عبدالله كدو
في ذروة التجاذبات القومية التي كانت تفتعلها السلطات الأمنية البعثية بين العرب والكرد في سوريا، كانت الأحزاب الكردية تجتمع بالعشائر العربية لوضع حلول مناسبة، من دون أن نسمع آنذاك أصوات زعامات عشائرية كردية تتصدى لتمثيل الكرد في الأحداث والمحافل العامة التي تمتّ إلى الكرد.
أما بعد سقوط نظام البعث، فقد برز تقرّب بعض المحسوبين على الأوساط الحزبية والسياسية والثقافية الكردية من المجالس العشائرية الكردية، ومن بينهم أشخاص يقيمون في أوروبا. ويثير هذا التقارب تساؤلات بشأن التحولات التي طرأت على خطابهم ومواقفهم السياسية والفكرية.
فمنذ تأسيس أول حزب كردي في خمسينيات القرن الماضي، ساد الحركة السياسية والثقافية الكردية توجهٌ نحو تجاوز الانتماءات العشائرية والمناطقية والطائفية ، وتعزيز دور الأحزاب والثقافة السياسية الحديثة في بناء الوعي الجماعي والدفاع عن الحقوق السياسية المشروعة للشعب الكردي في سوريا. واستند هذا التوجه، إلى حد بعيد، إلى طبيعة المجتمع الكردي السوري، حيث تراجعت الانتماءات العشائرية، أو كادت تغيب في بعض المناطق، ولا سيما منطقة عفرين.
ومن هذا المنطلق، فإن العودة إلى استحضار العشيرة بوصفها إطارا للنفوذ الاجتماعي، على حساب النفوذ السياسي للحركة الوطنية الكردية، تستدعي نقاشا أعمق حول مدى انسجام هذا التوجه مع المبادئ التي قامت عليها التجربة الحزبية والثقافية الكردية الحديثة. وتزداد أهمية هذا النقاش عندما يبدو أن بعض هذه التحولات لا يستند إلى رؤية سياسية واضحة ومعلنة، بقدر ما تحكمه اعتبارات شخصية أو مصالح ضيقة.
كما أن غموض بعض المواقف واللجوء إلى قنوات غير معلنة لتحقيق أهداف سياسية أو شخصية يثيران تساؤلات مشروعة، ويستحضران تجارب سابقة شهدت توظيف علاقات غير معلنة مع سلطات تسلطية لخدمة مصالح خاصة لا تنسجم مع الخطاب السياسي الكردي المعلن. ومن هنا، تبرز ضرورة التمييز بين الانفتاح على البنى الاجتماعية التقليدية، بوصفه خيارا قابلا للنقاش، وبين توظيفها لتحقيق مكاسب خاصة .
إن جوهر المسألة لا يكمن في رفض المجتمع العشائري أو الانتقاص من مكانته الاجتماعية، بل في ضرورة الحفاظ على استقلالية العمل السياسي والثقافي، والتمسك بمبادئ الحداثة والمواطنة، وصون التجربة الحزبية والثقافية الكردية من التحول إلى وسيلة لخدمة المصالح الفردية أو إعادة إنتاج الولاءات التقليدية.