الفرق بين اللامركزية السياسية والإدارية من تفويض الوظيفة إلى شراكة القرار

د. محمود عباس

الفرق بين اللامركزية الإدارية واللامركزية السياسية ليس مجرد فارق تقني في أنماط الحكم، بل هو انعكاس عميق لرؤية الدولة لمواطنيها، ولمفهوم السلطة، ولمدى اعترافها بالتعدد والاختلاف داخل نسيجها الوطني. ويمكن فهم هذا الفرق بلغة تحليلية أدبية وسياسية على النحو التالي:

  • اللامركزية الإدارية، سلطة الوكالة لا الشراكة

اللامركزية الإدارية، كما يدلّ اسمها، والتي تتمسك بها الحكومة السورية الانتقالية إما عن قناعة وطموح للسيطرة أو تحت إملاءات خارجية، هي تفويضٌ جزئي للمهام والخدمات من المركز إلى الأطراف، دون أن يتزحزح جوهر القرار السيادي قيد أنملة عن قلب السلطة المركزية.

هي تشبه العلاقة بين ربّ عمل يمنح موظفيه حرية تنظيم الوقت، لكنه يحتفظ لنفسه بكل مفاتيح القرار. في هذا النموذج، تُدار المحافظات والمناطق بقدر من الاستقلال التنفيذي – في التربية، في الصحة، في الطرقات – لكن دون أن يكون لها الحق في صياغة مصيرها، أو تقرير سياساتها العامة.

هي لامركزية وظيفية لا سياسية، تهدف غالبًا إلى تحسين الكفاءة الإدارية، أو تفريغ المركز من عبء التفاصيل اليومية، لا إلى اعتراف حقيقي بحق الجماعات والمكوّنات المختلفة في إدارة شؤونها، وفقاً لرؤاها، وثقافاتها، ومصالحها.

ففي اللامركزية الإدارية، تبقى الدولة واحدة، وصوتها واحد، وعقلها واحد، أما الأطراف فمطالبون بالتنفيذ لا بالمشاركة في التشريع أو رسم السياسات.

  • اللامركزية السياسية، شراكة في السيادة وتعدد في الهوية

أما اللامركزية السياسية، والتي هي مطلب الشعب الكوردي ومعظم مكونات سوريا، لبناء سوريا المستقبل، فهي انتقال من منطق التفويض إلى منطق الشراكة، ومن مركزية الدولة الواحدة إلى تعدد مراكز القرار ضمن وحدة وطنية. وهذه الملامح تشكل جوهر الفيدرالية، حتى وإن لم تُسمَّى بهذا الاسم رسميًا.

إنها ليست مجرّد توزيع للصلاحيات، بل إعادة صياغة للعقد الاجتماعي، يقرّ بأنّ الدولة ليست كيانًا متجانسًا، بل فضاءً يعيش فيه قوميات وطوائف وثقافات متعددة، لكلٍّ منها الحق في أن تكون فاعلًا، لا تابعًا.

في هذا النموذج، تتكوّن الدولة من أقاليم أو كيانات تتمتع ببرلمانات محلية، ودساتير فرعية، وحكومات منتخبة، وتساهم في صنع السياسات المركزية من موقع الندّية.

هنا لا يُنظر إلى الأطراف كخزّان بشري أو جغرافي، بل كركائز سيادية جزئية داخل منظومة سياسية جامعة.

اللامركزية السياسية لا تعني التقسيم، بل تعني أن وحدة الدولة تقوم على التوازن لا على الاحتكار، وعلى التمثيل لا على التذويب.

المعنى الأعمق للفرق بينهما

إذا كانت اللامركزية الإدارية تحاكي الشكل وتخاف من المضمون، فإن اللامركزية السياسية تغوص في عمق الأزمة البنيوية للدولة وتحاول إعادة بنائها من الأساس.

الأولى يمكن أن تكون مسكِّنًا في وجه المطالب القومية أو الجهوية؛

أما الثانية فهي جسرُ اعتراف وكرامة، لأنها تضمن ألا تُصاغ هوية الدولة بلون واحد، أو باسم قومية واحدة، أو بلسان عاصمة واحدة.

اللامركزية السياسية، في السياق السوري مثلًا، ليست ترفًا نظريًا، بل ضرورة تاريخية لإنقاذ وطنٍ منهكٍ بالتسلّط وإنكار التعدد.

فالكورد، والسريان، والآشوريون، وسائر المكوّنات المهمشة، لم يطالبوا يوماً بتفويض صلاحيات، بل بأن يكون لهم صوت في كتابة المصير، والمطالبة هنا ليست تحدّياً للوحدة، بل شرطاً لبقائها.

الدولة التي تكتفي باللامركزية الإدارية، إنما تعيد إنتاج عقل السلطة القديمة بثوب تكنوقراطي.

أما الدولة التي تتبنّى اللامركزية السياسية، فهي دولة تعرف أن الشرعية لا تُمنح من فوق، بل تُنتج من القاعدة، من القبول العام، ومن التمثيل العادل.

هنا لا تعود العاصمة مركز الكون، ولا تعود القومية الأكبر هي وحدها الوطن، بل يصبح الوطن شبكة علاقات سيادية متوازنة، يتقاطع فيها المختلفون لا ليتنازعوا، بل ليتساووا في بناء ما هو مشترك.

اللامركزية السياسية، بما تحمله من توزيعٍ للسلطة، لا تعني تفكيك الدولة، بل إعادة بنائها على أسس التوازن والاعتراف، إنها النظام الذي يمنح الأقاليم والمكوّنات المحلية حقًّا في التشريع والإدارة الذاتية ضمن إطار وطني جامع، دون المساس بوحدة السيادة.

فحين لا تتركز السلطة السيادية في الحكومة المركزية وحدها، بل تتوزع بشكل عقلاني بين المركز والأقاليم، يصبح المواطن أقرب إلى القرار، وأكثر قدرة على مساءلة من يحكمه، وتُصبح الدولة أكثر تماسكًا واستقرارًا.

وهذه الملامح، برلمان محلي، حكم ذاتي، مشاركة في السياسات العامة، هي جوهر الفيدرالية، حتى وإن لم تُسمَّى صراحة بذلك.

والفيدرالية ليست نقيض الوحدة، بل صمّام أمان لها. إنها الصيغة التي تحمي البلاد من النزعات الانفصالية لأنها تعترف بالمكونات بدلاً من إنكارها، وتمنح الجميع شعورًا بالملكية والمشاركة، لا التهميش والارتهان.

فالدول التي تبنّت الفيدرالية، كألمانيا، وسويسرا، وكندا، والعراق، لم تتفكك، بل تجاوزت أزماتها البنيوية، أما الدول التي أصرت على الحكم المركزي الحديدي، فغالبًا ما انفجرت من الداخل أو غرقت في الديكتاتورية والانقسامات.

إن فيدرالية عادلة لا تعني تقسيماً، بل تعني اعترافاً وشراكة. والوحدة القسرية ليست وحدة، بل احتلال ناعم.

 

د. محمود عباس

الولايات المتحدة الأمريكية

10/6/2025م

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

صديق شرنخي   لم تكن الأحداث التي شهدها حيا الأشرفية والشيخ مقصود في حلب مجرد اشتباكات أمنية عابرة أو توترات محلية قابلة للاحتواء، بل كانت حلقة جديدة في سلسلة صراع أعمق وأخطر: صراع بين مشروع وجود كوردي يسعى إلى تثبيت نفسه في كوردستان سوريا، وبين منظومة إقليمية ترى في أي كيان كوردي تهديدًا استراتيجيًا يجب كسره قبل أن يترسخ. منذ…

المحامي عبدالرحمن محمد تحاول تركيا، عبر أدواتها ومرتزقتها من الجماعات الإرهابية والجهادية القادمة من مختلف أنحاء العالم، اختزال القضية الكوردية وحق الشعب الكوردي في تقرير مصيره السياسي، وحصرها في توصيف مختزل يتمثل في عبارة “إرهاب حزب العمال الكوردستاني”، وذلك تحت شعار “تركيا خالية من الإرهاب”. ولم تقتصر السياسات التركية على حدود الدولة التي تأسست بموجب تسويات وصفقات دولية…

غاندي برزنجي لم يكُن أحد يتخيّل أنّ أيّة سُلطة سوف تستلم زمام الحكم في سوريا ، بعد سُلطة البعث ، قد تشبه سُلطة الأسد أو قد تكون أسوأ منها . لماذا ؟ لأنّ السوريين ، على اختلاف انتماءاتهم ، كانوا قد عاصروا نظاماً شوفينيّاً فاق بإجرامه كلّ الأنظمة الدكتاتوريّة التي حكمت دولها منذ أكثر من مئة عام . لكنّ أبو…

زينه عبدي في خضم السياق السوري الانتقالي الراهن، ينبغي لسوريا دخولها مرحلة جديدة عبر تشكيل دولتها ضمن أطر العدالة والشراكة الحقيقية دون إقصاء، لكنها باتت مرتعاً للصراع الداخلي في محاولة من السلطة الانتقالية إعادة إنتاج المركزية بصورة أشرس مما شكلته سلطة الأسد ونظامه الحاكم لأكثر من خمسين عاماً بمساعدة إقليمية تبلورت الى العمل على إفشال ما يتم الاتفاق عليه بين…