مقالات

المواجهة مع إيران: ما الذي يمكن أن تنتهي إليه الحرب؟

عدنان بدرالدين

في سلسلة المقالات عن المواجهة الأمريكية–الإسرائيلية مع إيران، وصولًا إلى مقال 20 آب/أغسطس الماضي، كان السؤال الأساسي يتعلق بحدود القوة: لماذا لا تتحول الضربات والخسائر المتراكمة إلى حسم سياسي؟ وفي الحلقة المنشورة في السادس من تشرين الأول، تناولنا قدرة الأطراف على تعويض خسائرها، مع ظهور مؤشرات على زيادة صعوبة التعويض الاقتصادي أمام إيران، من دون أن يعني ذلك اختفاء وسائل تأثيرها أو زوال الكلفة التي يتحملها خصومها.

لكن تراجع القدرة على الاحتمال لا يحدد وحده نهاية المواجهة. فقد يضعف أحد الأطراف، ويصبح أكثر حاجة إلى التفاوض، بينما تبقى التسوية بعيدة لأن شروطها غير متفق عليها. ومن هنا يأتي سؤال هذه الحلقة: ما النتيجة التي يمكن أن تقبلها الأطراف، ومن يستطيع تحويلها إلى التزامات قابلة للتنفيذ؟

وقف الضربات، وتأمين الملاحة، وتقييد البرنامج النووي، وترتيب الوضع في لبنان، أهداف متصلة، لكنها تحتاج إلى قرارات وضمانات مختلفة. وقد ينجح تفاهم في معالجة أحدها، ثم يتعثر بسبب ما تركه مفتوحًا في الآخر.

ما الذي تعتبره واشنطن نهاية كافية؟

قد يبدو فتح مضيق هرمز ووقف الهجمات على الملاحة مدخلًا عمليًا للتهدئة. لكن الموقف الأمريكي المعلن يربط إنهاء الحرب أيضًا بتنازلات نووية ملموسة.

في مقابلة نشرتها رويترز في السادس من تشرين الأول، قال نائب الرئيس الأمريكي جيه دي فانس إن الاتفاق يحتاج إلى خفض ذي معنى في قدرة إيران على التخصيب، وإن التعهدات وحدها لا تكفي. وهذا يوضح أن واشنطن لا تعتبر استعادة الملاحة نتيجة تستوفي بمفردها شروط إنهاء المواجهة.

غير أن وضوح المطلب لا يحسم تفاصيله. فما مقدار الخفض المطلوب؟ وما مصير المواد المخصبة؟ وما حدود النشاط الذي يمكن أن يستمر؟ وكيف يجري التحقق من الالتزامات، وما الذي تحصل عليه إيران مقابل تنفيذها؟

هذه المسائل تحدد الفارق بين مطلب سياسي يمكن إعلانه، واتفاق يمكن تطبيقه. فهدف منع السلاح النووي قد يجمع أطرافًا كثيرة، بينما تختلف مواقفها عندما يتعلق الأمر بقدرة التخصيب المسموح بها، ومدة القيود، وشروط رفع العقوبات.

وقد تقبل واشنطن اتفاقًا يحقق بعض أهدافها إذا رأت أنه يخفض المخاطر ويحد من الكلفة. لكنها ستحتاج إلى تفسير سبب اعتبار هذه النتيجة كافية بعد أشهر من المواجهة، وإلى بيان ما يمنع العودة إلى الظروف التي سبقتها.

توافق على الضغط، وحدود غير واضحة للتوقف

تتفق الولايات المتحدة وإسرائيل على منع إيران من امتلاك سلاح نووي، وعلى الحد من قدرتها على تهديدهما وحلفائهما. لكن هذا التوافق لا يعني بالضرورة اتفاقًا على الحد الذي ينبغي أن تتوقف عنده العمليات.

وقد ظهرت تباينات خلال المواجهة نفسها. ففي تغطية لأسوشيتد برس مطلع تشرين الأول، استُعيدت خلافات بين ترامب ونتنياهو حول استهداف منشأة غاز إيرانية، وحول العمليات في لبنان التي رأى ترامب أنها تعرقل التفاوض مع طهران.

لا تثبت هذه الخلافات انفصالًا استراتيجيًا بين الحليفين، لكنها تكشف أن العمل العسكري المشترك لا ينتج تلقائيًا تصورًا مشتركًا للنهاية. فقد يعطي أحدهما أولوية لتخفيف اضطراب الطاقة والتوصل إلى اتفاق، بينما يرى الآخر فرصة لمواصلة الضغط وتحقيق تغيير أوسع في البيئة الأمنية المحيطة به.

ومع ذلك، لا تكفي الخلافات الماضية لتحديد ما ستقبله الحكومة الإسرائيلية في تفاهم جديد. فموقفها من مقدار القيود النووية، ومن فرص إعادة بناء القدرات الإيرانية، ومن ترتيبات لبنان، يحتاج إلى شروط معلنة يمكن مقارنتها بالموقف الأمريكي. وما عدا ذلك يبقى تقديرًا تحليليًا، لا خريطة مؤكدة لنقطة التوقف الإسرائيلية.

وتدخل الحسابات الداخلية في هذا التباين. فقد يصبح الاتفاق إنجازًا يحتاج إليه طرف، بينما يبدو لدى الآخر تنازلًا عن نتيجة كان يستطيع تحقيقها بمواصلة العمليات. ولهذا لا يكفي أن تتوصل واشنطن وطهران إلى صيغة مشتركة؛ ينبغي أيضًا تحديد موقع إسرائيل منها، وحدود التزاماتها، وكيفية التعامل مع اعتراضاتها.

الملف النووي: ما الذي بقي بعد الضربات؟

تكشف المواجهة عن فرق أساسي بين إلحاق الضرر بالمنشآت النووية، ومعرفة وضع البرنامج بعد ذلك. فالضربة تستطيع تعطيل موقع أو تدمير تجهيزات، لكنها لا تقدم وحدها إجابة عن مصير المواد، وما بقي من المعدات، والقدرة على إعادة البناء.

وفي التاسع من أيلول، أقر مجلس محافظي الوكالة الدولية للطاقة الذرية قرارًا بإبلاغ مجلس الأمن بشأن إيران، في سياق استمرار الخلاف على التعاون والتحقق. وبحسب رويترز، بقيت المطالبة بإعلان مخزون اليورانيوم المتبقي وتمكين المفتشين من التحقق منه جزءًا أساسيًا من النزاع.

لذلك ينبغي أن يُقاس أي اتفاق بما يتيحه من معرفة موثوقة ورقابة مستمرة. فخفض القدرة على التخصيب يحتاج إلى التحقق من الأجهزة والمنشآت، ومعالجة المخزون تحتاج إلى تحديد كميته ومكانه والإجراءات التي ستتخذ بشأنه. ومن دون ذلك تبقى مساحة واسعة للتقديرات المتعارضة، وقد تتحول إلى مبرر لجولة جديدة.

وفي المقابل، يحتاج قبول إيران بهذه الإجراءات إلى مقابل محدد. فإذا طُلب منها تقديم التزامات قابلة للقياس، بينما بقي تخفيف الضغط وعدًا عامًا أو مؤجلًا، فإن الشك الذي عطل التفاهمات السابقة سيستمر.

بهذا المعنى، الرقابة جزء من بناء الاتفاق منذ البداية. فهي تحدد ما يمكن التحقق منه، وما يُعد تنفيذًا للالتزامات، وما يشكل إخلالًا بها. ووضوح هذه المسائل يقلل فرص استخدام الغموض لتبرير التصعيد.

لبنان ساحة لها شروطها

تزداد صعوبة التسوية عندما تصل إلى لبنان. فهذه الساحة مرتبطة بالمواجهة مع إيران، لكنها تضم دولة ومؤسسات وقوى محلية ومصالح لا تختزل في العلاقة بين واشنطن وطهران.

في أيلول، نقلت رويترز عن مسؤول في الخارجية الأمريكية الإعلان عن لقاء لبناني–إسرائيلي مقرر في روما خلال تشرين الأول لبحث ترتيب أمني، بعد جولات لم تحقق اختراقًا في القضايا الإقليمية المتنازع عليها. الإعلان يثبت وجود مسار تفاوضي، لكنه لا يثبت اقتراب الاتفاق أو قدرته على ضبط العمليات.

وجود هذا المسار يؤكد الحاجة إلى معالجة لبنانية محددة. فلا تستطيع تسوية أمريكية–إيرانية وحدها أن تحسم مسائل الانتشار العسكري، والسيادة، وأمن الحدود، ودور الجيش اللبناني وحزب الله.

لكن الفصل الكامل بين المسارين صعب أيضًا. فقد تعتبر إيران استمرار العمليات ضد حليفها إخلالًا بالتهدئة، بينما تعتبر إسرائيل أن وقفها قبل ترتيبات أمنية واضحة يتيح إعادة بناء التهديد. وبين الموقفين، تحتاج الدولة اللبنانية إلى استعادة قدرتها على القرار والتنفيذ، بدل أن تبقى نتيجة التفاوض متوقفة على إرادة الأطراف الخارجية.

ولهذا ينبغي بحث لبنان بوصفه ساحة لها شروطها، مع تحديد صلتها بالتفاهم الأوسع. فتجاهله يهدد الاتفاق، واختزاله في ورقة تفاوض إيرانية يتجاوز مصالح الدولة اللبنانية ودورها في أي ترتيب قابل للاستمرار.

من يملك الالتزام؟

تحتاج التسوية إلى طرف يستطيع التفاوض، وإلى سلطة تستطيع تنفيذ ما تفاوضت عليه. وقد يتطابق الأمران، وقد تتسع المسافة بينهما عندما تتعدد المؤسسات ووسائل الرد.

في مقابلة رويترز الأخيرة، أثار فانس شكوكًا بشأن مقدار السلطة التي يملكها المحاورون الإيرانيون. وفي المقابل، رفض المتحدث باسم الخارجية الإيرانية هذا التصور، وقال إن واشنطن تعرف نظراءها وآلية القرار في إيران، وإن المشكلة تكمن في تناقض المواقف الأمريكية.

لا تكفي التصريحات الأمريكية لإثبات غياب مركز قرار إيراني، كما لا يكفي النفي الإيراني لإثبات سهولة تنفيذ أي تفاهم. السؤال العملي هو مقدار التفويض الذي يحمله المفاوض، وقدرة المؤسسات السياسية والعسكرية على الالتزام بقرار واحد.

ويشمل الاختبار القوى المرتبطة بإيران في المنطقة. فالعلاقة الوثيقة لا تعني تطابق المصالح في كل لحظة، ولا تجعل جميع قرارات هذه القوى قابلة للإدارة من مركز واحد. لذلك ينبغي أن يحدد الاتفاق الالتزامات المباشرة، وآليات معالجة الهجمات والخروقات، من دون الاعتماد على افتراضات عامة بشأن السيطرة على الحلفاء.

ويمتد المعيار نفسه إلى واشنطن. فإذا قدمت التزامات بشأن وقف العمليات أو تخفيف الضغط، فإن صدقيتها تتوقف على قدرتها على تنفيذها، وعلى تحديد ما يشمله الاتفاق من تحركات الحلفاء وما يتركه خارج نطاقه.

ترتيب محدود أم تسوية أوسع؟

يمكن تصور مسارين رئيسيين. الأول ترتيب محدود يوقف العمليات الكبرى، ويحسن سلامة الملاحة، ويخفف بعض الضغط، ويتيح إجراءات أولية للتحقق النووي. وقد يكون أقرب إلى الإمكان لأنه يقلل عدد القضايا المطلوب حسمها فورًا.

وهنا تتصل هذه الحلقة بما تناولته الحلقة السابقة. فإذا استمر تراجع الإيرادات الإيرانية، فقد يصبح ترتيب يتيح استعادة جزء منها أكثر جاذبية لطهران. لكن قبوله يتوقف على المقابل الفعلي: هل تستعيد صادراتها وتحصل على تخفيف ملموس للحصار، أم تقدم التزامات أولية بينما يبقى الضغط قائمًا؟

وقد تستطيع القيادة الإيرانية تسويغ اتفاق محدود داخليًا إذا أعاد موارد تحتاج إليها الدولة والمجتمع، وحافظ على ما تعتبره مصالح أساسية. أما إذا بدا تخفيف الضغط مؤقتًا أو قابلًا للإلغاء من دون ضوابط واضحة، فإن الحافز على قبول الاتفاق سيضعف.

في المقابل، قد ترى واشنطن أن نجاح الحصار يبرر طلب تنازلات أوسع. وهكذا يمكن أن تزيد الضائقة حاجة إيران إلى اتفاق، بينما يرفع أثر الضغط سقف المطالب الأمريكية، فلا تتحول الحاجة المتزايدة بالضرورة إلى تقارب.

وتتوقف قوة الترتيب المحدود على طريقة تنفيذه. فالتدرج يحتاج إلى خطوات متبادلة، وجدول واضح، ورقابة، وإجراءات لمعالجة الخلاف. وإذا أُجلت القضايا الأساسية من دون إطار للتعامل معها، فقد يتحول الاتفاق إلى استراحة يستعد خلالها الجميع للجولة التالية.

أما المسار الثاني فهو تسوية أوسع تشمل البرنامج النووي والعقوبات والملاحة والساحات الإقليمية. وهذه أقدر نظريًا على معالجة أسباب تجدد المواجهة، لكنها تتطلب تنازلات أكبر وتوافقًا بين أطراف أكثر.

وتواجه إيران هنا سؤالًا مختلفًا: هل يمنحها تخفيف واسع ومستقر للضغط ما يكفي لقبول قيود أبعد مدى على قدراتها؟ وتواجه واشنطن وإسرائيل سؤالًا مقابلًا: هل تقبلان نتيجة تفرض قيودًا قابلة للتحقق، لكنها لا تحقق جميع المطالب التي رُفعت خلال الحرب؟

لا يمكن ترجيح المسار الواسع لمجرد أنه أكثر شمولًا. فقد تكون المطالبة بحسم كل الملفات دفعة واحدة سببًا لاستمرار المواجهة، إذا تجاوزت ما تستطيع الأطراف قبوله وتنفيذه. كما أن الترتيب المحدود قد يكون خطوة مفيدة إذا خفض المخاطر وفتح طريقًا واقعيًا لما بعده.

المعيار هو ما إذا كان الاتفاق يغير السلوك ويقلل احتمال تجدد العمليات، وما إذا كانت التزاماته واضحة بما يكفي لتجنب إعادة الخلاف حول معناها عند أول اختبار.

تواجه الأطراف، إذن، مهمة تتجاوز تقدير مقدار الضغط اللازم. عليها أن تحدد ما الذي يمكن أن تتوقف عنده، وما الذي ستقدمه في المقابل، ومن يستطيع تنفيذ الالتزامات. فالولايات المتحدة تحتاج إلى نتيجة قابلة للتحقق، وإسرائيل تحتاج إلى تحديد ما تعتبره ترتيبات أمنية كافية، وإيران تحتاج إلى مقابل تستطيع اعتباره مخرجًا مقبولًا، ولبنان ودول المنطقة تحتاج إلى حماية مصالحها وسيادتها.

قد تصبح هذه المطالب قابلة للتقارب، لكنها لا تتقارب لمجرد ارتفاع الكلفة. وإذا بقي كل طرف ينتظر أن تمنحه الجولة التالية شروطًا أفضل، فإن الحاجة المشتركة إلى التهدئة ستظل أضعف من الخلاف على نهايتها.

لن يتحدد الفرق بين هدنة جديدة ونهاية قابلة للاستمرار بحجم الضغط وحده، بل بوضوح ما يلتزم به كل طرف، والمقابل الذي يحصل عليه، والقدرة على التحقق من التنفيذ. فإذا بقيت هذه العناصر غامضة، فقد يتوقف القتال من دون أن تتوقف الأسباب التي تعيده.

7 تشرين الأول/أكتوبر 2026

هل وجدت هذا المقال مفيدًا؟

رأيك يساعدنا في تحسين المحتوى

0% من القراء أعجبهم المقال
(0 تقييم)
0 0 الأصوات
Article Rating
الاشتراك
نبّهني عن
guest
0 Comments
الأقدم
الأحدث الأكثر تصويت

مقالات أخرى