مقالات

في كري سبي يُحرق طريق العودة، لا السيارات وحدها

د. محمود عباس

سبع سنوات من التهجير لم تُشبع المعتدين؛ أرادوا إذلال الكورد عند أبواب بيوتهم أيضًا. عاد أصحاب المنازل والأراضي بوثائق ملكيتهم، فواجهتهم الحجارة والتهديدات والنيران، في امتداد للمخطّط التركي–الداعشي الرامي إلى اقتلاعهم. إنها جريمة ثانية لحماية نتائج الجريمة الأولى: أُخرج الناس بالقوّة، ويُراد اليوم منعهم من العودة بالترهيب. وهي أيضًا رسالة تحريض إلى المستوطنين الغمريين لمقاومة أيّ قرار يعيد أملاك الكورد إلى أصحابها؛ لتصبح حماية الاستيلاء أمرًا واقعًا يُفرض بالعنف.

الاعتداء عند محاولة استعادة الممتلكات يكشف ما يتجاوز الكراهية المنفلتة. فعودة صاحب البيت تعني سقوط ذريعة الاستيلاء عليه، وعودة الأسرة تعني استعادة حضور اجتماعي أُضعف بالتهجير. لذلك تصبح السيارة المستهدفة أكثر من ملكية تُحرق؛ إنها وسيلة الوصول، وإحراقها رسالة إلى المهجّرين الآخرين بأن العودة ستكلّفهم أمنهم وأموالهم وربما حياتهم.

المستهدف هو تحويل التهجير المؤقّت إلى غياب دائم. يُدفع الكوردي أولًا إلى مغادرة أرضه، ثم يُترك سنوات بعيدًا عنها، وبعد ذلك تُستخدم الوقائع التي فُرضت أثناء غيابه لمنع رجوعه. ومع مرور الوقت، يُراد أن يصبح صاحب الحقّ طالبًا للشفقة، والمستولي صاحبَ أمرٍ واقع، والعودة تهديدًا للاستقرار. هكذا تُقلب الجريمة إلى قاعدة، ويُطلب من الضحية احترامها.

واستخدام اسم قسد في الاعتداء على العائلات يخدم هذه العملية بدقّة، تُحوَّل الهوية القومية إلى شبهة سياسية، ثم تتحوّل الشبهة إلى إذن بالعقاب الجماعي. لا يعود مطلوبًا إثبات فعل على شخص؛ يكفي أن يكون كورديًا عائدًا ليُسأل عن ولائه بدل أن تُعاد إليه ملكيته. تهمة جاهزة تمحو الفروق بين المدني والمقاتل، وبين الطفل والقائد، وتفتح الطريق لاستباحة الجميع.

أما التهديد بالترحيل إلى قنديل، فيفضح ما تحاول ذريعة قسد ستره. صاحبه ينكر انتماء الكوردي إلى مدينته، ويمنح نفسه سلطة تحديد موطنه. المقصود اقتلاع العلاقة بين الشعب وأرضه، يُسمح للكوردي أن يكون لاجئًا في مكان آخر، ويُمنع أن يكون صاحب بيت في كري سبي. وهذه هي العنصرية بأوضح صورها، مهما حاول أصحابها تسويقها بوصفها موقفًا أمنيًا.

وتخدم هذه الممارسات إدامة التحوّلات التي أعقبت التدخّل التركي عام 2019 وسيطرة الفصائل المتحالفة مع أنقرة، وما رافق ذلك من تهجير ونزاعات على الممتلكات. وهنا تقع مسؤولية تركيا السياسية والأمنية، النفوذ الذي بُني بالسلاح لا يُفصل عن مصير السكان الذين تضرّروا منه. وكلّ قوة تحافظ على نتائج الاقتلاع، أو تمنح المستفيدين منه غطاءً، تشارك في إدامته، حتى إن لم تكن بحاجة إلى إصدار أمر بكلّ اعتداء.

والأخطر أن يُترك تنفيذ المنع لمجموعات مدنية، ثم يُقدَّم بوصفه خلافًا بين السكان. بهذه الطريقة يُنقل الصراع من مسؤولية السلطة إلى خصومة أهلية، ويصبح صاحب البيت في مواجهة مَن يشغله، بينما تتراجع الجهة الملزمة بإعادة الحقّ إلى موقع الوسيط. لا يجوز للسلطة أن تتوسّط بين المعتدي وضحيته على مقدار ما يتنازل عنه الضحية؛ واجبها وقف الاعتداء وإنفاذ الحقّ. وإذا لم يترتّب على الجريمة عقاب وحماية فعلية للعودة، فإن الإفلات من المحاسبة يتحوّل إلى تشجيع لتكرارها.

وهذا المسار يهدّد غربي كوردستان بأكثر من خسارة أملاك. تفريغ المناطق من أهلها، وتعطيل عودتهم، يضعف قدرتهم على تنظيم حياتهم وتمثيل أنفسهم والمطالبة بحقوقهم. ثم قد تُستخدم الخريطة السكانية التي صنعها التهجير حجّةً ضدّهم في أيّ تسوية مقبلة. الجغرافيا التي يُطرَد منها أصحابها اليوم قد تُعرض غدًا على طاولة التفاوض وكأنهم لم يكونوا فيها. لذلك فإن حماية العودة جزء من حماية المستقبل السياسي للشعب الكوردي.
فالقوى التي تزجّ بشرائح من المجتمع العربي وخلايا داعش في هذه الاعتداءات، بإملاءات تركية، تروّج دعاية خبيثة تُلبس الجريمة ثوب (الموقف الشعبي). المعتدون لا يمثّلون العشائر العربية؛ إنهم يستغلّون أسماءها لتغطية الاستيلاء على ممتلكات الكورد ومنع عودتهم، ويزرعون عداوةً تخدم مَن يريد إخضاع المنطقة بالخوف والانقسام. وعلى الوجهاء والقوى الاجتماعية تسمية الجريمة وإدانة مرتكبيها وعزلهم؛ فالصمت يترك لهم المنبر، ويتيح لهم اختطاف صوت مجتمع كامل.

كما أن الحراك الكوردي مطالب بما يتجاوز بيانات الاستنكار. ملفّ موحّد للملكية والانتهاكات، ومتابعة للمحرّضين والمنفّذين، وضغط سياسي يجعل حماية العائدين معيارًا لأيّ تفاهم. التنافس الحزبي على رواية الحدث، مع غياب العمل المشترك، يترك المعتدين يحدّدون عمليًا مَن يعود ومَن يبقى مهجّرًا.

ما جرى في كري سبي اعتداء عنصري على شعب في حقّه بالبقاء، ومحاولة لتثبيت الاقتلاع بالنار. ولن تصبح الأرض بلا أصحاب لأن أصحابها أُجبروا على الغياب، ولن تتحوّل الغنيمة إلى ملكية لأن سارقها هدّد صاحبها. العودة حقّ يُنفَّذ، وليست إذنًا يُنتظر من المعتدين.

غربي كوردستان لا تُمحى بالاعتداءات، ولا بمخطّطات تركيا، ولا بمحاولات الثأر لداعش على حساب شعبٍ واجه إرهابها. هويّتها الكوردستانية لا تُلغى بتهجير أبنائها أو منع عودتهم؛ وستبقى أرضهم ووطنهم، وجزءًا من سوريا لامركزية تتّسع للجميع، وتصون حقوق شعوبها، بلا اقتلاع ولا وصاية.

 

د. محمود عباس

الولايات المتحدة الأمريكية

27/10/2026 م

هل وجدت هذا المقال مفيدًا؟

رأيك يساعدنا في تحسين المحتوى

0% من القراء أعجبهم المقال
(0 تقييم)
0 0 الأصوات
Article Rating
الاشتراك
نبّهني عن
guest
0 Comments
الأقدم
الأحدث الأكثر تصويت

مقالات أخرى