الكورد من الثورة إلى الإقصاء

خالد حسو
من تحت الركام، ومن عمق الجراح، يعود الصوت الكوردي في سوريا ليعلو من جديد، لا شَحاذًا في موائد المصالح، ولا تابعًا في خنادق الغير، بل شريكًا أصيلًا في الجغرافيا، وفي التاريخ، وفي صناعة الغد.
عشر سنوات وأكثر من الدم، والخذلان، والتآمر المكشوف والمقنّع، لم تقتل القضية، بل كشفت الأقنعة. فمنذ انطلاق الثورة السورية، والكوردي لا يكتب اسمه بالحبر، بل بالدم. لا يرفع شعاراته في الساحات، بل ينقشها على جدران المعتقل، وعلى شواهد الشهداء.
ومع كل هذا، يُراد له اليوم أن يعود إلى المقعد الخلفي، أن يُختصر حضوره السياسي في “مكوّن”، وأن يُدار بالريموت كنترول من غرف الفنادق وممرات المخابرات.
لكن كفى.
إن الكوردي السوري اليوم، وقد جرّب الحرب والسلم، الثورة والخذلان، لا يطلب مكافأة من أحد، بل ينتزع حقه كما يُنتزع النبض من قلب مريض بالقهر.
حقه في أن يكون شريكًا في صياغة “سوريا الجديدة” لا تابعًا في لعبة تقاسم الغنائم.
تاريخ لا يُطمس
لا أحد في سوريا يملك رفاهية إنكار وجود الكورد. فهم ليسوا طارئين ولا ضيوفًا على هامش البلاد.
هم السكان الأصليون، وأصحاب الأرض والتاريخ.
كانوا هنا قبل أن تُرسم الحدود، وقبل أن تُنصب العروش.
وإذا كان بعض العرب قد دخلوا سوريا في سياقات الفتح، فإن الكورد وُجدوا هنا قبل التاريخ المُدوّن، وارتبطت جبالهم وسهولهم ووديانهم بأسمائهم، لا بأوامر ولا بقرارات استعمارية.
لكن هذا الوجود العريق، ما يزال حتى اليوم يُواجَه بالإلغاء، بالطمس، وبالتشكيك في الهوية والانتماء، من قِبل نظام استبدادي دموي من جهة، ومن معارضة مأزومة ومصابة بـ”عقدة الأكثرية” من جهة أخرى.
من الثورة إلى المقصلة
حين انطلقت الثورة السورية، لم يتخلّف الكورد عن الميادين.
لم يختبئوا خلف الحياد، ولم يتاجروا بمظلومية خاصة.
كانوا في الصفوف الأولى، حملوا شعارات الحرية والكرامة، لكنهم ما لبثوا أن طُعنوا من الخلف.
فصائل تكفيرية ادعت تمثيل الثورة، تحوّلت إلى أدوات قتل وقمع، اجتاحت مدنًا كردية، وارتكبت مجازر لا تقل بشاعة عن جرائم النظام.
ومع هذا، لا تزال هذه الفصائل تُسوق في بعض العواصم بوصفها “ممثلي الشعب السوري”.
لكن أي شعب؟ ومن الذي منحهم هذا التمثيل؟
أليس في ذلك قمة الوقاحة؟ وأقصى درجات العبث بالعدالة؟
الفيدرالية ليست لعنة
في خضم الحديث عن شكل الدولة السورية القادمة، يُرمى الكورد بتهم الانفصال والتقسيم كلما نادوا بالفيدرالية.
لكن الفيدرالية ليست انفصالًا، بل عقد شراكة محترم بين مكوّنات متساوية.
هي الضمانة الوحيدة لعدم تكرار الإقصاء،
ولعدم تحويل الدولة إلى مزرعة طائفية أو قومية.
من يرفض الفيدرالية ليس حريصًا على وحدة سوريا، بل على مركزية السلطة التي يطمح أن يرثها.
ومن يطالب بشراكة عادلة لا يُهدد الوطن، بل يُنقذه من الانفجار.
قيادة من قلب الجرح
الكورد اليوم لا يحتاجون إلى مؤتمرات ناعمة، ولا إلى منابر مهترئة تتحدث باسمهم.
بل إلى قيادة تولد من تحت الركام، من عمق الجراح، من قلب الشارع الكوردي،
تعبّر عن الناس، عن معاناتهم، عن توقهم إلى دولة القانون، لا عن مصالح حزبية أو أجندات إقليمية.
نحتاج إلى مرجعية حقيقية، لا إلى دكاكين سياسية،
إلى من يمشي بين الناس، لا بين السفارات،
إلى من يقول الحقيقة كاملة، حتى لو كانت صادمة،
وحتى لو خسر معها تحالفات، لأن ما لا يُقال اليوم سيتحوّل غدًا إلى خيانة صامتة.
لا شريك بلا حق تقرير المصير
إن الحديث عن الشراكة الوطنية بدون الاعتراف بحق الكورد في تقرير مصيرهم، هو خدعة لغوية، لا أكثر.
لا كرامة بدون اعتراف،
ولا اعتراف بدون حق سياسي واضح،
ولا دولة مدنية إن لم تكن فيدرالية تعددية تعترف بالتنوّع وتبنيه، لا تدمجه بالقوة أو تمسخه بالترهيب.
أخيرًا…
سوريا القادمة لن تكون إلا كما تُرسم اليوم.
وإذا لم يكن الكوردي شريكًا كاملًا في الرسم، فسيُرسم له دور التابع لاحقًا، وهذا ما لن يقبله بعد الآن.
لقد خسر الكورد كثيرًا،
لكنه كسب الأهم: وعيه السياسي الجمعي،
وعيٌ لن يسمح له أن يُستعمل، أو يُدار، أو يُرمى كورقة تفاوض عند الحاجة.
لقد حان وقت الحقيقة: إما شراكة، أو لا وطن

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

د. عدنان بوزان ليست المأساة السورية في أنها خرجت من حربٍ طويلة، بل في أنها تقف اليوم على أعتاب حربٍ جديدة، لا تخاض هذه المرة بالدبابات وحدها، وإنما بالأفكار التي تزرع في العقول قبل أن تتحول إلى بنادق في الأيدي. فكل حرب تبدأ بخطاب، وكل مجزرة تبدأ بفكرة، وكل مشروع استبداد يبدأ بإقناع الناس بأن الوطن لا يتسع إلا…

إلى أبناء شعبنا الكردي، إلى الرفيقات والرفاق في مختلف الهيئات الحزبية، إن هذا البيان لا يهدف إلى تبرير قرار انسحابنا، فالأسباب التي أوصلت حزب الوحدة الديمقراطي الكردي في سوريا إلى أزمته الراهنة أصبحت معروفة لدى غالبية الرفاق وجماهير الحزب، وإنما يأتي انطلاقاً من شعور عميق بالمسؤولية تجاه تاريخ الحزب وإرثه النضالي، وتجاه تضحيات الرفيقات والرفاق الذين أسهموا في بنائه على…

علي شمدين الحقيقة أن سير العملية السياسية في البلاد، وكما هو متوقع، سيقود البلاد نحو طريق مسدود، بسبب تراكم الاحتقان الذي قد يخرج عن السيطرة وينفجر، عاجلاً أم آجلاً. وإن ما يجري ميدانياً اليوم على أرض الواقع، من تحشيد للاتجاهات الشوفينية، وتحريض للجماعات العشائرية والغوغائية، التي اجتمع شملها تحت خيم نُصبت هنا وهناك على تخوم المناطق الكردية باسم (خيم الحرب)،…

شادي حاجي قبل أكثر من قرن، لم تكن معاهدة لوزان، الموقعة في 24 يوليو/تموز 1923، مجرد اتفاق أنهى الحرب بين القوى المنتصرة والجمهورية التركية الناشئة، بل أصبحت الوثيقة التي كرست النظام الجيوسياسي للشرق الأوسط طوال القرن العشرين. وقد جاءت لوزان لتحل محل معاهدة سيفر، الموقعة في 10 أغسطس/آب 1920، التي كانت قد نصت على إمكانية منح الأكراد حكماً ذاتياً، وفتحت…