مقالات

شنكال.. حين يصبح «تحرير الكورد» مشروعاً لتسليمهم إلى !

نوروز برفيني

هناك أسئلة سياسية لا تحتاج إلى لجان تحقيق ولا إلى خبراء استراتيجيين ولا حتى إلى منظّري الثورات الكبرى؛ يكفي أن تضع أمامها الوقائع، ثم تترك للعقل السليم أن يقوم بالباقي.
ومن أغرب هذه الأسئلة اليوم: كيف يمكن لحزب يرفع راية الدفاع عن الكورد أن يرفض تسليم سنجار لحكومة إقليم كوردستان، لكنه لا يجد حرجاً في أن تكون نهايتها تحت سلطة بغداد؟
هنا تبدأ الكوميديا السوداء.
فإذا كان المبدأ هو «سنجار للكورد»، فمن الطبيعي أن يكون السؤال: أي كورد؟ وأي إرادة كوردية؟ ومن يقرر مصير أرض ذات غالبية إيزيدية كردية، أهلها قبل غيرهم؟
أما أن تتحول المسألة إلى: «لن نسلمها لأربيل، ولكن يمكن أن نسلمها لبغداد»، فهذه ليست نظرية سياسية جديدة، بل تحتاج إلى قاموس خاص لتعريفها!
مفارقة تحتاج إلى شرح
لسنوات طويلة، قيل لنا إن حزب العمال الكوردستاني يحمل مشروعاً ثورياً عابراً للحدود، وإنه يقاتل من أجل حرية الشعوب وحقوقها، وإنه يرفض هيمنة الدول والأنظمة.
لكن في سنجار تبدو الصورة أكثر غرابة.
فالاتفاق الذي وقعته بغداد وأربيل عام 2020، برعاية الأمم المتحدة، وضع تصوراً واضحاً لترتيبات سنجار الأمنية والإدارية، ونص على إخراج التشكيلات المسلحة الأخرى وإنهاء وجود حزب العمال الكوردستاني والمنظمات التابعة له في المنطقة.
ومع ذلك، وبعد ست سنوات تقريباً، لا تزال سنجار تبدو وكأنها تنتظر صاحب القرار الذي لم يصل بعد.
والمثير للجدل أن الخطاب الذي يرفض أن تكون لأربيل كلمة في مستقبل سنجار، يبدو مستعداً لأن تكون لبغداد الكلمة الحاسمة.
وهنا يحق للمرء أن يسأل بسخرية:
هل المشكلة في أن تكون سنجار تحت سلطة الدولة، أم أن المشكلة فقط في أن تكون هذه الدولة كوردستانية؟
من «رفض الدول» إلى «مرحباً بالجيش العراقي»!
هنا تبلغ المفارقة ذروتها وتضرب الاخماس بالاسداس.
فالحركة التي بنت جزءاً من خطابها التاريخي على رفض الحدود القومية والدول القومية، وجدت نفسها في نهاية المطاف أمام صيغة شديدة البساطة:
لا لأربيل…
نعم لبغداد!
يا لها من ثورة عظيمة!
لقد احتجنا إلى عقود من الخطابات والشعارات والنظريات السياسية لكي نصل إلى هذه المعادلة العبقرية:
إذا كان القرار من أربيل فهو «مؤامرة»، وإذا جاء من بغداد فهو «ترتيب وطني»!
وهذا ليس نقداً للجيش العراقي أو للدولة العراقية؛ فالدولة العراقية دولة قائمة وذات سيادة، ومن حقها أن تفرض سيادتها على أراضيها.
لكن السؤال السياسي المشروع هو :
لماذا تصبح سيادة بغداد مقبولة عندما تكون البديل عن دور أربيل؟
هذه هي النقطة التي يجب ألا يهرب منها أي نقاش جدي حول سنجار.
الكارثة ليست في بغداد وحدها… بل في العقلية
المشكلة الحقيقية ليست أن تكون سنجار جزءاً من العراق.
سنجار عراقية جغرافياً وسياسياً، وأهلها عراقيون، والإيزيديون أصحاب قضية وحقوق وخصوصية يجب احترامها.
المشكلة هي أن تتحول سنجار إلى ورقة صراع بين القوى الكوردية والإقليمية والعراقية، بدلاً من أن تكون قضية أهلها أولاً.
فالإيزيديون الذين تعرضوا لأبشع الجرائم على يد تنظيم داعش لا يحتاجون إلى مزيد من الوصاية السياسية.
هم بحاجة إلى:
الأمن.
الإدارة المستقرة.
إعادة الإعمار.
عودة النازحين.
حماية هويتهم وخصوصيتهم.
وإنهاء حالة تعدد السلطات والسلاح.
وهذا تحديداً ما يجعل استمرار الوضع المسلح في سنجار خطراً على أهلها قبل أن يكون مشكلة سياسية لأربيل أو بغداد.
ومن المفارقات أيضاً أن «الوصاية» أصبحت ثورة!
السؤال الأكثر إزعاجاً هو :
هل يحق لأي حزب، أياً كان اسمه وشعاراته، أن يقرر وحده مستقبل منطقة لمجرد أنه دخلها في مرحلة من مراحل الحرب؟
إذا كانت الإجابة نعم، فماذا بقي من إرادة السكان؟
وإذا كانت الإجابة لا، فلماذا لا تكون الأولوية لإرادة أبناء سنجار أنفسهم؟
إن تحويل سنجار إلى «منطقة نفوذ» لأي حزب أو دولة أو قوة مسلحة هو ظلم لأهلها.
والأخطر من ذلك أن يتحول الإيزيديون إلى مجرد عنوان تستخدمه القوى السياسية لتبرير وجودها.
مرة باسم حماية الإيزيديين.
ومرة باسم تحريرهم.
ومرة باسم الدفاع عنهم.
ومرة باسم تمثيلهم.
وفي كل مرة يكون الإيزيدي نفسه آخر من يُسأل عن رأيه!
وهنا تصبح السخرية واجبة:
يبدو أن الجميع اكتشفوا أن الإيزيدي يحتاج إلى من يمثله… إلا الإيزيدي نفسه!
ماذا فعل هذا النهج بالقضية الكوردية؟
هنا نصل إلى السؤال الأكبر.
هل يخدم هذا النهج القضية الكوردية؟
الإجابة، في تقديري، هي العكس تماماً.
لأن القضية الكوردية لا يمكن أن تكون مشروعاً لتقسيم الكورد إلى معسكرات متصارعة، ولا يمكن أن تصبح «أربيل ضد قنديل»، أو «كورد العراق ضد كورد تركيا»، أو «كورد ضد كورد»، بينما المستفيد الحقيقي من هذا الصراع هم خصوم القضية الكوردية.
عندما يتحول حزب كوردي إلى قوة تواجه حكومة إقليم كوردستان أكثر مما تواجه القوى التي تهدد الحقوق الكوردية، فإن السؤال يصبح مشروعاً:
من يخدم هذا الصراع في النهاية؟
وعندما تصبح بغداد مقبولة بديلاً عن أربيل، وتصبح سنجار ساحة تنافس بين القوى المختلفة، فإن المستفيد الأول ليس الكوردي.
المستفيد هو كل من يريد إضعاف البيت الكوردي من الداخل.
سنجار ليست غنيمة حرب
يجب أن نقولها بوضوح:
سنجار ليست غنيمة لحزب العمال الكوردستاني، وليست ملكاً لحكومة إقليم كوردستان، وليست ملكاً لبغداد، وليست ورقة بيد أي دولة إقليمية.
سنجار لأهلها.
وأمنها يجب أن يكون لأهلها.
وإدارتها يجب أن تكون وفق القانون والدستور العراقي وبما يحفظ حقوق سكانها وخصوصيتهم.
أما تحويلها إلى قاعدة نفوذ أو منطقة عسكرية أو ورقة تفاوض، فهذا يعني استمرار المأساة.
والأكثر خطورة أن استمرار الوضع الحالي قد يفتح الباب أمام مزيد من التدخلات الإقليمية والدولية، لأن الفراغ الأمني وتعدد القوى المسلحة لا يبقيان مشكلة محلية إلى الأبد.
لقد أثبت التاريخ أن المنطقة التي تتحول إلى ساحة صراع بين قوى متعددة لا تبقى ملكاً لأهلها طويلاً.
هنا يجب أن أوجه رسالة إلى حزب العمال الكوردستاني : إذا كنتم تريدون حماية الكورد فلا تحاصروهم !
وعندما تقول إنك تدافع عن الكورد، ثم تخوض صراعاً مع مؤسسة كوردية منتخبة، وترفض تسليم منطقة لقوة كوردية، بينما تقبل بأن تصبح تحت سلطة قوة غير كوردية، فعليك أن تتوقع أن يسألك الناس :
أين هو المشروع الكوردي في كل ذلك؟
وإذا كان جوابكم أن «أربيل لا تمثل القضية الكوردية»، فالسؤال التالي :
ومن أعطاكم أنتم حق تمثيلها ؟
القضية الكوردية أكبر من أي حزب.
وأكبر من أي قائد.
وأكبر من أي تنظيم مسلح.
وأكبر من جبل أو مدينة أو منطقة نفوذ.
ومن أخطر الأخطاء السياسية أن يعتقد حزب ما أنه هو القضية، وأن من يعارضه يعارض الكورد.
الكورد ليسوا حزباً واحداً، والقضية الكوردية ليست ملكية خاصة لأي تنظيم.
المطلوب ليس انتصار أربيل على قنديل… ولا بغداد على أربيل
المطلوب هو أن تنتصر سنجار على الفوضى.
أن ينتصر الإيزيدي على الخوف.
أن يعود النازح إلى بيته.
أن تختفي المظاهر المسلحة غير المنضبطة والمنفلتة.
أن تصبح الإدارة المحلية قادرة على العمل.
وأن تكون الحدود والسيادة والقانون واضحة.
وهذا يتطلب تفاهم بغداد وأربيل، لا حرباً سياسية بينهما.
كما يتطلب احترام إرادة أبناء سنجار، لا استخدامهم وقوداً في صراع الآخرين.
إن اتفاق سنجار نفسه انطلق من فكرة التنسيق بين الحكومة الاتحادية وحكومة الإقليم، وأكد على ترتيبات أمنية وإدارية هدفها إعادة الروح و الاستقرار للمنطقة.
ومن هنا فإن الحل ليس في إلغاء أربيل، ولا في إلغاء بغداد، بل في بناء صيغة قانونية واضحة تحفظ حقوق سكان سنجار وتمنع أي تنظيم مسلح من تحويل المنطقة إلى مشروع نفوذ دائم.
المفارقة التي تستحق أن تُكتب بماء الذهب هي أن حزباً أعلن يوماً أنه جاء ليكسر الحدود والقوالب القومية التقليدية، قد ينتهي به الأمر إلى تكريس واقع يجعل سنجار أقرب إلى بغداد وأبعد عن أي صيغة للتنسيق الكوردي.
وإذا كان هذا هو «الانتصار»، فربما يحتاج تعريف الانتصار في قاموس السياسة إلى مراجعة عاجلة!
لأن الحزب الذي يقول للكوردي:
«لن أتركك تحت سلطة كوردية، وسأقبل بك تحت سلطة أخرى»
لا يستطيع أن يطلب من الناس أن يصفقوا له باعتباره حارساً للمشروع الكوردي.

ان قضية سنجار ليست قضية حزب العمال الكوردستاني.
وليست قضية بغداد وحدها.
إنها قضية شعب عانى من الإبادة والتهجير والدمار، ويستحق أن يعيش بكرامة وأمان.
ولهذا فإن استمرار تحويل سنجار إلى منطقة نفوذ عسكري وسياسي سيزيد الجروح الكوردية عمقاً، وسيخلق المزيد من الشروخ بين القوى الكوردية، وقد يفتح الباب أمام تدخلات إقليمية ودولية جديدة.
أما أخطر ما يمكن أن يحدث فهو أن يصبح الصراع بين الكورد أنفسهم هو العنوان الرئيسي، بينما تختفي القضية الأساسية خلفه.
فالقضية الكوردية لا تحتاج إلى من يحتكرها.
ولا تحتاج إلى حزب يقرر وحده من هو «الكوردي الحقيقي».
ولا تحتاج إلى بنادق جديدة.
إنها تحتاج إلى وحدة سياسية، ومؤسسات، وقانون، وديمقراطية، واحترام إرادة الناس.
وفي سنجار تحديداً، تحتاج قبل كل شيء إلى أن يُسأل أهل سنجار:
ماذا تريدون؟
فإذا كانت الإجابة هي الأمن والسلام والعودة والإعمار والعيش الكريم، فعلى الجميع أن يتراجع خطوة إلى الوراء.
أما إذا أصر كل طرف على أن يقول :
«سنجار لي… ولكن ليس لأربيل!»
فربما آن الأوان أن نسأل السؤال الأكثر سخرية ومرارة:
إذا لم تكن سنجار للكورد، ولا لأهل سنجار، فمن أجل مَن كل هذه المعركة إذن .
بالسخرية القدر.
………………

هل وجدت هذا المقال مفيدًا؟

رأيك يساعدنا في تحسين المحتوى

100% من القراء أعجبهم المقال
(1 تقييم)
0 0 الأصوات
Article Rating
الاشتراك
نبّهني عن
guest
0 Comments
الأقدم
الأحدث الأكثر تصويت

مقالات أخرى

حين تشيخ الأحزاب سياسيا

✍️ خالد حسو لا تُقاس حيوية الأحزاب السياسية بأعمار قياداتها، ولا بطول سنوات بقائها في مواقع المسؤولية، بل بقدرتها على تجديد رؤاها،…