الرغم من هيمنة السياسة الواقعية على السلوك الدولي، فإن اختزال تعثّر القضية الكردية في سوريا بالعوامل الخارجية وحدها يظل تفسيراً غير مكتمل. إذ تكشف التجربة العملية عن إخفاقات ذاتية بنيوية في الأداء السياسي الكردي أسهمت في إضعاف القدرة على تحويل عدالة القضية إلى نفوذ سياسي مؤثر.
ضعف الدور الإعلامي وغياب الاستثمار الاستراتيجي
عانى الإعلام الكردي من التشتت والارتهان للاصطفافات الحزبية وضعف التخطيط، رغم أن الإعلام يشكّل أحد أهم أدوات الصراع السياسي الحديثة.
ويصح هنا القول الشائع: “إذا كنت صاحب قضية وتدّعي تمثيل شعب وتملك مليون دولار، فعليك أن تنفق تسعمائة ألف منها على الإعلام”، لما له من دور حاسم في صناعة الرواية وبناء الشرعية والتأثير في الرأي العام الدولي.
إلا أن القضية الكردية افتقرت إلى خطاب إعلامي موحّد، متعدد اللغات، يخاطب العالم بلغة المصالح إلى جانب القيم.
قصور الأداء الدبلوماسي وضعف الكفاءة التمثيلية
اتسمت الدبلوماسية الكردية بمحدودية الاحتراف، حيث لم تكن معظم اللجان والمكاتب المعنية بالعلاقات الخارجية مؤهلة للقيام بهذا الدور المعقّد. وغلبت الاعتبارات الحزبية والولاءات الداخلية على معايير الكفاءة، ما أضعف القدرة على بناء تحالفات سياسية فعّالة ومستقرة.
تهميش الكفاءات وإقصاء المثقفين والأكاديميين
برزت مشكلة إبعاد أو ابتعاد أصحاب الخبرة والاختصاص من المثقفين والأكاديميين الكرد عن العمل السياسي، وعدم إفساح المجال أمامهم لتولي مواقع تتناسب مع قدراتهم، ما أسهم في إفقار الخطاب السياسي من محتواه المعرفي والاستراتيجي.
غياب منظومة العمل الاستشاري المؤسسي
افتقر الأداء السياسي الكردي إلى منظومة استشارية منهجية تضم خبراء في القانون الدولي، واللغات، والتاريخ، والإعلام، وسواها من الاختصاصات الضرورية، الأمر الذي انعكس في ضعف الصياغات السياسية وارتباك المواقف التفاوضية.
سادساً: الخلاصة والاستنتاجات
تُبرز القضية الكردية في سوريا التناقض البنيوي بين العدالة السياسية ومنطق المصالح في العلاقات الدولية. فهي قضية تمتلك مشروعية قانونية وأخلاقية، لكنها افتقرت إلى رعاية دولية مستقرة بسبب غياب توازن قوى داعم لها، وبسبب إخفاقات ذاتية في إدارتها سياسياً.
وتخلص الدراسة إلى أن:
السياسة الواقعية تظل الإطار الحاكم للسلوك الدولي،
العدالة وحدها لا تكفي لفرض الاعتراف،
القوة، وأدوات التأثير الناعمة، والإدارة السياسية الكفؤة، هي العوامل الحاسمة.
وعليه، فإن مستقبل القضايا العادلة في النظام الدولي، ومن ضمنها القضية الكردية في سوريا، يبقى مرهوناً بقدرتها على التحول من مجرد حقوق قومية مشروعة ومطالب عادلة وأخلاقية إلى أوراق ضغط سياسية فاعلة، تُدار بعقلية مؤسسية، وبأدوات العصر، وبلغة المصالح لا المظلومية وحدها.
وإلى مستقبل أفضل.