مقالات

نحو بناء الشخصية الاعتبارية للحركة الكردية في سوريا

علي شمدين
لقد نشأت القضية الكردية في سوريا بوصفها قضية شعبٍ مضطهد، أُلحقت مناطقه قسرًا بالدولة السورية الحديثة في أعقاب اتفاقية سايكس–بيكو عام 1916. ومنذ ذلك الحين، ظلّ الكرد السوريون يناضلون من أجل حماية هويتهم القومية، التي استهدفتها الأنظمة الشوفينية المتعاقبة عبر سياسات عنصرية طالت وجودهم وهم يشكلون ثاني أكبر مكوّن قومي في البلاد. ولذلك، ظلّ نضال الحركة الكردية في سوريا، منذ تأسيسها عام 1957، محكومًا ببُعدين ضمن معادلة سياسية معقّدة، هما: البُعد القومي والبُعد الوطني.
ولعلّ من أخطر التحديات التي واجهت الحركة الكردية في سوريا، ولا تزال تواجهها، وحالت دون بلورة شخصيتها الاعتبارية المتميزة، عدم تمكّنها، ولأسباب ذاتية وموضوعية عديدة، من ضبط العلاقة بين هذين البُعدين، إذ ظلّ تحقيق التوازن الدقيق بينهما شرطاً أساسياً لنجاحها في بلوغ أهدافها القومية والديمقراطية. ولا شكّ أن الإخفاقات المتتالية التي مُنيت بها أطراف الحركة الكردية في سوريا، وإن بدرجات متفاوتة، تعود، في جوهرها، إلى الخلل المزمن الذي ينخر في مفاصل هذه المعادلة، وإلى العجز المستمر عن تحقيق التوازن المنشود، سواء بترجيح البُعد القومي، بما يعرض هذه الحركة لاتهامات بالتطرف والإنفصالية والسعي إلى تقسيم البلاد، أم بترجيح البُعد الوطني، بما يعرضها لاتهامات بالمساومة والتخاذل والكوسموبوليتية.
ولذلك، يمكن لكل متابع للشأن الكردي السوري أن يدرك الدوافع الرئيسية التي دفعت الأنظمة الشوفينية المتعاقبة في البلاد، ولا سيما نظام البعث البائد، إلى تجنيد طوابيرها وتسخير أدواتها للعمل، من وراء الكواليس، على حشد الجماهير الكردية خلف الشعارات الكردستانية البراقة، بالترهيب حيناً وبالترغيب حيناً آخر، وصرف أنظارها عن الساحة الحقيقية لنضالها القومي، ومحاولة تصدير قضيتها إلى خارج الحدود والتنصل من استحقاقات حلّها، ومن جهة أخرى، أتخذت تلك الأنظمة من هذه الشعارات ذريعة لاتهام الحركة الكردية بالانفصالية والسعي إلى إقامة (إسرائيل الثانية)، فضلاً عن إطلاق اتهامات أخرى لتبرير سياساتها الشوفينية ضد الشعب الكردي، وتمرير مشاريعها العنصرية في مناطقه التاريخية، الجزيرة وكوباني وعفرين.
وبنظرة سريعة إلى طبيعة علاقة الحركة الكردية في سوريا بنظيراتها في الأجزاء الكردستانية الأخرى، نلاحظ، مع الأسف الشديد، أنها اتخذت طابع علاقة التابع بالمتبوع، أو، في أفضل الأحوال، علاقة الأخ الأصغر بالأخ الأكبر، من دون مراعاة خصوصية نضالها في سوريا، أو احترام استقلالية قرارها السياسي، الذي تحكمه تلك الاتفاقيات الاستعمارية، التي مضى على توقيعها أكثر من قرن.
ومن هنا، فإن مستقبل الحركة الكردية في سوريا، التي تنهش في جسدها آفة الانشقاقات، لا يزال مرهوناً بمدى نجاحها في بناء شخصيتها الاعتبارية المستقلة، القائمة على امتلاك قرارها السياسي الموحد، وصون خصوصية نضالها، بما يضمن تحقيق التوازن الدقيق بين بُعديها القومي والوطني. كما أن التطورات الاستثنائية والمتغيرات الجذرية التي تعصف بالمنطقة عموماً، وبسوريا خصوصاً، تفرض على الحركة الكردية في سوريا الإسراع، من دون المزيد من التأجيل أو التسويف، في إحياء مخرجات كونفرانس السادس والعشرين من شهر نيسان عام 2025، التي لا تزال تمثّل فرصة تاريخية مهمة لتوحيد خطابها السياسي وبناء مرجعيتها الشاملة، ومنحها الشرعية القومية اللازمة التي تخولها، دون غيرها، بالحوار مع الحكومة السورية المؤقتة، من أجل نيل حقوق الشعب الكردي، وحل قضيته القومية دستورياً، وإلا فإن الحركة الكردية في سوريا ستظل تدور في حلقة مفرغة من الصراعات الثانوية العقيمة التي تصب الماء في طاحونة خصومها، وتثلج صدورهم.
٢٥ تشرين الاول ٢٠٢٦

هل وجدت هذا المقال مفيدًا؟

رأيك يساعدنا في تحسين المحتوى

0% من القراء أعجبهم المقال
(0 تقييم)
0 0 الأصوات
Article Rating
الاشتراك
نبّهني عن
guest
0 Comments
الأقدم
الأحدث الأكثر تصويت

مقالات أخرى

فسيفساءُ الشرق الأوسط القلقة

كفاح محمود من المتوسط إلى زاغروس يعيش الشرق الأوسط على فسيفساءٍ من القوميات والأديان والمذاهب: كردٌ وأمازيغ وتركمان، ومسيحيون وإيزيديون ودروز، وسنّةٌ…