مقالات

شعب كردي ام “أقلية قومية “، ام “أمة ديمقراطية “أم “مجتمعات كردية” ؟

صلاح بدرالدين
العقد الأول من تاريخ ” الحزب الديموقراطي الكردستاني – سوريا ” الذي تاسس عام ١٩٥٧ ، كان بمثابة فترة تجريبية لبداية المرحلة الجديدة في الحياة السياسية الكردية ، بقيام تنظيم عصري للمرة الأولى بمنهاج سياسي ، ونظام داخلي ، ومراتب متدرجة من الهيئات المسؤولة من القاعدة الى القمة ، تجريبية حول مدى تجاوب الكرد السوريين بمختلف طبقاتهم ، وفئاتهم الاجتماعية مع هذا الوليد الجديد ، ودرجات وقع الصدمة على النظام السياسي الحاكم الذي لايعترف دستوريا ، ورسميا بوجود الكرد كشعب فكيف بحركته السياسية الطامحة الى انتزاع الحقوق القومية .
لانها فترة تجريبية فقد كان وقع حملة الاعتقالات الأمنية الأولى أيضا بشموليته ، والاتهامات القاسية الموجهة الى المعتقلين ارباكا كبيرا ، زاد من تأثيراتها الاختلاف حول كيفية الرد على الاتهامات التي قد تنتج عنها احكاما جائرة مثل : ” اقتطاع جزء من سوريا “، و” خطر على الامن القومي ” ، و” العمل في جمعية سرية غير قانونية ” بحسب القانون السوري آنذاك ، وكان واضحا ان القيادة لم تكن مهيأة لاجابات مدروسة موحدة ، والخيارات الأخرى وهي من المآخذ عليها ، بالإضافة الى ان تلك الفترة التجريبية لم تشهد وثائق ، ومنطلقات فكرية ، وسياسية حول القضايا الأساسية في النضال السياسي ، بمافي ذلك بلورة الحقوق ، والمطالب ، والموقف من النظام الحاكم ، مع عدم حسم بعض الأمور المتعلقة بالعلاقة بين القومي والوطني ، والعوامل الذاتية والظروف الموضوعية ، وعدم تقييم ودراسة انعكاس شعارات كبرى على ارض الواقع والتي لم تكن محل اتفاق كامل مثل شعار ” تحرير وتوحيد كردستان الكبرى ” ، وفي السياق ذاته عدم التوصل الى موقف جماعي مدروس وموثق بشأن تعريف الكرد السوريين تاريخيا وجغرافيا وبشريا هل هم اقلية ام شعب ؟ وتاليا تعريف الحقوق ، صحيح كان – منهاج الحزب – يتضمن كلمات كردستان والشعب والحقوق ، ولكن كان البعض من المؤسسين يفسرون ذلك كما يشاؤون ، وكما يظهر فان المجاملة المفرطة بين أعضاء المؤسسين بهدف تحقيق الخطوة المفصلية الأولى – اعلان الحزب – سادت في تلك المرحلة .
وهذه الحقيقة أفضت الى الاختلاف المبكر بين أعضاء القيادة وهم داخل السجون والمعتقلات ، والى الجمود التنظيمي في جميع المناطق ، وظهور التكتلات ، والمجاميع التي تغذت على الاشاعات ، والتسريبات ، وناصرت هذا القيادي او ذاك ، لأننا وكما نعلم فان الدفعات الأولى التي انضمت الى الحزب الأول جاءت من جميع طبقات وفئات المجتمع الكردي ذات المصالح المتضاربة ، وقد شهدت السنوات الخمس مابعد الاعتقالات تراجعا سريعا للحزب ، وغيابا شبه كامل لدوره السياسي الذي لم يسعفه الوقت أصلا للقيام به قبل الاعتقالات ، وانفراطا في عقد القيادة المؤسسة ، وضياعا لاعضائه ومناصريه ، واختراقا واسعا للأجهزة الأمنية في العديد من هياكله ، وفوق كل ذلك تخلى العديد من القيادات البارزة وبينها الدكتور نور الدين ظاظا ، والكوادر الأساسية عن العمل الحزبي ، وأصيب البعض بالإحباط .
وفي المحصلة وبعد حملات الاعتقالات المتتالية التي لم تشمل بعض القياديين من انصار – جمعية كردية وليس حزب ثوري – ، و – أقلية قومية وليس شعب – و – موالاة النظام وليس المعارضة الديموقراطية – حيث بدأوا بمحاولات تحقيق أهدافهم عندما وجدوا ان الظروف لصالحهم ، مستغلين الجمود العام ، وانفراط عقد القيادة وبقاء بعضهم قيد الاعتقال ، ومغادرة البعض الاخر .
منذ عام ١٩٦٣ لوحظ تحرك باوساط القاعدة الحزبية ، وتواصل بين نشطاء من مختلف المناطق ( وكنت واحدا منهم ) ، بهدف احياء التنظيمات من جديد ، وابداء الحذر من محاولات القضاء النهائي على الآمال المعقودة عليها من جانب الشعب الكردي ، وبعد فشل القيادة الباقية والعاملة باسم الشرعية في انقاذ الحزب في الكونفرانس الرابع عام ١٩٦٤ ، وعجزها عن تنفيذ قرارات الكونفراس ، ساد انطباع عام بضرورة الإنقاذ عبر القواعد ، والكوادر المناطقية ، وعدم الاعتماد في تلك المهمة على أعضاء القيادة او ما تبقى منهم على الخط العام للحزب .

. فعلا نجح الكونفرانس الخامس الذي انعقد بالخامس من آب ١٩٦٥ بتسليط الضوء على قضايا الخلاف الأساسية وللمرة الأولى بهذا الوضوح ، وحسم الامر في انقاذ الحزب عندما قرر : الاستمرار في النضال الذي وضع اسسه البناة الاوائل ، كرد سوريا شعب وليسو اقلية ، الالتزام بمبدأ حق تقرير المصير في حل القضية الكردية في الاطار الوطني السوري ، مواجهة نظام الاستبداد الشوفيني والعمل لتغييره جنبا الى جنب القوى الوطنية والديموقراطية السورية ، الوقوف الى جانب ثورة ايلول بقيادة الزعيم الراحل مصطفى بارزاني ، الاتصال بعد ذلك بجميع اعضاء القيادة ودعوتهم بالتفضل لاستلام مواقعهم لحين عقد المؤتمر العام بعد عام ، استجاب كل من اوصمان صبري ، ومحمد احمد توز ورشيد سمو القيادي الذي شارك في الكونفرانس ، وبعد عام انعقد المؤتمر بالهلالية في صيف ١٩٦٦ .

الهدف من هذا السرد المفصل لتجربتنا في الحركة الكردية السورية هو تبيان الوعي المتقدم الذي ظهر في كونفرانس الخامس من آب بخصوص تقييم ومراجعة الماضي بقراءة علمية موضوعية نقدية واضحة والتوصل الى نتائج نظرية ملموسة بالوسائل الشرعية واعتمادا على إرادة الغالبية من القواعد ، من دون شخصنة او اللجوء الى القوة والعنف وهذا يحصل للمرة الأولى في الحركة الكردية في جميع الأجزاء ، وهذه التجربة تستحق ان تشكل النموذج الأمثل .
موضوعة الأقلية ( ١٩٦٥ )
عملية المراجعة الجذرية الأولى ( ١٩٦٥ ) تناولت موضوعة ( أقلية ام شعب ) ؟ بمختلف جوانبها التاريخية ، والجغرافية ، والبشرية ، والسياسية ، والنظرية وفي غضون ثلاثة عقود بات وجود شعب كردي حقيقة لاتشوبها شائبة ، وبدأت التيارات الحزبية الكردية – المترددة – بغالبيتها ان لم يكن كلها ، وبينها – اليمين – تعود الى رشدها وتتراجع ، وتذكر الشعب الكردي في كتاباتها ، كما ان معظم القوى الوطنية السورية ، وكذلك العربية ، إضافة الى الدول الاشتراكية سابقا تستخدم عبارة الشعب الكردي في سوريا خلال علاقاتنا معها ، ومواضيع البحث السياسي ، والبيانات المشتركة ، وقد نبهنا حينذاك في ادبياتنا الحزبية ان هذه المعركة الفكرية – الثقافية – السياسية لم تنتهي بعد ، وهناك خشية من خوضها مستقبلا باشكال أخرى لعلاقتها المباشرة بمخططات النظام القاضية بتحويل الكرد من شعب الى اقلية ، وجاليات مهاجرة عبر – الاحصاء الاستثنائي ، والحزام العربي ، وهذا ماحصل .
موضوعة الامة الديموقراطية ( ٢٠١٢ )
فسرعان ما حمل الوافدون الجدد من قنديل معهم ثقافتهم ، وافكارهم ، البعيدة عن خصوصية الواقع الكردي السوري ، واتحفونا ببدعة ( الامة الديموقراطية ) – كبديل لمبدأ حق تقرير المصير – وهي عديمة الشكل والمضمون والمعنى ، الى جانب التبرء من العمل القومي .
موضوعة المجتمعات الكردية ( ٢٠٢٦ )
وهي امتداد للموضوعتين السابقتين ( الأقلية والأمة الديموقراطية ) ، بل استكمال لما بدأته تعبيرات – ب ك ك – السورية ، لان مطلقيها هم الوجه الآخر للعملة الآبوجية التي فقدت ( الرصيد في أسواقها السابقة ) .
الموضوعات الثلاث ( الأقلية – الامة الديموقراطية – المجتمعات ) صدرت عن نهج فكري واحد ، وماهي الا تعبيرات تعود الى مصدر واحد في الساحة الكردية السورية التي تظهر في كل مرحلة بشكل مختلف وتحت مسميات أخرى ، والهدف المشترك هو إزالة صفة الشعب عن الكرد السوريين انطلاقا من عدم الايمان بمبدأ تقرير المصير ، ولايمكن فصل هذا النهج تاريخيا عن الدوائر الشوفينية الحاكمة في بلادنا ، والاحتضان من بعض المحاور الكردستانية بكل اسف .
محاولات المس أو التشكيك بوجود شعب كردي سوري قبل خمسين عاما أخفقت وذهبت مع سقوط نظام الاستبداد البعثي ، ولحقت بها المحاولة المتكررة منذ خمسة عشر عاما بحل – قسد – سابقا ، وبدأت المحاولة الأخيرة فاشلة منذ اليوم الأول لانها صدرت من بيئة مأزومة ، بقي ان نقول أن تضمين هذه الحقيقة في الدستور السوري القادم ، واستحقاقاتها المطلوبة بانتظار توفير شروط عقد المؤتمر الكردي السوري الجامع بالعاصمة الوطنية دمشق .

هل وجدت هذا المقال مفيدًا؟

رأيك يساعدنا في تحسين المحتوى

100% من القراء أعجبهم المقال
(7 تقييم)
0 0 الأصوات
Article Rating
الاشتراك
نبّهني عن
guest
0 Comments
الأقدم
الأحدث الأكثر تصويت

مقالات أخرى

لا تجنيا ولا كرها بحزب الوحدة ، وإنما للحقيقة.. حول ورود كلمة المجتمع الكوردي في البلاغ الصادر عن أعمال إجتماع الهيئة القيادية لحزب الوحدة الديمقراطي الكوردي في سوريا

شكري بكر وللحقيقة أقول لو أردنا نراجع جميع وثائق وأدبيات وبيانات حزب العمل والموحد واليكيني والآن حزب الوحدة الديمقراطي الكوردي في سوريا…