ادريس عمر
تشكل القضية الكردية إحدى أكثر الإشكاليات تعقيداً واستمرارية في تاريخ الدولة التركية الحديثة. فمنذ تأسيس الجمهورية التركية عام 1923 على أنقاض الإمبراطورية العثمانية، بُنيت الدولة القومية الجديدة وفق رؤية أحادية الهوية، أنكرت التعدد القومي والثقافي، ولا سيما الوجود الكردي على أراض تاريخية امتدت عبر الأناضول الشرقي وجنوب شرقها. وعلى مدى قرن من الزمن، اتسمت السياسات الرسمية التركية تجاه الأكراد بالإنكار، والقمع، ومحاولات الصهر القومي.
غير أن الخطاب السياسي التركي شهد في الآونة الأخيرة تحولاً لافتاً، تمثل في تبني شخصيات قومية متشددة – وعلى رأسها دولت بخجلي زعيم حزب الحركة القومية – خطاباً تصالحياً مفاجئاً يقوم على مفهوم “الأخوة التركية–الكردية” والدعوة إلى مسار سلمي مع حزب العمال الكردستاني (PKK). يهدف هذا البحث إلى تحليل دوافع هذا التحول، وربطه بالسياقات الإقليمية والدولية المتغيرة، واستشراف مآلاته.
أولاً: الجذور التاريخية للسياسة التركية تجاه الأكراد
قامت الجمهورية التركية على أساس معاهدة لوزان (1923)، التي تجاهلت الوجود القومي الكردي، وأقصته من أي اعتراف قانوني أو سياسي. ومنذ ذلك الحين، واجه الأكراد سياسات قمع ممنهجة تمثلت في حظر اللغة الكردية، وتغيير الأسماء الجغرافية، واعتبار الأكراد “أتراك الجبال”، فضلاً عن حملات عسكرية دموية أبرزها مجازر ديرسم (1937–1938).
وقد قوبلت هذه السياسات بمقاومة كردية مستمرة، بدءاً من ثورة الشيخ سعيد بيران (1925)، وثورة آرارات (آغري)، وصولاً إلى انطلاق الكفاح المسلح لحزب العمال الكردستاني عام 1984/1985، الذي شكّل نقطة تحول في مسار الصراع الكردي–التركي.
ثانياً: التحول المفاجئ في خطاب الدولة القومية
يُعد تبني دولت بخجلي – المعروف بتاريخ طويل من العداء الصريح للحركة السياسية الكردية – لخطاب “الأخوة بين الترك والكرد” تحولاً غير مسبوق في الحياة السياسية التركية. فالرجل الذي لم يسبق له مصافحة نائب كردي، بات اليوم يدعو إلى تسوية سياسية، ويؤيد دور عبد الله أوجلان، زعيم حزب العمال الكردستاني المسجون، في إطلاق مسار سلام جديد.
غير أن هذا التحول لم يترافق مع أي التزامات دستورية أو قانونية مكتوبة تعترف بالحقوق القومية للكرد، سواء في مجال الحكم الذاتي، أو اللغة، أو الهوية، أو تقرير المصير. بل تركز الطرح التركي على مطلب واحد جوهري: نزع سلاح حزب العمال الكردستاني دون مقابل سياسي واضح.
ثالثاً: البعد السوري وإصرار تركيا على تفكيك «قسد»
يتجاوز الموقف التركي حدود الداخل، ليشمل شمال وشرق سوريا، حيث تصر أنقرة على نزع سلاح قوات سوريا الديمقراطية (قسد) ودمجها في الجيش السوري. ويعكس هذا الإصرار هاجساً استراتيجياً تركياً يتمثل في منع تشكل كيان كردي ذي طابع سياسي–عسكري على حدودها الجنوبية، قد يشكل نواة لدولة كردية مستقبلية.
ترى تركيا في أي تجربة حكم ذاتي كردية – حتى وإن كانت ضمن دولة أخرى – تهديداً وجودياً لنموذجها القومي المركزي، وتسعى إلى وأد هذه التجربة قبل أن تترسخ سياسياً ودولياً.
رابعاً: السياق الإقليمي والدولي للتحول التركي
لا يمكن فهم هذا التحول بمعزل عن المتغيرات الإقليمية والدولية المتسارعة، لا سيما بعد أحداث 7 تشرين الأول/أكتوبر، والحرب الإسرائيلية على غزة، وتداعيات المواجهة مع حزب الله، والضربات المتكررة للمشروع النووي الإيراني، فضلاً عن إعادة إحياء الحديث عن “الشرق الأوسط الكبير”.
في هذا السياق، يبدو أن أنقرة تشعر بقلق متزايد من إعادة رسم خرائط النفوذ في المنطقة، وما قد يترتب على ذلك من صعود محتمل لمشاريع قومية جديدة، وفي مقدمتها المشروع الكردي. ومن هنا، يمكن قراءة المبادرة التركية كخطوة استباقية تهدف إلى تحييد العامل الكردي داخلياً وخارجياً، وإفراغه من مضمونه السياسي.
خامساً: التاريخ يعيد نفسه؟
يستحضر هذا المشهد تجربة مؤتمر لوزان، حين دفعت أنقرة بشخصيات كردية شكلية لإنكار وجود قضية كردية. واليوم، يثار تساؤل جوهري حول الدور المنوط بعبد الله أوجلان في المسار الحالي: هل يُراد له أن يكون شريكاً في حل عادل، أم أداة لاحتواء المشروع القومي الكردي وإجهاضه؟
إن غياب الضمانات المكتوبة، وتكرار الخطاب الأخلاقي العام دون خطوات دستورية ملموسة، يعزز الشكوك الكردية إزاء نوايا الدولة التركية.
خاتمة
إن القضية الكردية ليست طارئة ولا قابلة للحل عبر تكتيكات ظرفية أو تسويات أمنية مؤقتة. فالأكراد شعب أصيل يعيش على أرضه التاريخية، وقد قُسمت جغرافيته بفعل اتفاقيات دولية، لكنه واصل نضاله من أجل حقوقه القومية والسياسية.
وفي ظل التحولات الجيوسياسية الراهنة، يبدو أن المشروع الكردي يدخل مرحلة جديدة من الصراع بين محاولات الاحتواء الإقليمي وإرادة تقرير المصير. ومهما اختلفت الأدوات أو تبدلت الشخصيات، فإن مطالب الشعوب لا تسقط بالتقادم، وسيظل تحقيق الكرد لحقوقهم – بما في ذلك حقهم في دولتهم المستقلة – احتمالاً قائماً، عاجلاً أم آجلاً