د. محمود عباس
الإمبراطوريات تحمي مصالحها بحماية الدول والشعوب، وتعيد حساباتها حين تتغيّر قيمة الحليف أو كلفة الدفاع عنه. فإذا أصبح أمن الآخرين مقدَّمًا على نفوذها، تراجعت قدرتها على فرض الشروط، وتآكلت هيمنتها. وأمريكا ليست استثناءً: حمايتها التزامٌ تحكمه المصلحة، لا ضمانٌ يتجاوزها. بعد الهجوم على مطار الرياض في 10 أكتوبر، الذي قتل اثني عشر شخصًا على الأقل، قال ترامب إن واشنطن «قد» تنضم إلى الضربات ضد الحوثيين. في هذه الكلمة تنكشف حدود التحالف: دم الحليف لا يحسم قرار التدخل؛ موقعه في حسابات القوة هو الذي يحسمه.
هنا تبدأ إعادة تشكيل الشرق الأوسط، بتغيير وظائف الدول وحدود قرارها قبل تغيير حدودها الجغرافية. قد تبقى الدولة على الخريطة، بينما تتراجع قدرتها على اختيار حروبها وتحالفاتها وطرق تصدير ثرواتها. السيادة التي لا تستطيع تشغيل وسائل دفاعها دون موافقة المورّد تظلّ أوسع على الورق منها في الواقع.
تعمل هذه العلاقة عبر سلسلة واضحة: تهديد يستنزف الدفاعات، وحاجة متجددة إلى السلاح والمعلومات والصيانة، ثم تفاوض يصبح فيه تأخير الدعم أداة ضغط. تستطيع واشنطن استثمار الحريق دون أن تكون قد أشعلته؛ فالتحكم بوسائل النجاة يمنحها قدرة على تحديد الشروط. ولا يثبت كل تأخير نية الابتزاز، لكنه يخلق تفاوتًا في القدرة على تحمّل الانتظار: الحليف يخسر أمنه، والمورّد يحتفظ بخياراته.
الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، التي بدأت في 28 فبراير، كشفت هشاشة أمن الممرات. تعطّل هرمز دفع السعودية إلى تعزيز الاعتماد على البحر الأحمر، لكن الحوثيين ضغطوا على منفذها الغربي، واستهدفوا الملاحة المرتبطة بها، وتقدّموا نحو مواقع تتحكم بباب المندب. صار تنويع طرق التصدير انتقالًا بين تهديدين؛ وحتى مع استئناف جانب من حركة هرمز، بقي المرور عرضة للتعطيل والابتزاز.
لهذا تتجاوز معارك تعز والحديدة حدود اليمن. السيطرة على الساحل تمنح القدرة على الضغط على النفط والتجارة والتأمين، وتحويل الجغرافيا المحلية إلى نفوذ دولي. وخطورة الحوثيين أنهم يجمعون التنظيم العسكري بالتحكم بمؤسسات وأرض وسكان؛ فتغدو موارد السلطة وقودًا للحرب. دعم إيران يعزّز قدرتهم، فيما تمنحهم مصالحهم المحلية مساحة للتحرك؛ وبذلك تتداخل حربهم مع استراتيجية طهران دون تطابق كامل بينهما.
تحدثت تقارير سبتمبر عن رفض ترامب طلبات سعودية لضرب الحوثيين، مع استمرار الدعم الاستخباراتي وتحديد الأهداف. يظهر هنا نموذج يبقي الحليف قادرًا على القتال، بينما يظل إنهاء التهديد خارج ضماناته. كانت القواعد الأمريكية تُقدَّم مظلة لأمن الخليج؛ فإذا بدوله تتحمّل عبء حماية نفسها والمنشآت الأمريكية الموجودة فيها، فيما تتجدد فاتورة السلاح والخدمات الأمنية.
اتفاقية مكة بين السعودية وتركيا وباكستان، الموقّعة في أغسطس، ثم تفعيل إجراءات الردع الجماعي في أكتوبر، محاولة لتنويع الحماية. لكن تعدّد الحلفاء لا يضمن استقلال القرار إذا ظلت منظومات الدفاع مرتبطة بالمعلومات والذخائر والصيانة الخارجية. اختبار الاتفاقية هو قدرتها على توفير حماية عند اختلاف الأولويات مع واشنطن، وتقاسم المخاطر عندما تتعارض مصالح أعضائها.
ولا تدخل تركيا هذا الحلف بلا مشروعها الخاص. تريد تحويل حضورها في سوريا وتوظيفها قضية فلسطين والخطاب الإسلامي إلى نفوذ إقليمي. تنافس إسرائيل على القوة وإيران على أدوات التأثير؛ فتواجه واشنطن معادلة استخدام أنقرة في احتواء خصومها، مع كبح تمدّد قد يهدّد أمن إسرائيل. وقد تصبح الحاجة السعودية إلى الحماية منفذًا لتوسيع النفوذ التركي، فتتنوع مصادر الاعتماد دون أن تتسع بالقدر نفسه حرية القرار.
الانسحاب الأمريكي من غربي كوردستان في أبريل، ثم اكتمال خروج القوات من العراق في سبتمبر، يكشف الوجه الآخر للمعادلة: تستطيع أمريكا الاحتفاظ بنفوذ اقتصادي وعسكري واستخباراتي بعد تقليص وجودها البري، فيما يفقد حلفاؤها الحماية المباشرة. استمرار النفوذ الأمريكي لا يساوي استمرار الالتزام الأمريكي. والقيادات التي تخلط بينهما تترك مجتمعاتها تدفع ثمن شراكة لم تُحوَّل إلى ضمانات.
أوروبا أيضًا تتحمّل اضطراب الطاقة والملاحة رغم تحفظ دولها على الحرب. وإذا اتسع الاستهداف في باب المندب، ازدادت كلفة التجارة الأوروبية والمتوسطية. هذا يمنح واشنطن أوراق تأثير، لكنه يهدّد مصالحها كذلك؛ فالاضطراب الذي يصلح للضغط قد يتجاوز قدرة الجميع على ضبطه.
المصالح تدفع إعادة التشكيل، والاستراتيجية تنظّمها، والأزمات تعدّل مسارها. وسيتضح الاتجاه من نتائج الترتيبات الأمنية: إن توسّعت الالتزامات والصفقات دون اتساع حرية القرار، نكون أمام توزيع جديد للتبعية. وإن استطاعت الدول حماية نفسها واتخاذ خيارات تخالف المورّد، يبدأ استقلال فعلي.
وللكورد، يصبح القرار المشترك وبناء القدرة الذاتية ضرورة وجود. مَن لا يملك تأثيرًا مستقلًا في الترتيبات الجديدة قد تتحوّل أرضه وتضحياته إلى ثمن لاتفاق الآخرين؛ ومَن ينتظر ضمان مستقبله من مصالح حليف متغيّرة يترك مفتاح وجوده خارج يده.
د. محمود عباس
الولايات المتحدة الأمريكية
12/10/2026 م




