جنكيز حمدوش
تقوم مهنة الاعلام في جوهرها على نقل المعلومة بصدق وحياد وتمكين الجمهور من تكوين رأيه استنادا الى الوقائع لا الى التوجيه او التعبئة. غير ان التجربة العربية خلال الازمة السورية الداخلية كشفت تراجعا خطيرا في هذا الدور، حيث فقد كثير من الاعلاميين مهنيتهم، وتحول الاعلام من اداة معرفة الى اداة صراع.
في تغطية الازمة السورية لم يعد الاعلام العربي وسيطا محايدا بين الحدث والمتلقي، بل اصبح طرفا مباشرا في الصراع. فالقنوات والمنصات الاعلامية انقسمت وفق التموضع السياسي للدول، سواء في المصطلحات المستخدمة او انتقاء الاخبار او حتى طريقة عرض الضحايا والوقائع. وهكذا لم تعد الحقيقة هي الهدف، بل الانتصار للرواية التي تخدم الممول او الموقف السياسي.
عندما يفقد الاعلامي حياده يفقد تلقائيا ثقة الجمهور. ففي الحالة السورية الاخيرة جرى تضخيم احداث وتجاهل اخرى، واختزال المأساة الانسانية في عناوين انتقائية، مما ادى الى تشويه الواقع بدل فهمه. بحيث سعى بعض الاعلاميين الى نقل ما يراد للناس ان يصدقوه، لا ما يجري فعليا على الارض. فتحولت التغطية الاعلامية الى خطاب تعبوي يغذي الاستقطاب ويعمل على الانقسام المجتمعي.
والاخطر من ذلك ان الاعلامي عندما يتخلى عن المهنية يتحول الى اداة تبرر العنف او تصمت عنه. ففي الاعلام العربي لم تقاس المآسي السورية بمعيار انساني واحد، بل خضعت لمعايير سياسية متقلبة. فالضحية اصبحت مهمة او هامشية بحسب موقعها الجغرافي او انتمائها السياسي، لا بحسب حقها الانساني في الحياة والكرامة. وهنا تسقط رسالة الاعلام الاخلاقية قبل المهنية.
كما ساهم هذا الانحراف الاعلامي في تعقيد المشهد بدل المساعدة على استيعابه. فغياب التحليل المتوازن، وتهميش الاصوات المستقلة، وتقديم السجال السياسي على حساب التفسير الموضوعي، كلها منعت الرأي العام من ادراك تعقيدات الوضع، وحولته الى صورة مبسطة ومضللة دون مساءلة حقيقية لاي طرف.
لذا فان فقدان الحياد الاعلامي لا يعني فقط فشلا مهنيا، بل مسؤولية سياسية واخلاقية. فالاعلام ليس مجرد ناقل للخبر، بل صانع وعي، وحين يسخر هذا الوعي لخدمة اجندات ضيقة يصبح الاعلام شريكا في الازمة لا مراقبا لها.
وحيث الاحداث التي تشهدها سوريا، يلعب الاعلام العربي دورا في شرعنة الانقسام بدل الدفع نحو فهم اعمق ومساحة حوار اوسع. وللاسف، بدل ان يلعب هذا الاعلام دورا رياديا في تسليط الضوء على الحدث بمهنية عالية، تحول الى شركة فاشلة ومفلسة ايلة للسقوط.
14.01.2026