ليست المشكلة في أن نختلف أو نتفق، بل في أن يتحول الاختلاف إلى خصومة، والتأييد إلى عبودية للأشخاص. عندها لا يعود النقد أداةً للإصلاح، ولا يصبح التأييد تعبيراً عن قناعة، بل ينزلق الاثنان إلى معركة عبثية ينتصر فيها الانحياز، وتخسر فيها الحقيقة.
هناك من قرر المعارضة قبل أن يقرأ الوقائع، فلا يرى في كل قرار إلا خطأ، وفي كل إنجاز إلا خدعة تستحق التشكيك. لا يبحث عن الحقيقة بقدر ما يبحث عما يؤكد موقفه، فيضخّم الإخفاقات، ويصادر الإيجابيات، ويخلط بين نقد الأداء ومحاربة أصحابه. وهذا ليس نقداً شجاعاً كما يتوهم، بل تعصب يرتدي ثوب المعارضة، لأن من يرفض كل شيء لا يقدّم بديلاً، ومن يجعل الاعتراض غاية لا يساهم في الإصلاح، مهما رفع من شعارات.
وعلى الضفة الأخرى، يقف المطبلون الذين يتعاملون مع القرارات وكأنها نصوص لا يجوز المساس بها، ومع أصحاب القرار وكأنهم فوق الخطأ. يبررون الإخفاق، ويزينون العثرات، ويحولون الملاحظات إلى إساءات، والاعتراض إلى خيانة للجهة أو للمشروع. وهؤلاء لا يدافعون عن النجاح بقدر ما يحمون الفشل من الانكشاف، لأن أخطر ما يمكن أن يُقدَّم لأي مسؤول ليس رأياً مخالفاً، بل جمهور يصفق له حتى وهو يخطئ.
قد يبدو الطرفان متناقضين، لكنهما يلتقيان عند النتيجة نفسها: تعطيل التفكير، وتسميم النقاش، وإهدار فرص التصحيح. أحدهما يرفض الاعتراف بأي إنجاز، والآخر يرفض الاعتراف بأي خلل. وبين هذا الإنكار وذاك التبرير، تضيع الوقائع، وتُدفن الأسئلة الضرورية، وتتحول المصلحة العامة إلى ضحية لمعركة لا تعني أطرافها إلا إثبات أنهم على حق.المشكلة، إذن، ليست في المعارضة ولا في التأييد، بل في تحويلهما إلى هويتين مغلقتين لا تسمحان لصاحبهما بمراجعة موقفه. فالمعارض الذي لا يعترف بإنجاز، مهما كان واضحاً، ليس أكثر موضوعية من مؤيد يبرر خطأً لا لبس فيه. كلاهما يستبدل الحكم على الوقائع بالولاء لمواقف مسبقة، وكلاهما يقدّم انتصاره الشخصي على حق الناس في معرفة الحقيقة.
والموضوعية لا تعني الوقوف في المنتصف بين الصواب والخطأ، ولا توزيع اللوم والمديح بالتساوي إرضاءً للجميع. إنها تعني أن نحكم على القرار بنتائجه، لا بهوية صاحبه؛ فنؤيد ما يستحق التأييد، ونرفض ما يستوجب الرفض، حتى لو صدر الأول عن جهة نختلف معها، والثاني عن جهة نؤيدها. أما تغيير المعايير بحسب الأسماء والمصالح، فليس موقفاً سياسياً أو فكرياً يعوَّل عليه، بل انتقائية لا علاقة لها بالإنصاف.
وكذلك للتطبيل ثمن يساهم في تشويه الحقائق فهو يعزل أصحاب القرار عن الواقع، ويمنحهم صورة زائفة عن أدائهم، ويشجعهم على تكرار الأخطاء لأن أحداً لا يجرؤ على تسميتها بأسمائها. أما المعارضة المتطرفة، فتفقد النقد مصداقيته حين تستبدل التحليل بالتشهير، والحجة بالمبالغة، والبديل بالشعارات. وفي الحالتين، يدفع الشعب الثمن: أخطاء لا تُعالَج، وإنجازات لا تُستثمر، وطاقات تُستنزف في سجالات عقيمة.
ما نحتاج إليه ليس مزيداً من الضجيج، بل قدراً أكبر من الشجاعة الفكرية والأخلاقية: شجاعة الاعتراف بالخطأ من دون مكابرة، والاعتراف بالإنجاز من دون انتقاص، ومراجعة المواقف حين تتغير الوقائع. فالمسؤول الذي يرفض النقد يضر بنفسه وبالمؤسسة التي يديرها، والناقد الذي يرفض الإنصاف يهدم مصداقيته بيده، والمؤيد الذي يبرّر كل شيء يتحول من عنصر دعم إلى عائق أمام التصحيح.
الولاء ليس صكّاً مفتوحاً لتبرير الأخطاء، والمعارضة ليست رخصة لتشويه كل ما يحققه الآخرون. من يؤيد عليه أن يمتلك شجاعة التنبيه إلى الخلل، ومن يعارض عليه أن يمتلك نزاهة الاعتراف بالصواب. وما عدا ذلك ليس دفاعاً عن المصلحة العامة، بل دفاع عن الاصطفاف والمكاسب والأحكام المسبقة.
وفي النهاية، فالأوطان لا تتقدم بجوقة تبرّر كل شيء، ولا بمعارضة ترفض كل شيء؛ بل بعقول لا تستعبدها المواقف، وبأصوات لا تبيع الحقيقة لإرضاء أحد.





