حين يصبح الماء حلماً

عبدالجابر حبيب

في كل بلدان العالم، يقاس فشل الحكومات بعجزها عن تلبية أبسط الحاجات اليومية: كوب ماء، ساعة كهرباء، رغيف خبز صالح للأكل، ووقود يكفي لشتاء قارس. لكن في سوريا، يبدو أن هذه البديهيات صارت ترفاً، تُمنح بالقطّارة حيناً، وتُمنع تماماً أحياناً أخرى، بينما يبقى المواطن أسير وعود لا تتحقق وخطابات لا تُسمن ولا تُغني من جوع.

وعود تتبخر

الماء، أساس الحياة، صار في سوريا امتحاناً يومياً للكرامة الإنسانية. في الحسكة، يعاني السكان منذ سنوات بسبب غطرسة الدولة التركية التي أوعزت للفصائل التي احتلت سري كانيه بإيقاف تغذية محطة علوكي نهائياً، المصدر الأساسي لمياه الشرب لمدينة الحسكة، فصار سكانها مضطرين للاعتماد على شراء الماء من الصهاريج التي تتحكم برقاب الناس وتبيع الحياة نفسها بثمن باهظ.

الأمر لا يقتصر على الحسكة وحدها، بل يمتد إلى معظم المدن السورية: أحياء كاملة في دمشق العاصمة، وفي ريفها، تعيش على قطرة ماء تأتي مرة كل أسبوع أو لا تأتي أبداً. وكذلك الحال في حلب وحمص ودير الزور، حيث تتكرر الأعذار نفسها في مدينة قامشلو منذ بداية الصيف هناك أحياء لم تصلها الماء منذ شهرين وأكثر تحت حجج غير مقنعة إطلاقاً من قبل موظفي المياه في مقابلاتهم التلفزيونية: ندرة المياه الجوفية بسبب قلة الأمطار، شبكة متهالكة تتسرب منها المياه، أعطال في الكهرباء تمنع الضخ، أو غياب الكادر الفني اللازم للتصليح. كان الأجدر بهم أن يقدموا استقالتهم من ذلك المنصب الوظيفي ليفسح المجال لمن هو أجدر .

لكن بدل من ترك الوظيفة يقدم ذرائع محفوظة يرددها المسؤول في كل مقابلة تلفزيونية “الماء سيأتي غداً ” والغد يأتي ويمضي، والماء لا يصل. المواطن يشتري الماء بماله الخاص، بينما الدولة تغيب عن أبسط التزاماتها. وللمفارقة، فإن وزير المياه في بوليفيا عام 2000 اضطر للاستقالة بعد “حرب المياه” في كوتشابامبا حين عجز عن تأمين حق الشرب للناس، وفي جنوب إفريقيا عام 2018 وُضع عمدة كيب تاون تحت ضغط الاستقالة بسبب أزمة “اليوم صفر” حين قاربت المدينة على الجفاف الكامل. أما هنا، فالمسؤول يبقى جالساً على كرسيه ولو عطش الشعب كله.

ظلام مبرمج

إذا كان الماء حلماً، فالكهرباء صارت نكتة سوداء. جداول “التقنين” توزع وكأنها وعود سياسية “ستأتي الكهرباء من السادسة إلى التاسعة”، لكن السادسة تمرّ ويليها السابعة والثامنة دون ضوء. الظلام صار القاعدة والنور استثناءً عابراً. أما مدينة قامشلو فقد نسي السكان ما هي الكهرباء النظامية منذ أكثر من سنتين وأصبح الأهالي تحت رحمة أصحاب المولدات؛ حدث ولا حرج.

وللمقارنة فقط: في الهند، أقالت حكومة ولاية ماهاراشترا وزير الطاقة عام 2012 بعد انقطاع كهرباء واسع شلّ حياة الملايين لأيام. في باكستان كذلك، اضطر وزراء الطاقة للاستقالة أكثر من مرة بسبب العجز عن توفير التيار. أما في سوريا، فالانقطاع هو القاعدة، والمسؤول لا يُسأل ولا يُحاسَب.

سخرية التدفئة الشتوية

مع كل شتاء، تُوزَّع 300 ليتر مازوت للعائلة السورية، وتُطلب منها المعجزة: أن تدفئ أطفالها من تشرين الثاني أو كانون الأول حتى منتصف آذار بهذا المقدار الساخر. والسؤال البسيط: أي مسؤول جرّب أن يعيش بهذا الكفاف؟ أي وزير أو محافظ أو موظف ذات شأن يمكنه أن يصمد في برد الليل بلا مدافئ تعمل باستمرار؟ الحقيقة أن الوفرة محصورة في مكاتبهم، بينما الناس يرتجفون تحت البطانيات.

في أوروبا الشرقية، استقال وزراء في رومانيا وبلغاريا عقب أزمات وقود وتدفئة لم تتجاوز أياماً، بينما في سوريا صارت البرودة جزءاً من الهوية البصرية للشعب السوري.

علف للفقراء

أما الخبز، فقد صار إهانة يومية. أرغفة تخرج من الأفران وكأنها معدّة لعلف الحيوانات لا لأكل البشر: قشرة صلبة، لبّ أجوف، طحين أسود يابس. ومع ذلك لا يرى المسؤولون هذه المهانة، لأنهم ببساطة لا يأكلون هذا الخبز. لهم أرغفتهم الخاصة، أما الشعب فيقضم ما يشبه العلف، ويصمت.

من يشتكي…

الأخطر من كل ذلك أن من يتحدث عن هذه النواقص يُعامل وكأنه ارتكب جريمة بحق الوطن. الوطنية هنا تعني أن تصمت عن العطش والجوع والبرد. “إن كنت مخلصاً فأغلق عينيك عن العيوب”، هكذا يقال للمواطن.

لكن أي وطن هذا الذي يطلب من مواطنيه أن يموتوا عطشاً وجوعاً وصمتاً؟

وطنيّة جوفاء

يكفي اللعب على شعار الوطنية الجوفاء التي جعلت المواطن السوري مجرد طبل يردد ما يطلبه الرئيس وحاشيته طوال خمسين عاماً من حكم الأب والابن، تحت لافتة “التوازن الاستراتيجي مع العدو الصهيوني”. واليوم تُعاد الأسطوانة نفسها، لكن بصوت أكثر سذاجة.

الوطنية الحقيقية تبدأ من كوب ماء يصل إلى بيت عطشان، ومن رغيف خبز لا يُهان به جائع، ومن كهرباء تنير غرفة مظلمة. أما ما عدا ذلك، فليس إلا خطابات فارغة تُغطي على حقيقة واحدة: إن الدولة التي تعجز عن تأمين أبسط ضروريات الحياة لا تملك الحق في أن تطلب من مواطنيها الولاء.

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

زاهد العلواني – القامشلي ليس من العدل، ولا من الوفاء، أن يُختصر تاريخ شيوخ القبائل وأغوات العشائر في الجزيرة السورية بكلمة عابرة أو حكم متسرّع من قِبل جاهل لتاريخ الجزيرة . هؤلاء الرجال كانوا أعمدة الأرض يوم كان النظام يحكم بأسم البعث، رغم ذلك كانوا صمّام الأمان حين اشتعلت الفتن. هم من أصلحوا بين الناس، وحموا الجار، وأغاثوا الملهوف، وفتحوا…

شادي حاجي تدخل سوريا مرحلة يُعاد فيها تعريف شكل الدولة وصلاحياتها وموازين القوة. وفي قلب هذا التحوّل تقف القوى الكردية، بمختلف أحزابها وأطرها السياسية، أمام اختبار حقيقي: هل تكتفي بإدارة الواقع، أم تعيد بناء نفسها لتكون شريكاً فعلياً في صياغته؟ أول الطريق هو الاعتراف بالتحديات: فجوة ثقة بين القواعد والقيادات، وبين القيادات والشعب، وضعف في المؤسسية، واستقطاب سياسي يبدّد الطاقة،…

نورالدين عمر التقديس في جوهره هو إضفاء صفة “العصمة” أو “الألوهية” أو “الرفعة المطلقة” على شيء ما (شخص، فكرة، أو نص)، بحيث يخرج من دائرة النقد والمساءلة إلى دائرة التسليم التام. سأحاول توضيح بعض الفوارق الجوهرية بين التقديس الديني والتقديس السياسي، وكيف يتحولان إلى حجر عثرة أمام التغيير:   أولاً: التقديس الديني: ينبع عادةً من الإيمان بوجود مصدر إلهي…

عنايت ديكو بعد الانتصارات الكوردستانية اللافتة في الانتخابات العراقية، وصعود نجم الحزب الديمقراطي الكوردستاني مجدداً، حاولت تركيا وإيران، إلى جانب الجماعات الشيعية والسنية العروبوية في العراق، تطويق هذا الانتصار القومي والتاريخي الذي تحقق لـ هولير، لما يحمله من دلالات استراتيجية تعيد الاعتبار للمشروع الكوردي بوصفه رقماً صعباً في معادلات الإقليم. ونتيجة لهذه الاستحقاقات وتأثيرها المباشر على كوردستان سوريا،…