سوريا: خارطة عبور نحو الاستقرار والدولة

 أكرم حسين
وسط الخراب السوري المتراكم، واستمرار حالة التشظي السياسي والانقسام المجتمعي، تبدو الحاجة إلى مشروع إنقاذ وطني أكثر إلحاحاً من أي وقت مضى. فقد أثبتت السنوات الماضية أن النزاع المسلح والتجاذبات الإقليمية والمساومات الدولية، فشلت في إنتاج حل مستدام أو بناء دولة قابلة للحياة ، وعليه، لم يعد أمام السوريين سوى خيار واحد: التفاهم الداخلي على خارطة عبور نحو الاستقرار والدولة، تبدأ بتشكيل حكومة وحدة وطنية انتقالية وتنتهي بوضع دستور جديد عبر جمعية تأسيسية .
إن حكومة الوحدة الوطنية هي المخرج السياسي، التي تفرضها ضرورات مرحلة ما بعد الاسد لإعادة توحيد الدولة السورية المتشظية، وإنهاء تعدد السلطات والمجموعات المسلحة ، وتوفير سلطة تنفيذية انتقالية تحظى بشرعية داخلية وتفاهم إقليمي ودولي. بحيث تتشكل هذه الحكومة على قاعدة التمثيل الوطني ، وأن تضم شخصيات من مختلف القوى الوطنية والسياسية والمجتمعية، مع مراعاة التوازن بين المكونات القومية والدينية، بحيث تكون التعبير الحقيقي عن إرادة السوريين وليست عبر  تفاهمات عبرغرف التفاوض المغلقة.
يجب أن لا تقتصر مهمة هذه الحكومة على إدارة شؤون يومية أو تقديم خدمات، بل عليها أن تشمل إعادة بناء مؤسسات الدولة من قضاء وأمن وإدارة مدنية، وتفعيل الخدمات الأساسية التي انهارت، وإطلاق برامج المصالحة والعدالة الانتقالية، وصولاً إلى تنظيم بيئة سياسية حرة تفضي إلى انتخابات ديمقراطية نزيهة. فهي الجهة التي يفترض بها أن تُشرف على التحول من منطق الحرب والهيمنة إلى منطق الشراكة الوطنية، وأن تقود المرحلة الانتقالية برؤية إصلاحية بعيداً عن الثأر والانتقام .
وكي تكون  هذه الحكومة،  قادرة على تنفيذ مهمتها، تحتاج إلى غطاء دستوري مؤقت يُنظّم المرحلة الانتقالية، وهذا يقودنا إلى النقطة الجوهرية الثانية في خارطة العبور: تشكيل جمعية تأسيسية وطنية لصياغة دستور جديد. فالاعلان الدستوري المؤقت  ، بكل ما يحمله من أوجه الاستبداد ومركزية السلطة، لا يصلح لأن يكون مرجعية لبلد يطمح إلى بناء نظام تعددي ديمقراطي. كما أن أي تعديل شكلي أو ترقيعي لا يمكن أن يلبّي تطلعات السوريين، الذين دفعوا ثمناً باهظاً من أجل الحرية والمساواة والكرامة.
تُشكَّل الجمعية التأسيسية من ممثلين حقيقيين عن مختلف مكونات المجتمع السوري: قومياته، أقاليمه، قواه السياسية، منظماته المدنية، شبابه ونسائه. لا تُفرض من الخارج، ولا تُعيّن بقرار فوقي، بل تُنتج بعملية توافق وطني واسعة أو عبر انتخابات حرة في المناطق الممكنة لا وتكون مهمتها الأساسية صياغة دستور يعيد تعريف الدولة السورية، بوصفها دولة مدنية، ديمقراطية، لا مركزية، قائمة على مبدأ المواطنة المتساوية، والفصل بين السلطات، واستقلال القضاء، وحماية الحريات الفردية والعامة، وضمان الحقوق القومية والثقافية والدينية لكل المكونات دون تمييز.
الدستور الجديد يجب ألا  يُكتب بمنطق المنتصر أو بعقلية الوصاية، بل بروح الشراكة والمسؤولية التاريخية ، وهو وحده القادر على إعادة إنتاج شرعية سياسية واجتماعية، وفتح الطريق أمام بناء مؤسسات فاعلة، وإنهاء حالة التبعثر والانقسام التي مزقت الجغرافيا والهوية السورية.
الطريق نحو هذه الخارطة ليس مفروشاً بالورود. فهناك تحديات كبيرة، من استمرار السيطرة الأمنية لبعض القوى، إلى تعقيدات المشهد الإقليمي والدولي، ووجود سلطات أمر واقع، وانعدام الثقة بين الأطراف، وعمق الجراح التي خلفتها الحرب. لكن البديل عن هذا المسار هو استمرار الانهيار، وتكريس التقسيم، وفتح الباب لمزيد من التدخلات الخارجية التي حوّلت سوريا إلى ساحة صراع مفتوح بلا أفق.
لهذا، فإن استعادة القرار الوطني، وإنجاز تسوية سياسية عادلة وشاملة، يجب أن ينطلقا من الداخل السوري، بمبادرة وطنية مسؤولة، تبدأ من تفاهم سياسي جريء بين القوى الفاعلة، وتشمل جميع الأطراف التي تؤمن بوحدة سوريا وسيادتها، وترفض منطق الإقصاء والهيمنة.
لا يمكن لأي مشروع بناء دولة أن ينجح دون عقد اجتماعي جديد ودستور جامع، ولا يمكن للدستور أن يُكتب في فراغ أو على فوهة البندقية، ولا لحكومة انتقالية أن تحكم دون توافق وطني ومظلة قانونية واضحة. 
 تُؤكّد جميع تجارب الشعوب التي خرجت من الحروب الأهلية أنه  لا استقرار بلا شراكة، ولا دولة بلا مصالحة، ولا شرعية بلا تمثيل.
هذا هو الطريق الوحيد نحو سوريا مستقرة، عادلة، موحدة، تتسع لكل أبنائها، وتستعيد مكانتها في المنطقة والعالم، بعد سنوات من الألم  والضياع.؟

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

عبدالرحمن کورکی (مهابادي)* قرأنا في تاريخ ثورات العالم أن الشعوب المظلومة قد تتعثر، لكنها لا تستسلم. لقد نهضت مراراً وتكراراً وانتفضت ضد الديكتاتورية والاستبداد؛ لأنها آمنت بهدفها. الحرية هي المثل الأعلى الذي تصمد الشعوب من أجله، وتكسر الطرق المسدودة بأمل الانتصار. والشعب الإيراني ليس استثناءً من هذه القاعدة؛ فهو شعب يؤمن بأن القيود ستتحطم يوماً ما وأن الحرية ستتحقق. ورغم…

زاهد العلواني – القامشلي ليس من العدل، ولا من الوفاء، أن يُختصر تاريخ شيوخ القبائل وأغوات العشائر في الجزيرة السورية بكلمة عابرة أو حكم متسرّع من قِبل جاهل لتاريخ الجزيرة . هؤلاء الرجال كانوا أعمدة الأرض يوم كان النظام يحكم بأسم البعث، رغم ذلك كانوا صمّام الأمان حين اشتعلت الفتن. هم من أصلحوا بين الناس، وحموا الجار، وأغاثوا الملهوف، وفتحوا…

شادي حاجي تدخل سوريا مرحلة يُعاد فيها تعريف شكل الدولة وصلاحياتها وموازين القوة. وفي قلب هذا التحوّل تقف القوى الكردية، بمختلف أحزابها وأطرها السياسية، أمام اختبار حقيقي: هل تكتفي بإدارة الواقع، أم تعيد بناء نفسها لتكون شريكاً فعلياً في صياغته؟ أول الطريق هو الاعتراف بالتحديات: فجوة ثقة بين القواعد والقيادات، وبين القيادات والشعب، وضعف في المؤسسية، واستقطاب سياسي يبدّد الطاقة،…

نورالدين عمر التقديس في جوهره هو إضفاء صفة “العصمة” أو “الألوهية” أو “الرفعة المطلقة” على شيء ما (شخص، فكرة، أو نص)، بحيث يخرج من دائرة النقد والمساءلة إلى دائرة التسليم التام. سأحاول توضيح بعض الفوارق الجوهرية بين التقديس الديني والتقديس السياسي، وكيف يتحولان إلى حجر عثرة أمام التغيير:   أولاً: التقديس الديني: ينبع عادةً من الإيمان بوجود مصدر إلهي…