عدنان بدرالدين
قد تبدو الصواريخ والمسيّرات الخطر الأكثر إلحاحًا على إقليم كردستان، لكن أثرها السياسي يمر في جانب كبير منه عبر الاقتصاد. فحين تتعطل منشأة، أو يتأخر مشروع، أو تصبح الإيرادات أقل قابلية للتوقع، تتراجع قدرة الإقليم على تمويل خدماته وإدارة التزاماته والتفاوض من موقع مستقر.
لهذا ينبغي قراءة مرحلة ما بعد الانسحاب الأمريكي من خلال العلاقة بين الحماية والموارد. فالإقليم يحتاج إلى وسائل دفاع مناسبة، ويحتاج بالقدر نفسه إلى اقتصاد يستطيع تحمل الاضطراب دون أن تتحول كل أزمة أمنية إلى أزمة رواتب وخدمات.
وفي سياق المواجهة الأمريكية الإسرائيلية مع إيران، تزداد أهمية هذه العلاقة. فاستمرار الضغط، حتى دون مواجهة عسكرية مباشرة داخل الإقليم، يمكن أن يرفع كلفة الاستثمار ويعطل التجارة ويضيّق هامش القرار. وهكذا يصبح الاقتصاد أحد المجالات التي تتراكم فيها نتائج صراع لا يملك الإقليم قرار اندلاعه أو إنهائه.
ماذا يعني رقم 110 مليارات دولار؟
أعلن الإقليم في أيار/مايو 2025 اتفاقين مع شركتي «إتش كيه إن إنرجي» و«ويسترن زاغروس»، بقيمة معلنة مجمعة تبلغ 110 مليارات دولار على امتداد سنوات عمل المشروعين، وفق ما نقلته وكالة رويترز. ولا يعني ذلك أن الشركتين ضختا هذا المبلغ في اقتصاد الإقليم، أو أنه أصبح متاحًا لخزينته. كما اعترضت بغداد على الاتفاقين ووصفتْهما بأنهما باطلان، ما أضاف خلافًا قانونيًا إلى تحديات التنفيذ.
ولتقريب المعنى، ينبغي التمييز بين القيمة المعلنة للمشروع، والأموال التي تُنفق فعلًا على تطويره، وحصة الحكومة من عائداته. فما تنفقه الشركة على حفر الآبار وبناء المنشآت يختلف عن قيمة النفط والغاز اللذين تبيعهما لاحقًا، وكلاهما يختلف عما يصل إلى الخزينة وفق شروط العقد وبعد احتساب التكاليف والمستحقات.
تكمن أهمية الاتفاقين في قدرتهما المحتملة على زيادة الإنتاج وتوفير فرص عمل وتعزيز الشراكة الاقتصادية مع شركات أمريكية. لكن حجم الفائدة يتوقف على تنفيذ المشروعين، وكلفة تشغيلهما، وأسعار الطاقة، وإمكان بيع الإنتاج ونقله إلى المشترين، فضلًا عن استقرار الأوضاع الأمنية والقانونية. لذلك يظل الرقم المعلن مؤشرًا إلى حجم الفرصة، وليس ضمانًا لإيرادات محققة.
كذلك ينبغي التمييز بين مصالح الشركات والتزامات الدولة التي تنتمي إليها. فقد تضغط واشنطن دبلوماسيًا لحماية مصالح شركاتها أو تسوية خلاف بشأن عقودها، لكن وجود شركة أمريكية لا يمنح المشروع، أو الإقليم، ضمانًا تلقائيًا بالحماية العسكرية.
الغاز بين التعاون والتنافس
يحمل تطوير الغاز فرصة لتوسيع اقتصاد الإقليم وتعزيز إمدادات الكهرباء. ويمكن، مع توفير منشآت المعالجة وشبكات النقل والاتفاقات المناسبة، أن يسهم في تلبية احتياجات السكان داخل الإقليم وفي بقية العراق، ويقلل الحاجة إلى استيراد الطاقة.
لكن تحقيق هذه الفائدة يتوقف على كيفية معالجة الخلافات على إدارة الموارد والعقود والإيرادات. والأساس هنا هو الدستور العراقي، بما يقرّه من حقوق وما يوزعه من صلاحيات ومسؤوليات بين السلطات الاتحادية والإقليمية. فاحترام حقوق الإقليم لا ينبغي أن يبقى رهينًا بتفاهمات سياسية متغيرة، أو أن يُعامل بوصفه تنازلًا تقدمه بغداد مقابل التعاون.
وحيث تختلف القراءات بشأن إدارة النفط والغاز، ينبغي معالجة الخلاف عبر الآليات الدستورية، بإجراءات واضحة وشفافة، مع تجنب تعطيل المستحقات والخدمات أو استخدام اعتماد السكان عليها للضغط السياسي. ويتيح هذا النهج تنظيم الإنتاج والتسويق وتوزيع العائدات بما يحفظ حقوق الإقليم ومصالح السكان في عموم العراق، ويمنح المستثمرين أساسًا أكثر استقرارًا للعمل.
وتتحمل الحكومة الاتحادية، بحكم اتساع صلاحياتها وأدواتها المالية والتنظيمية، مسؤولية أساسية في توفير شروط هذه التسوية. كما تلتزم مؤسسات الإقليم بشفافية العقود والإيرادات والرقابة عليها؛ وهي مسؤولية تجاه سكانه، وتعزز قدرته على الدفاع عن حقوقه والمطالبة بتنفيذ الالتزامات المقابلة.
كذلك قد يؤثر نمو إنتاج الغاز في المصالح التجارية لموردي الطاقة الخارجيين، بقدر ما يقلل الحاجة إلى استيراد إمداداتهم. غير أن احتمال استفادة طرف من تعطيل مشروع لا يثبت مسؤوليته عن استهدافه؛ فتحديد الجهة المسؤولة عن أي هجوم يحتاج إلى أدلة تخص الحادث نفسه.
حين تنتقل كلفة الهجمات إلى المجتمع
أظهرت الاعتداءات على منشآت الطاقة أن تعطيل الاقتصاد قد يتحقق بضربات محدودة، دون الحاجة إلى خوض حرب واسعة. ففي تموز/يوليو 2025 أعلنت شركة «دي إن أو» تعليق العمليات مؤقتًا في امتياز طاوكي بعد انفجارات أصابت خزانًا وتجهيزات معالجة.
ولا تقف الخسارة عند قيمة المعدات المتضررة. فتعطل الإنتاج قد يؤخر المدفوعات، ويرفع نفقات الإصلاح والحماية، ويؤثر في قرارات التوسع. كما أن المستثمر يحتاج إلى الاطمئنان إلى إمكان استمرار العمل، وليس إلى سلامة المنشأة في يوم استئناف الإنتاج وحده.
وتصل هذه الكلفة إلى المجتمع عبر قنوات متعددة: فرص عمل تتأجل، ونشاط تجاري يتراجع، وإيرادات تصبح أقل انتظامًا. وحين تتزامن هذه الضغوط مع خلاف مالي بين بغداد وأربيل، تصبح قدرة السكان على الاحتمال أكثر محدودية.
ولهذا فإن حماية منشآت الطاقة جزء من حماية الدخل والخدمات. وتقتضي هذه الحماية وسائل للرصد والإنذار والاستجابة، إلى جانب التحقيق الجدي في الهجمات ومحاسبة المسؤولين عنها. فإعادة تشغيل المنشأة تعالج الضرر المباشر، بينما يتطلب تقليل احتمال تكراره معالجة الظروف التي تسمح بالاعتداء.
الرواتب والخدمات وحدود الاحتمال
تُظهر أزمات الرواتب مدى اتصال الحياة اليومية بالخلافات بين الحكومتين. وقد أشار تقرير «هيومن رايتس ووتش» السنوي لعام 2026 إلى تعثر دفع رواتب القطاع العام في الإقليم في أيار/مايو 2025 بعد حجب الحكومة الاتحادية التحويلات.
وبصرف النظر عن الخلاف بشأن الحسابات والالتزامات، ينبغي ألا يتحمل الموظفون وأسرهم كلفة نزاع لا يملكون أدوات حله. فانتظام الرواتب يحمي القدرة على شراء الاحتياجات الأساسية، ويساعد الأسواق المحلية على الاستمرار، ويقلل اضطرار الأسر إلى الاقتراض وتأجيل العلاج والتعليم.
وتحتاج معالجة هذه المشكلة إلى ترتيبات مستقرة للمستحقات، مع نشر معلومات منتظمة عن الإيرادات والتحويلات والمتأخرات. وتمنح الشفافية السكان القدرة على معرفة موضع التعطيل ومسؤولية كل جهة، بدل بقائهم بين روايات متعارضة.
لكن حماية الرواتب، على ضرورتها، لا تكفي لبناء اقتصاد أكثر قدرة على الصمود. فكلما اعتمدت فرص العمل والأسواق على الإنفاق الحكومي وحده، انتقلت أزمات التمويل العام بسرعة إلى المجتمع كله. ومن هنا تأتي أهمية دعم الزراعة والصناعة والخدمات والمشروعات الصغيرة، وتقليل العوائق التي تجعل النشاط الاقتصادي مرهونًا بالعلاقات السياسية.
الإصلاح ومضمون الشراكة الغربية
تطرح الشراكة مع الولايات المتحدة والدول الغربية سؤالًا عن قدرة مؤسسات الإقليم على استيعاب الدعم وتحويله إلى نتائج. وقد ارتبط التعاون الدفاعي الأمريكي ببرنامج إصلاح البيشمركة، بما يشمل توحيدها وتطوير قيادتها وإدارتها. غير أن ذلك لا يتيح افتراض وجود قائمة واحدة من الشروط تحكم جميع مجالات العلاقة مع واشنطن.
أما مكافحة الفساد وحماية الحقوق فتتصلان بصدقية المؤسسات وجاذبية الاستثمار واستقرار المجتمع. فالمستثمر يحتاج إلى معرفة كيفية تنفيذ العقد والاعتراض على القرار الإداري، والمواطن يحتاج إلى ضمان أن الموارد تُدار وفق قواعد يستطيع مراقبتها.
ولا يكفي إعلان برنامج إصلاحي للحكم على نتائجه. فاعتماد نظام إلكتروني للدفع، مثلًا، قد يحسن انتظام الإجراءات، لكن أثره في تقليص الفساد يتوقف أيضًا على دقة البيانات والرقابة وإمكان التحقيق والمحاسبة. وكذلك لا يكتمل الدفاع عن المصلحة العامة إذا تعذر على الصحافة مناقشة العقود والإنفاق دون خوف.
وبهذا المعنى، يخدم الإصلاح قدرة الإقليم على حماية مصالحه، ويزيد ما يصل إلى السكان من ثمرة موارده. كما يمنحه أساسًا أقوى في المطالبة بحقوقه ومساءلة الجهات التي تعطلها.
يمكن لشراكات الطاقة أن توسع خيارات كردستان بعد الانسحاب الأمريكي، لكنها تحتاج إلى حماية قابلة للاستمرار، وتسوية دستورية للخلافات مع بغداد، وإدارة مالية واضحة. وعندها تظهر قيمة الموارد في انتظام الكهرباء والرواتب وفرص العمل، وفي قدرة المجتمع على مواصلة حياته دون أن تعيده كل أزمة إلى نقطة الانتظار.
20 تشرين الأول/أكتوبر 2026




