مقالات

عن اغتيال مشعل التمو

اكرم حسين
كعادته ، كان المساء يهبط ببطء على القامشلي، كأن المدينة تحاول أن تخفي تعبها تحت عباءة من الغبار والضوء الشاحب. في الشوارع التي شهدت الهتافات قبل ساعات، كانت أصوات المتظاهرين لا تزال تتردد في الذاكرة، تتعالى من النوافذ والوجوه، ومن عيون الشباب الذين اكتشفوا، للمرة الأولى منذ زمن طويل، أن الخوف ليس قدراً أبدياً.
في ذلك اليوم، السابع من تشرين الأول عام 2011، عاد مشعل التمو من التظاهرة، يحمل في صوته صدى الحناجر التي نادت بالحرية، وفي قلبه إيماناً بأن سوريا التي يحلم بها أبناؤها لا يمكن أن تُبنى على الخوف أو الإقصاء.
لم يكن مشعل رجلاً عادياً في نظر الذين عرفوه. كان مناضلاً كردياً سورياً اختار أن يواجه الاستبداد بالكلمة والموقف، وأن يجعل من الحرية قضية تتجاوز حدود القومية والجغرافيا. دفع ثمن مواقفه اعتقالاً وملاحقةً وتهديداً، لكنه لم يتعلم كيف يتراجع عن أحلامه، ولم يقنعه السجن بأن الصمت أكثر أماناً من الحقيقة؟.
حين دخل البيت، كانت زاهدة قريبة منه، وكان ابنه مارسيل يتحرك في المكان بألفة الابن الذي لا يتوقع أن يتحول يومه العادي إلى آخر فصول طفولته أماناً.
لم يكن في البيت ما يوحي بأن الموت يقف خلف الباب. كانت الحياة تمضي في تفاصيلها الصغيرة ، كلمات عابرة، نظرات مألوفة، وقلق خفيف اعتادته عائلة رجل جعلت مواقفه هدفا ًللتهديد والاغتيال .
لكن الرصاص لا يستأذن البيوت.
في لحظات خاطفة، انكسر هدوء المكان، وتعالت الطلقات كأنها إعلان وحشي عن قرار اتُّخذ خارج إرادة الحياة. سقط مشعل التمو مضرجاً بدمه، وأُصيب ابنه مارسيل ورفيقته زاهدة. ارتبك الزمن، وتبعثرت الكلمات، وصار الهواء أثقل من أن يتنفّس.
لم يفهم مارسيل، في تلك اللحظة، لماذا تحوّل البيت إلى ساحة للموت، ولا لماذا صار وجه أبيه بعيداً على هذا النحو. كان الألم أكبر من قدرة طفل على الفهم، وأقسى من أن تستوعبه الكلمات.
أما زاهدة، فوجدت نفسها في مواجهة لحظة لم تكن لتتخيلها ، جراح في الجسد، وجرح أعمق في الروح، وصورة رجل عرفته مناضلاً ومحباً للحياة، وهو يواجه مصيره الأخير.
خارج المكان ، كانت القامشلي تستعد لليلة لن تشبه سواها. انتشر الخبر سريعاً، من شارع إلى آخر، ومن منزل إلى منزل، حتى صار اسم مشعل التمو وجعاً يتقاسمه الناس. لم يكن الأمر بالنسبة إلى كثيرين مجرد اغتيال رجل سياسي، بل اعتداءٌ صارخ على حق انسان حلم بسوريا أخرى، وعلى حق الكرد في أن يكونوا شركاء كاملي الحقوق في وطن يتسع لجميع أبنائه.
جاء الاتهام السياسي موجّهاً إلى سلطة الأسد التي واجهت الثورة السورية بالقمع، ورأى أنصار مشعل التمو في اغتياله محاولة لإسكات صوت عارض الاستبداد وساند مطالب الحرية ، ومع ذلك، لم يكن بوسع الرصاص أن يمحو أثر الرجل من ذاكرة الذين عرفوه أو سمعوا كلماته.
في اليوم التالي، لم تعد شوارع القامشلي مجرد شوارع ، بل ذاكرة مفتوحة، وصار الحزن موقفاً، وصار اسم مشعل يتداول بصوت يشبه العهد. حمله المشيعون في قلوبهم، فيما كانت المدينة تسأل نفسها كيف يمكن للإنسان أن يقتل إنساناً لأنه أراد للناس أن يعيشوا أحراراً.
لم يكن لمشعل أن يرى ما ستؤول إليه الثورة، ولا أن يعرف كم من الدماء ستُراق، وكم من الأحلام ستتعب في الطريق الطويل. لكنه ترك خلفه سؤالاً ظل مفتوحاً أمام الجميع: هل يمكن اغتيال الفكرة حين يُقتل صاحبها؟
مرت الأعوام، وتغيرت الوجوه والطرقات، وبقي السابع من تشرين الأول جرحاً في ذاكرة القامشلي وفي ذاكرة الكرد جميعاً، أما مارسيل، الذي جُرح ذلك اليوم، وزاهدة التي أصيبت معه، فقد ارتبط اسماهما بواحدة من أكثر اللحظات قسوة في حياة عائلة دفعت ثمن السياسة من دمها وطمأنينتها.
لم يعد البيت كما كان، ولم تعد المدينة تنظر إلى المساء بالعين ذاتها. لكن شيئاً بقي عصيّاً على الموت: ذلك الإيمان بأن الحرية، مهما تأخرت، تستحق أن يُدافع عنها، وأن الإنسان الذي يختار الوقوف في وجه الاستبداد قد يُغيب جسده، لكن كلماته ومواقفه ستبقى ، وان ذكراه لن تزول .
في القامشلي، لم ينتهِ مشعل التمو يوم سقط برصاص قاتليه. انتهى جسده، لكن السؤال الذي عاش من أجله ظل حيّاً ، سيتنقل بين الأجيال، ويعود كلما ارتفع صوت يطالب بالحرية، وكلما حاول الخوف أن يقنع الناس بأن الصمت هو الطريق الوحيد للنجاة.
لقد أرادوا إسكات الرجل، لكنهم لم يستطيعوا أن يجعلوا الحرية تنسى اسمه؟.

 

هل وجدت هذا المقال مفيدًا؟

رأيك يساعدنا في تحسين المحتوى

0% من القراء أعجبهم المقال
(0 تقييم)
0 0 الأصوات
Article Rating
الاشتراك
نبّهني عن
guest
0 Comments
الأقدم
الأحدث الأكثر تصويت

مقالات أخرى