د. عدنان بوزان
لم تكن الخيانات السياسية، عبر التاريخ، تظهر دائماً في صورة قرارات معلنة أو اتفاقات مكشوفة أو مواقف يسهل الحكم عليها في لحظة وقوعها؛ فكثيراً ما كانت تتخفى خلف الشعارات الكبيرة، وتستند إلى تضحيات الشعوب، وتبرر أخطاءها باسم الضرورات التاريخية، قبل أن تكشف السنوات اللاحقة حقيقة المسارات التي سلكتها. فالسياسة لم تكن تقاس بما رفعته من رايات، ولا بما أطلقته من وعود، ولا بما حشدته من أنصار، بل بما تركته من نتائج على حياة الناس ومستقبلهم وحقوقهم. وحين هدأت بعض العواصف التي اجتاحت مناطق شمال وشرق سوريا، بدأت تتضح أسئلة كثيرة حول القرارات التي اتخذت، والأولويات التي رسمت، والتضحيات التي قدمت، والنتائج التي انتهت إليها تجربة سياسية وعسكرية رفعت باسم الحرية والتحرر. ومن بين أكثر الأسئلة إلحاحاً آنذاك كان السؤال المتعلق بدور حزب العمال الكردستاني التركي وقيادة قنديل في تقرير مسار الكورد السوريين، ومدى توافق سياساتهما مع المصالح الوطنية للمجتمع الذي تحمل القسم الأكبر من أعباء تلك التجربة.
إن أخطر ما كان يمكن أن تتعرض له قضية شعب لم يكن الهزيمة أمام خصومه فحسب، بل استنزاف طاقاته من الداخل باسم الدفاع عنه، وتحويل تضحيات أبنائه إلى رصيد سياسي لتنظيم لم تكن أولوياته دائماً متطابقة مع أولويات ذلك الشعب. ومن هذا المنطلق، فإن مراجعة تجربة حزب العمال الكردستاني ودور قيادة قنديل في سوريا لم تكن تعني العداء للكورد، ولا إنكار تضحيات المقاتلين والمقاتلات الذين واجهوا تنظيم داعش، ولا التقليل من حجم المخاطر التي عاشتها المنطقة خلال سنوات الحرب؛ بل كانت تعني إخضاع القرارات السياسية والعسكرية للمساءلة، والبحث في مدى خدمتها لمصالح الكورد السوريين، وفي ما إذا كانت قد أسهمت في بناء مستقبل أكثر أمناً واستقراراً لهم، أم دفعت قضيتهم إلى مسارات زادت من تعقيدها وأضعفت استقلال قرارها. فالقضية الكوردية كانت أكبر من أي حزب، وأبقى من أي قيادة، ولم يكن من حق أي تنظيم أن يختزل مستقبل شعب كامل في حساباته الخاصة أو أن يجعل تاريخه النضالي بديلاً عن المحاسبة.
لقد برزت إحدى المشكلات الأساسية في التجربة التي تشكلت في شمال وشرق سوريا في طبيعة العلاقة بين القوى المحلية ومركز القرار المرتبط بقيادة قنديل. فقد أثارت تلك العلاقة تساؤلات جوهرية حول استقلال الإرادة السياسية للكورد السوريين، وحدود قدرتهم على تحديد أولوياتهم وفقاً لخصوصية واقعهم ومصالحهم الوطنية. وعندما ارتبطت القرارات العسكرية والسياسية ببنية تنظيمية عابرة للحدود، أصبح من المشروع التساؤل عمن كان يحدد اتجاهات المرحلة: أكان القرار ينطلق أساساً من حاجات السكان الذين عاشوا على الأرض، أم كان يتأثر أيضاً بحسابات تنظيمية واستراتيجيات إقليمية تتجاوز الحدود السورية؟ ومن كان يتحمل المسؤولية عندما تعارضت تلك الحسابات مع احتياجات المجتمع المحلي أو مع مقتضيات حماية القضية الكوردية داخل سوريا؟ لم تكن هذه الأسئلة اتهامات جاهزة، بل كانت مسائل سياسية كان ينبغي أن تناقش بوضوح، لأن الشعارات الثورية لم تكن كافية لإعفاء القيادات من مسؤولية خياراتها، كما أن تاريخ المقاومة لم يكن يمنحها حصانة دائمة من النقد.
ولا تتطلب مراجعة تلك المرحلة استعراض جميع الملفات العسكرية والسياسية التي شهدتها مناطق عفرين وحلب والأشرفية والشيخ مقصود ومنبج وسد تشرين، أو جمع مختلف التحولات التي عرفتها المناطق الكوردية في رواية واحدة؛ فلكل ملف ظروفه وتفاصيله، ولكل واقعة مسؤولياتها التي ينبغي تحديدها بالاستناد إلى الوثائق والشهادات والوقائع. لكن من الضروري التوقف عند مسألة شكلت جزءاً أساسياً من جوهر التجربة، وهي وضع المناطق الكوردية في شرق الفرات ضمن الأولويات السياسية والتنموية والعسكرية، ومقارنة ذلك بحجم الاهتمام الذي وجه إلى مناطق أخرى دخلت ضمن نطاق الإدارة الذاتية والقوى المرتبطة بها. فقد نشأ لدى قطاعات من الشعب الكوردي شعور بأن مناطقهم، التي شكلت قاعدة أساسية للتجربة ودفعت أثماناً كبيرة في الدفاع عنها، لم تحظ دائماً بما يكفي من الاهتمام في مجالات التنمية والخدمات والاستقرار وفرص العمل. وكان هذا الشعور يستحق تحقيقاً جدياً، لا أن يواجه بالتبرير أو أن يختزل في خلاف حزبي.
وهنا ظهرت المفارقة التي كان ينبغي أن تخضع للمحاسبة. فقد توسعت الإدارة الذاتية والقوى المرتبطة بها في مناطق واسعة، من بينها الرقة ودير الزور، وأصبحت إدارة تلك المناطق والدفاع عنها وتوفير احتياجات سكانها جزءاً من مسؤولياتها. ولم يكن الاعتراض على إدارة مناطق ذات غالبية عربية اعتراضاً على حقوق سكانها، ولم يكن من المشروع أن تحرم تلك المناطق من الخدمات أو التنمية أو المشاركة السياسية بسبب هويتها القومية. لكن السؤال الذي ظل قائماً كان مختلفاً تماماً: هل رافق ذلك التوسع اهتمام متناسب بالمناطق الكوردية التي انطلقت منها التجربة؟ وهل حصلت تلك المناطق على نصيب عادل من المشاريع والخدمات والاستثمارات وفرص العمل؟ وهل وضعت احتياجات سكانها في صلب السياسات المتبعة، أم أن الحسابات العسكرية والتنظيمية استحوذت على جانب كبير من الأولوية، فيما بقيت مشكلات اجتماعية واقتصادية عديدة من دون معالجة كافية؟
لم يكن ممكناً الإجابة عن هذه الأسئلة بمجرد تبادل الاتهامات أو الاكتفاء بالانطباعات. فقد كان الأمر يحتاج إلى مقارنة موثقة بين الموازنات والمشاريع المنفذة، وبين مستويات الخدمات وحجم الإنفاق وتوزيع الموارد في المناطق المختلفة. غير أن غياب الشفافية الكافية في عرض تلك التفاصيل فتح المجال أمام الشكوك، وعزز لدى بعض السكان الاعتقاد بأن الأولويات لم تكن متوازنة، وأن المناطق الكوردية لم تحصل على الاهتمام الذي كان يفترض أن تحظى به بالنظر إلى دورها في نشوء التجربة وما قدمته من تضحيات. وإذا كانت هذه الصورة تعكس واقعاً تؤيده الوثائق والأرقام، فإنها لم تكن مجرد مشكلة إدارية أو تنموية، بل كانت مؤشراً إلى خلل سياسي أعمق في فهم العلاقة بين السلطة والمجتمع الذي منحها جزءاً مهماً من شرعيتها.
وكان من حق سكان المناطق الكوردية أن يسألوا عن أسباب ذلك التفاوت، وعن المعايير التي استخدمت في تحديد أولويات الإنفاق والمشاريع، وعن مدى التناسب بين الأعباء التي تحملوها والنتائج التي لمسـوها في حياتهم اليومية. فلم تكن مناطقهم مجرد خزان بشري للمقاتلين، ولا جغرافيا تستخدم لتثبيت النفوذ، ولا مجتمعات يطلب منها تقديم التضحيات إلى أجل غير محدد بينما تترك احتياجاتها الاقتصادية والاجتماعية معلقة. وإذا كانت القيادة قد استطاعت توسيع نفوذها العسكري وإدارة مناطق بعيدة عن المراكز الكوردية الأساسية، فقد كان من المشروع مطالبتها بتفسير الكيفية التي وازنت بها بين تلك المسؤوليات وبين حماية المجتمعات التي شكلت قاعدة رئيسية لتجربتها. فالمشروع الذي رفع شعارات الحرية والكرامة كان مطالباً بأن يترجم تلك الشعارات إلى نتائج ملموسة، لا أن يجعلها مبرراً دائماً لتأجيل الأسئلة المتعلقة بالتنمية والتمثيل والمستقبل.
ولم تكن المسألة مقتصرة على الخدمات وتوزيع الموارد، بل امتدت إلى الثمن السياسي الذي تكبدته القضية الكوردية نتيجة إدارة العلاقة مع المحيط العربي. فقد كانت مناطق شمال وشرق سوريا فضاءً متنوعاً تتداخل فيه المصالح الاجتماعية والاقتصادية والجغرافية، وكان من الممكن أن يشكل هذا التنوع أساساً لشراكة سياسية حقيقية بين الكورد والعرب وسائر المكونات، تقوم على الاعتراف المتبادل بالحقوق، والمشاركة في القرار، ورفض الإقصاء والهيمنة. ولم يكن الكورد والعرب شعبين محكومين بصراع أبدي، كما لم تكن الخلافات بينهما نتيجة حتمية لا يمكن تفاديها. بل إن كثيراً من التوترات كان يمكن احتواؤها عبر سياسات أكثر شفافية، ومؤسسات أكثر تمثيلاً، وحوار سياسي يضع مطالب السكان ومصالحهم في مقدمة الأولويات.
لكن أي سلطة أخفقت في بناء شراكة متوازنة مع المجتمعات التي أدارتها كانت تفتح الباب أمام الاحتقان والتوتر، ولا سيما عندما تداخلت الخلافات السياسية مع النزاعات على السلطة والموارد، أو مع العصبيات العشائرية والخطابات الدينية المتطرفة. وفي مثل هذه الظروف، وجدت جماعات مسلحة وقوى متشددة فرصاً لاستثمار المظالم والخلافات وتوسيع نفوذها. وكان من الخطأ التعامل مع جميع هذه التطورات باعتبارها صراعاً قومياً بين الكورد والعرب، كما كان من الخطأ اختزال المجتمعات العربية في جماعات مسلحة أو تيارات متطرفة. فالعشائر العربية لم تكن كتلة سياسية واحدة، ولم تتطابق مواقف أبنائها، كما أن الاعتراض على الإدارة لم يكن يعني بالضرورة الانحياز إلى التطرف أو العداء للكورد.
ومع ذلك، فإن تجاهل المطالب المحلية أو التعامل معها بمنطق أمني ضيق، إذا ثبت وقوعه في حالات محددة، كان من شأنه أن يحول خلافات قابلة للمعالجة السياسية إلى أزمات أكثر تعقيداً. وقد ترتب على مثل هذه السياسات، حيثما ثبت أثرها، تراجع الثقة بين بعض المجتمعات والسلطات القائمة، واتساع المسافة بين الخطاب المعلن والواقع الذي عاشه السكان. ولم يكن ذلك في مصلحة الكورد أو العرب، بل أضر بإمكانات الاستقرار المشترك، ومنح القوى المعادية للتعددية وحقوق المكونات فرصاً لاستغلال الانقسامات. فحين فشلت السياسة في بناء الثقة، أصبحت الأزمات المحلية أكثر قابلية للتحول إلى مواجهات، ودفعت المجتمعات المختلفة إلى تحمل تكاليف صراعات لم تكن مصالحها الحقيقية تقتضي استمرارها.
ومن هنا برز سؤال جوهري حول مسؤولية حزب العمال الكردستاني وقيادة قنديل عن المسار الذي اتخذته العلاقة بين الكورد والعرب خلال تلك المرحلة. فهل أسهمت بعض السياسات المتبعة في إضعاف الثقة بين الطرفين؟ وهل أدى تغليب الحسابات التنظيمية والعسكرية على متطلبات الشراكة السياسية إلى إضعاف قدرة الكورد السوريين على بناء تحالفات وطنية واسعة تحمي حقوقهم؟ وهل كان بالإمكان تجنب جانب من التوترات لو أُعطيت المطالب المحلية مساحة أكبر من الحوار، ولو عوملت الشراكة مع المجتمعات العربية باعتبارها ضرورة سياسية طويلة الأمد، لا مجرد ترتيب إداري أو أمني فرضته الظروف؟
لم تكن هذه الأسئلة تعني تحميل قيادة واحدة مسؤولية جميع النزاعات التي شهدتها المنطقة، فالمشهد السوري كان أكثر تعقيداً من أن يفسر بإرادة طرف واحد. فقد تدخلت عوامل إقليمية ودولية، وتعددت القوى المسلحة، وتضاربت المصالح، واستخدمت الانقسامات المحلية في صراعات أوسع. لكن تعقيد الظروف لم يكن سبباً كافياً لإعفاء القيادات من مراجعة خياراتها، ولا سيما عندما تعلق الأمر بقرارات أثرت في ثقة السكان وفي مستقبل القضية الكوردية. فالمسؤولية السياسية لا تعني بالضرورة أن يكون طرف واحد سبباً في كل ما حدث، بل تعني أن يحاسب كل طرف على ما اتخذه من قرارات، وعلى النتائج التي أمكن توقعها أو الحد منها في حدود قدرته ومسؤوليته.
لقد عانى الكورد في سوريا، على مدى عقود، من سياسات الإنكار والتهميش وحرمانهم من حقوق لغوية وثقافية وسياسية، وكان جوهر قضيتهم يتمثل في تصحيح ذلك الظلم وضمان الاعتراف بهويتهم وحقوقهم ضمن دولة سورية تعترف بالتعدد القومي وتكفل المساواة. ولم يكن تحقيق هذه الحقوق يتطلب تحويل المجتمعات العربية إلى خصم تاريخي، كما لم يكن بناء إدارة محلية أو مشروع سياسي في المناطق الكوردية يستلزم إضعاف الروابط مع المحيط السوري. بل كان من شأن السياسة الأكثر حكمة أن تجمع بين الدفاع عن الحقوق القومية للكورد وبناء شراكات متينة مع سائر المكونات، وأن تفصل بين الخلافات السياسية المشروعة وبين العداء القومي الذي لا يخدم إلا القوى الساعية إلى إبقاء المجتمعات متنازعة.
أما إذا كانت بعض السياسات التي اتبعت قد أسهمت في تعميق المخاوف المتبادلة، فإنها تكون قد ألحقت بالقضية الكوردية ضرراً سياسياً يتجاوز حدود الخلافات اليومية. فقد أدت صورة القضية في نظر بعض قطاعات المجتمع المحيط بها دوراً مهماً في تحديد فرص التضامن معها أو معارضتها. وعندما تحولت المطالب القومية المشروعة، في الخطاب الذي تبنته بعض القوى، إلى مسألة أمنية أو موضع شك، استفادت من ذلك التيارات المركزية والقومية المتشددة التي لطالما سعت إلى تصوير الحقوق الكوردية باعتبارها تهديداً لوحدة البلاد. وهكذا أمكن لأخطاء سياسية، إن ثبتت مسؤولية القيادة عنها، أن تضعف فرص بناء تحالفات سورية واسعة تدعم الاعتراف بالتعددية، وأن تزيد عزلة القضية الكوردية في لحظات كانت تحتاج فيها إلى أوسع قدر ممكن من الدعم.
إن المسؤولية السياسية والتاريخية لحزب العمال الكردستاني وقيادة قنديل عن المسار الذي اتخذته القضية الكوردية في سوريا لا يمكن اختزالها في مسألة وجود اتفاقات سرية أو تنسيق مباشر مع خصوم الكورد، بل يجب أن تقاس بالقرارات التي اتخذها الحزب، والسياسات التي فرضها، والأولويات التي قدمها، والنتائج التي ترتبت عليها في حياة الكورد السوريين ومستقبل قضيتهم. فمن تولى توجيه القرار السياسي والعسكري، وامتلك النفوذ الأكبر في رسم مسار الأحداث، لا يستطيع التنصل من المسؤولية عندما تنتهي سياساته إلى إضعاف الشعب الكوردي، وإرباك علاقاته بمحيطه، وتعريض مكتسباته ومصالحه الوطنية للخطر. ولم يكن من المقبول أن تقدم الحسابات التنظيمية والإقليمية على احتياجات الكورد السوريين، أو أن تستنزف تضحياتهم في مسار لم يضمن لهم ما يستحقونه من حقوق واستقرار واستقلال في القرار. وإذا كانت هذه السياسات قد أضعفت القضية الكوردية، وعمقت عزلتها، وفتحت المجال أمام خصومها لاستغلال الانقسامات والتوترات، فإن حزب العمال الكردستاني وقيادة قنديل يتحملان المسؤولية السياسية والتاريخية عن خياراتهما ونتائجها، ولا يعفيهما من ذلك أي تبرير أيديولوجي أو استدعاء لتاريخ المقاومة. فالتاريخ لا يحاسب القيادات على الشعارات التي رفعتها، بل على ما فعلته، وما أخفقت في حمايته، وما خلفته قراراتها من آثار على الشعب الذي ادعت الدفاع عنه. وحتى لو لم يثبت وجود تنسيق سري مع خصوم القضية الكوردية، فإن ذلك لا يمحو مسؤولية الحزب عن سياساته؛ فالمعيار الحاسم هو ما إذا كانت تلك السياسات قد خدمت مصالح الكورد السوريين أم أضعفتها، ومن حق هذا الشعب أن يحاسب كل قيادة جعلت قراراتها عبئاً على قضيته، مهما كانت الشعارات التي احتمت بها.
وفي تقديري، تمثل الخلل الأساسي في إخضاع جانب من مسار القضية الكوردية السورية لحسابات تنظيمية وإقليمية لم تكن دائماً متطابقة مع المصالح الخاصة للشعب الكوردي في سوريا. فالكورد السوريون لم يكونوا مجرد امتداد تنظيمي لحزب عابر للحدود، ولم يكن من الصحيح التعامل معهم باعتبارهم قوة احتياطية في استراتيجية إقليمية. لقد امتلكوا خصوصيتهم الاجتماعية والسياسية، وحقوقهم الوطنية داخل سوريا، ومصالحهم التي أمكن أن تتقاطع مع مصالح كورد الأجزاء الأخرى، لكنها لم تكن متطابقة معها بالضرورة في جميع الظروف. وكان التضامن القومي قادراً على أن يشكل مصدر قوة إذا احترم استقلال القرار، لكنه كان يتحول إلى عبء عندما استخدم لتبرير التبعية أو الحد من قدرة المجتمع المحلي على تحديد أولوياته.
فالتضامن القومي لم يكن مرادفاً للطاعة التنظيمية، ووحدة القضية الكوردية لم تكن تعني احتكار القرار، واحترام تاريخ أي حركة لم يكن يعني منح قيادتها حق تقرير مستقبل شعب كامل من دون مساءلة. وكان من حق الكورد السوريين أن يشاركوا بحرية في تحديد ممثليهم، وأن يناقشوا أولوياتهم الوطنية، وأن يراجعوا سياسات القوى التي ادعت تمثيلهم. وإذا كانت قيادة قنديل ترى نفسها جزءاً من مشروع تحرري، فقد كان من المفترض أن تقبل إخضاع قراراتها للتقييم وفق ما حققته للكورد السوريين، لا وفق ما رفعته من شعارات أو استندت إليه من تاريخ نضالي. فالشرعية السياسية لم تكن امتيازاً دائماً يكتسب مرة واحدة، بل مسؤولية تتجدد بقدر ما تقترب القرارات من مصالح الناس وحقوقهم.
ولذلك، كان من الضروري أن تراجع نتائج تلك المرحلة من خلال أسئلة محددة: هل أسهمت السياسات المتبعة في تعزيز قدرة الكورد السوريين على ضمان حقوقهم دستورياً؟ وهل تأسست مؤسسات مستقرة تستمد شرعيتها من السكان وتتيح لهم المشاركة الحقيقية في اتخاذ القرار؟ وهل تحسنت أوضاع المناطق الكوردية بما يتناسب مع التضحيات التي قدمها أبناؤها؟ وهل بنيت شراكة متينة مع المجتمعات العربية وسائر المكونات، أم تراكمت خلافات كان من الممكن احتواؤها بوسائل سياسية أكثر حكمة؟ وهل حافظت القيادة على استقلال القضية الكوردية السورية، أم تداخلت أولوياتها مع حسابات تنظيمية أوسع أضعفت قدرتها على الاستجابة لخصوصية الواقع السوري؟
لم تكن الإجابة عن هذه الأسئلة ممكنة من خلال البيانات الحزبية وحدها، بل كانت تحتاج إلى الوقائع والوثائق والأرقام والشهادات المستقلة. وكان من الضروري نشر المعلومات المتعلقة بتوزيع الموارد والموازنات، وتقييم المشاريع المنفذة، ومقارنة مستويات الخدمات والتنمية، والكشف عن آليات اتخاذ القرار، وتحديد المسؤولية عن السياسات التي أفضت إلى نتائج سلبية. فالمحاسبة لم تكن انتقاماً من تجربة سياسية، ولم يكن النقد إنكاراً للتضحيات التي بذلت، بل كان شرطاً أساسياً لفهم الأخطاء وتجنب تكرارها. أما الاكتفاء بالخطاب التعبوي، واستخدام تاريخ المقاومة لإغلاق باب النقاش، فلم يكن ليؤديا إلا إلى توسيع الهوة بين المجتمع والقيادات التي تحدثت باسمه.
ولابد هنا من التأكيد أن تضحيات المقاتلين والمقاتلات الذين واجهوا تنظيم داعش كانت حقيقة لا يجوز إنكارها أو التقليل من شأنها. فقد خاض كثيرون منهم معارك شديدة الخطورة، وفقدوا حياتهم دفاعاً عن مجتمعاتهم، وتحملوا أعباء لا يمكن اختزالها في الخلافات السياسية. لكن تضحيات الأفراد كانت شيئاً، وقرارات القيادات شيئاً آخر. ولم يكن من العدل أن تتحول تضحيات المقاتلين إلى حصانة سياسية لمن اتخذ القرارات، أو أن يطلب من السكان الصمت عن أخطائهم لأنهم دفعوا ثمناً باهظاً. فالوفاء للتضحيات لم يكن يقتضي تقديس القيادات، بل حماية الشعب الذي قدمت من أجله، وصون حقوقه، ومراجعة السياسات التي ربما أهدرت بعض النتائج التي كان يمكن تحقيقها.
إن ما ارتكبه حزب العمال الكردستاني وقيادة قنديل من سياسات وقرارات ألحقت الضرر بالقضية الكوردية في سوريا لا يمكن تبريره بالشعارات الثورية، ولا التستر عليه باسم المقاومة أو التضامن القومي. لقد تحمّل الكورد السوريون أعباءً وتضحيات جسيمة، وكان من حقهم أن تكون مصالحهم الوطنية وأمن مناطقهم ومستقبلهم في مقدمة أولويات الحزب الذي فرض نفوذه على مسار قضيتهم. لكن حين قدمت الحسابات التنظيمية على المصالح الوطنية للكورد السوريين، وحين أُهملت احتياجات مناطقهم، وأُضعف استقلال قرارهم، وأُديرت علاقاتهم بمحيطهم على نحو أضر بقضيتهم، فإن المسؤولية تقع على القيادة التي رسمت تلك السياسات واتخذت تلك القرارات. إنها مسؤولية سياسية وتاريخية لا تسقط بالتقادم، ولا تمحوها تضحيات المقاتلين، ولا تعفي أصحابها منها شعارات التحرير والمقاومة. وإذا كانت نتائج تلك السياسات قد أضعفت الموقف الكوردي، وعمقت الانقسامات، وألحقت الضرر بعلاقة الكورد بمحيطهم، وفتحت المجال أمام خصوم القضية لاستغلال تلك الأوضاع، فإن حزب العمال الكردستاني وقيادة قنديل يتحملان المسؤولية الكاملة عن خياراتهما وما ترتب عليها. وليس من الضروري إثبات وجود اتفاق سري مع الخصوم حتى تدان سياسة أضرت بمصالح الشعب؛ فالمسؤولية عن إضعاف القضية قائمة بذاتها، والخيانة السياسية تقاس بما ارتكب بحق مصالح الشعب ومستقبله، لا بما يعلنه أصحاب القرار من نوايا أو شعارات. فمن تصدر قيادة المشروع، واحتكر القرار، وفرض اتجاهاته، يتحمل تبعات إخفاقاته ونتائجه؛ ولا يحق له أن يحمّل الشعب ثمن أخطائه، ثم يختبئ خلف تاريخ المقاومة كي يفلت من المحاسبة.
لقد أظهرت تجربة تلك السنوات أن أخطر ما يمكن أن يصيب أي مشروع سياسي هو أن يرفع شعار حماية الشعب، ثم يعجز عن إقناعه بأن قراراته صانت مصالحه؛ وأن يتحدث باسم التحرر، ثم يضيق مساحة القرار المستقل؛ وأن يدعو إلى بناء مستقبل مشترك، ثم يسمح للانقسامات بأن تتعمق حتى يصبح الشريك المحتمل خصماً، وتتحول الخلافات القابلة للحل إلى أزمات ممتدة. ولم تكن هذه النتائج قد خدمت القضية الكوردية لمجرد أن أصحاب القرارات رفعوا شعاراتها، كما لم يكن ممكناً اعتبار كل إخفاق دليلاً قاطعاً على الخيانة. بل كان المطلوب مراجعة دقيقة تضع المسؤولية في موضعها، وتستخلص من التجربة دروساً تمنع تكرار الأخطاء.
وعندما يكتب تاريخ تلك المرحلة، لن تكون العبرة بعدد الرايات التي رفعت، ولا بالبيانات التي صدرت، ولا بالشعارات التي ترددت، بل بما بقي للكورد السوريين من حقوق ومؤسسات واستقلال في القرار، وبما تحقق لمناطقهم من أمن وتنمية واستقرار، وبمدى نجاح التجربة في بناء علاقة عادلة مع سائر مكونات المجتمع السوري. فالتاريخ لا يكتفي بتسجيل نوايا أصحاب المشاريع، بل ينظر أيضاً في نتائج قراراتهم، وفي المسافة التي فصلت بين ما وعدوا به وما تحقق فعلياً. ومن هنا، فإن مراجعة تلك التجربة لم تكن استهدافاً لتاريخ المقاومة، بل كانت محاولة لفهم ما أصاب المشروع من خلل، وما كان يمكن إنجازه بصورة أفضل، وما إذا كانت الأخطاء التي ارتكبت قد أضعفت القضية التي قيل إنها جاءت للدفاع عنها.
إن الكورد السوريين لم يكونوا بحاجة إلى قيادة تتحدث باسمهم فحسب، بل إلى مشروع يحمي مصالحهم ويضمن حقوقهم ويصون استقلال قرارهم. ولم يكونوا بحاجة إلى شعارات أكبر من واقعهم، بل إلى مؤسسات تعكس تطلعاتهم، وسياسات تستجيب لاحتياجات مناطقهم، وشراكات سياسية تمنع الإقصاء وتضمن الاعتراف المتبادل. كما لم يكونوا بحاجة إلى عداوة دائمة مع العرب لإثبات حقوقهم، بل إلى علاقة تقوم على المساواة والاحترام المتبادل، وتمنع تحويل الخلافات السياسية إلى صراعات قومية. وكان من الممكن أن تشكل هذه المبادئ أساساً أكثر صلابة لحماية القضية الكوردية، لو وضعت في مقدمة الأولويات ولم تخضع لحسابات تنظيمية ضيقة.
إن الشعوب التي لا تراجع تجاربها تبقى معرضة لتكرار أخطائها، والشعوب التي تمنح قياداتها حصانة مطلقة قد تكتشف متأخرة أنها دفعت ثمن قرارات لم تشارك في صنعها. وكان من حق الكورد السوريين، بعد سنوات من النضال والتضحيات والتحولات، أن يطرحوا الأسئلة الصعبة من دون خوف أو مجاملة: من خدم قضيتهم فعلاً؟ ومن اتخذ قرارات أضعفتها؟ وما الذي تحقق من الوعود التي رفعت باسمهم؟ وأين أخفقت القيادات في حماية مصالحهم؟ وهل كانت التضحيات طريقاً إلى ضمان الحقوق وبناء المستقبل، أم تحولت بعض نتائجها إلى رصيد سياسي لمشروع لم يكن القرار فيه مستقلاً بما يكفي عن الحسابات التنظيمية الأوسع؟
إن القضية الكوردية لم تكن ملكاً لقنديل، ولا لحزب العمال الكردستاني، ولا لأي قيادة ادعت احتكار تمثيلها؛ بل كانت حق شعب في الحرية والكرامة والاعتراف والمشاركة السياسية. ولم يكن احترام تاريخ أي حركة نضالية يعني إسقاط حق المجتمع في نقدها، كما لم يكن الدفاع عن حقوق الكورد يتطلب الصمت عن السياسات التي ألحقت الضرر بمصالحهم. فإذا تعارضت مصلحة التنظيم مع مصلحة الشعب، كان الواجب تقديم مصلحة الشعب؛ وإذا تحولت شعارات التحرير، بفعل قرارات خاطئة أو حسابات ضيقة، إلى نتائج أضعفت القضية، أصبح النقد ضرورة وطنية وأخلاقية.
وهكذا، فإن الحكم التاريخي على تجربة حزب العمال الكردستاني وقيادة قنديل في سوريا لا ينبغي أن يقوم على الشعارات وحدها، ولا على الاتهامات المجردة، بل على فحص القرارات والوقائع والنتائج، وتحديد المسؤوليات بدقة. غير أن المبدأ الذي لا يجوز التراجع عنه يظل واضحاً: لا يحق لأي تنظيم أن يجعل قضية شعب بأكمله وسيلة لتحقيق أولوياته، ولا أن يطالب ذلك الشعب بالتضحية من دون أن يخضع هو نفسه للمساءلة. فالقضية الكوردية أكبر من الأحزاب والقيادات، ومستقبل الكورد السوريين ينبغي أن يبنى على إرادتهم الحرة ومصالحهم الوطنية، لا على وصاية تنظيمية عابرة للحدود. وحين تتحول شعارات التحرير إلى نتائج تضعف القضية التي رفعت باسمها، يصبح كشف الخلل ومحاسبة المسؤولين عنه واجباً تجاه الشعب وتضحياته وتاريخه.




