السجين الحقيقي: بيانٌ للذين كسروا القيود ولم يخرجوا… وللذين خرجوا وما زالوا مكبّلين

خالد حسو

السجن ليس غرفة معتمة.
السجن ليس بابًا يقف عليه سجان أبله بمفتاح صدئ.
السجن الحقيقي — ذلك الذي يبتلع الإنسان دون أن يترك أثرًا — هو الذي يسكن في الرأس، في الوعي، في الانحناءة الصغيرة التي تُمارسها كل يوم دون أن تلاحظها.
السجن هو أن تتعود الخوف حتى يصبح جزءًا من مفاصلك.
هو أن تتحول الطاعة إلى عادة. هو أن تمشي في الحياة ومعك شخص غير مرئي يكتب قراراتك، يحدد اتجاهك، يقيس خطواتك، ويُملِي عليك كيف تفكر، وما تشتهي، وما تخاف، ولمن تنحاز.
السجين الحقيقي. هو من يمشي مستقيمًا بينما روحه محنية، من يتكلم بصوت مرتفع بينما ضميره يتهامس، من يرفع رأسه أمام الناس بينما يطأطئه في داخله.

هذا السجين لا يحتاج إلى جدران…
هو الجدار.
السجون التي تنمو مثل الفطريات في العقول
هناك سجون لا تحتاج إلى بوابات.
سجون تتكاثر مثل الجراثيم:
سجن ضيق الأفق،
سجن العنصرية،
سجن الشوفينية،
سجن “أنا وحدي”،
سجن “لوني أفضل”،
سجن “لغتي أعلى”،
سجن “تاريخي يعلو فوقكم”.
هذه السجون لا تحبس الآخرين… بل تحبس صاحبها. تحوله إلى كتلة من الخوف، كتلة من الحقد، كتلة من الجهل الصارخ.
إن الإنسان العنصري — مهما بدا شامخًا — هو سجين هشّ. يرتجف من وجود الآخر، يخاف من لغة ليست لغته، يرتجف من هوية ليست هويته، يصرخ لأنه مرعوب، يتعصب لأنه ضعيف، يكره لأنه لا يعرف كيف يفهم.
العنصري هو السجين الذي ظن أنه السجان.
والمتعصب هو القابع في فم كهفه، يخاف كل ضوء.
والشوفيني هو الذي يمشي فوق أرض واسعة لكنه يرى العالم كله في مساحة أصغر من قبر.
الشعوب التي تُحشر في الهامش… لا تنطفئ
ثمّة شعوب تُحشر في الهوامش.
تقال لهم: “مكانكم هناك…”
لكن الهامش، مع الزمن، يتحول إلى قلب.
الشعوب التي تُقمع لا تنتهي.
الشعوب التي تُحجب لا تغيب.
الشعوب التي يُراد لها أن تُنسى، هي أول من يرفع راية الذاكرة فوق خرائب التاريخ.
الشعب الكردي — مثالًا صارخًا لا يخطئه أحد — لم يكن يومًا عابرًا. كان شعبًا، وظل شعبًا، وسيبقى شعبًا، رغم الحدود، رغم الإنكار، رغم الخرائط المطموسة، رغم الجغرافيا الموزعة على موائد القوى.
إن الكرد لم يطالبوا بمعجزة. لم يطلبوا ما ليس لهم. لم يقفوا على أبواب الأمم ليتسوّلوا اعترافًا.
إنهم فقط قالوا:
“نحن هنا… كما كنا دائمًا.”
والمؤسف، بل المضحك المبكي، أن هناك من أراد لهم ألا يكونوا.
وكيف تُلغى أمة؟
كيف يُلغى شعب؟
وكيف تُطفأ لغة؟
وكيف يُمحى تاريخ أقدم من كثير من الدول التي تحاول محوه؟
الشعب الكوردي ليس طارئًا. الشعب الكوردي ليس صدفة. الشعب الكوردي ليس ملحقًا أو تابعًا أو هامشًا. الشعب الكوردي صفحة من أولى صفحات الشرق، وطبقة من طبقاته الجيولوجية، وصوت من أصوات جباله، وجرحٌ قديمٌ وراسخ… لكنه لم يتحول إلى استسلام.
الحق ليس ورقة يوقعها أحد… الحق نار
الحق لا يُعطى، الحق لا ينتظر موافقة، الحق لا يشيخ، الحق لا يحتاج إلى لغة دبلوماسية.
الحق — حين يكون حقًا — يشبه البراكين:
يظهر عندما يريد. يسيل عندما يريد، يغير تضاريس الأرض عندما يريد.
وحق الشعوب في تقرير مصيرها هو البركان الأول.
هو الحقيقة التي حاولت الأنظمة أن تطبق عليها بالتراب…
لكن النار دائمًا تجد طريقها.
الذين يخافون من هذا الحق هم الذين يعرفون — في أعماقهم — أنهم بنوا استقرارهم فوق جثث الآخرين، يعرفون أنهم صنعوا دولهم على حساب هوية لم يكسروها بل كسرو ظهور أهلها.
يعرفون أن الاعتراف يعني النهاية:
نهاية هيمنتهم، نهاية خطابهم الواحد، نهاية روايتهم المتضخمة.
ولذلك يقاومون. ولذلك يصرخون، ولذلك يكتبون التاريخ بأيدي مرتعشة.
لكن الحق لا يتراجع، الحق لا يتفاوض. الحق لا يخاف أحدًا.
الشراكة الحقيقية لا تنمو في أرض مسروقة
العرب والكورد — شاء من شاء وأبى من أبى — جيران الأرض والتاريخ والدم، والمستقبل لا يُكتب بالصراخ ولا بالقهر ولا بالمجازر الصغيرة ولا الكبيرة، المستقبل لا يُبنى على أن يفنى طرف ليعيش الآخر.
الشراكة ليست كرمًا، ليست منحة، ليست تنازلًا، الشراكة هي قانون البقاء.
المنطقة التي تضم قوميات عدة، ديانات عدة، لغات عدة…
ولا تعترف إلا بواحدة…
هي منطقة تنتحر ببطء، تلتهم أطرافها، ثم تنهش قلبها.
ولا سلام حقيقي ما دام الكورد محذوفين من معادلة الحقوق. ولا استقرار ما دامت الشعوب تُعامل كالقطع الاحتياطية في محركات الدول.
الشراكة لا تبدأ من السياسي… بل من الأخلاقي. لا تبدأ من الخطابات… بل من القناعة. لا تبدأ من المواثيق… بل من الاعتراف:
“أنت شعب… وأنا شعب. أنت حق… وأنا حق. ولن نعيش إلا معًا.”
كسر السجون: إعلان للعصر الجديد
فلنكسر السجون كلها:
سجن القمع، سجن العنصرية، سجن الإنكار، سجن الخوف الوراثي، سجن الوعي المحنّط، سجن الأنظمة التي تجيد صناعة الأعداء ولا تجيد صناعة الإنسان.
لنعلن أن زمن الأسياد قد انتهى، وزمن الشعوب قد بدأ، وزمن المنابر الصامتة يُدفن، وزمن الأصوات الحقيقية ترتفع.
الحرية ليست أغنية، الحرية ليست شعارًا، الحرية ليست قميصًا يرتديه السياسي، الحرية مصير، الحرية ولادة، الحرية معركة، الحرية حقيقة لا تنطفئ.
وحين نعيد لكل شعب حقه — وعلى رأسهم الشعب الكوردي — نكون قد بدأنا رسم خارطة جديدة للشرق:
خارطة بلا سجون، بلا إلغاء، بلا لعنات تاريخية، بلا خوف، بلا جلادين صغار.
خارطة تُبنى على إنسان كامل… لا نصف إنسان.

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

أحمد عبدالقادر محمود لم ينعم الكرد السوريين حيناً و لا يوماً بحركة سياسية تُناسب تطلعاته ، بعد تنامي الشعور القومي وتصاعد وتيرته ، جراء المخزون الهائل و التراكمي لصدى الثورات الكردية في الأجزاء الأخرى من كُردستان ، تلك الثورات التي قارعت أعتى القوى العنصرية و الشوفينية المناهضة للحقوق الكردية ، مخزونٌ تاريخي و وجداني شكّل وعياً كان من شأنه…

محمود أوسو كلما فشلنا في قراءة الحاضر ،هربنا إلى الماضي لنصنع كبش فداء في الرواية الشعبية السائدة ،إن كردستان ضاعت لأن نائبا” كرديا” إسمه حسن خيري وقف في برلمان أنقرة عام ١٩٢٠ باللباس الكردي وقال :نحن والترك إخوة ودولتنا هي تركيا . بهذه الجملة وبحسب هذه الرواية ،سقطت معاهدة سيفر وجاءت معاهدة لوزان ودفن الحلم. هذه ليست قراءة تاريخية لأسباب…

د. محمود عباس ليست المؤتمرات الثقافية مجرد محطات تنظيمية تُراجع فيها اللوائح وتُنتخب الهيئات، بل هي، حين ترتبط بقضية شعب وذاكرته وثقافته، لحظات لمراجعة المسار وتجديد المسؤولية وتحديد ما ينبغي أن يكون عليه دور الكلمة في المراحل المتغيرة. ومن هذا المعنى يكتسب المؤتمر الثالث للاتحاد العام للكتاب والصحفيين الكورد في غربي كوردستان، المزمع انعقاده غدًا، في 23/8/2026 بمدينة إيسن الألمانية،…

اكرم حسين منذ تأسيس أول حزب سياسي كردي في سوريا عام 1957، دخلت القضية الكردية مرحلة جديدة، انتقلت فيها من التعبير الثقافي والاجتماعي المتفرق إلى العمل السياسي المنظم ، وبعد قرابة سبعة عقود، يبقى السؤال مطروحاً: لماذا لم تجد القضية الكردية حلاً؟ وهل يعود ذلك إلى الظروف الموضوعية، أم أن جانباً من الإخفاق يرتبط أيضاً بطبيعة القيادة الكردية وأدواتها السياسية؟…