مقالات

الشعب أم المجتمع؟ دقة المصطلح في الخطاب السياسي الكوردي

عبد الرحمن حبش

في الخطاب السياسي، لا تكون الكلمات مجرد تعبيرات لغوية عابرة، بل تحمل في كثير من الأحيان دلالات سياسية وقومية وتاريخية تحدد طبيعة القضية التي يجري الحديث عنها. ولذلك فإن التمييز بين مصطلحي (الشعب) و(المجتمع) ليس مسألة لغوية بسيطة، وإنما مسألة ترتبط بصورة مباشرة بكيفية تعريف الهوية والحقوق والمكانة السياسية لأي جماعة بشرية.

ومن هنا، تبرز أهمية أن تكون الحركة السياسية الكوردية دقيقة وواضحة في استخدام هذين المصطلحين، ولا سيما عندما يكون الحديث عن الكورد وحقوقهم القومية في سوريا.

فـالمجتمع هو مفهوم اجتماعي بالدرجة الأولى، ويمكن أن يطلق على مجموعة من الناس تجمعهم منطقة جغرافية أو ظروف اجتماعية أو ثقافية أو اقتصادية مشتركة. ويمكن أن توجد مجتمعات متعددة داخل الدولة الواحدة، وقد تتنوع هذه المجتمعات في اللغة والثقافة والانتماءات والظروف الاجتماعية، دون أن يعني ذلك بالضرورة أن لكل مجتمع منها قضية قومية مستقلة.

أما الشعب، فيحمل مفهوما أوسع، ويتصل بالهوية والانتماء المشترك والتاريخ والحقوق الجماعية والارتباط بالأرض. وعندما نقول الشعب الكوردي، فإننا لا نتحدث فقط عن تجمع سكاني أو مجموعة اجتماعية، وإنما عن شعب له هويته القومية وتاريخه وثقافته ولغته وارتباطه التاريخي بأرضه. وهنا تكمن أهمية المصطلح بالنسبة إلى القضية الكوردية في سوريا.

الكورد في سوريا ليسوا مجرد مجتمعات متفرقة تعيش داخل المجتمع السوري، ولا مجرد تجمعات سكانية ظهرت في مناطق مختلفة بفعل ظروف تاريخية متباينة. إنهم جزء من الشعب الكوردي الذي يعيش في جزء من أرضه التاريخية، شأنه في ذلك شأن الشعوب الأخرى التي ارتبط وجودها التاريخي بأوطانها وأراضيها.

وقد تختلف مناطق وجود الكورد داخل سوريا من حيث الجغرافيا والظروف الاجتماعية والاقتصادية، وقد تكون هناك خصوصيات محلية بين منطقة وأخرى، وهذا أمر طبيعي في حياة أي شعب. لكن الاختلاف الجغرافي أو الاجتماعي لا يحول الشعب الواحد إلى مجموعة من الشعوب، ولا يلغي وحدة الهوية والانتماء القومي.
فالشعب قد يعيش في مدن وقرى ومناطق متعددة، وقد تختلف ظروف أبنائه من مكان إلى آخر، لكنه يبقى شعبا واحدا. كما أن وجود تنوع داخلي داخل أي شعب لا يعني أن هذا الشعب يتحول إلى مجتمعات منفصلة من حيث هويته وحقوقه القومية.

ولهذا، فإن استخدام مصطلح المجتمعات الكوردية في سياق الحديث عن القضية القومية يحتاج إلى قدر كبير من الدقة والحذر. فإذا كان المقصود هو التوزع الجغرافي والاجتماعي، يمكن الحديث عن المناطق والتجمعات والمجتمعات الكوردية. أما عندما يكون الحديث عن الهوية القومية والحقوق السياسية والتاريخية، فإن المصطلح الأدق هو الشعب الكوردي أو الكورد في سوريا.
وهذا التمييز مهم لأن اللغة السياسية قد تعكس الرؤية السياسية. فعندما نصف الكورد بأنهم مجتمع فقط، قد يتحول التركيز من قضية شعب ذي حقوق قومية إلى قضية مكون اجتماعي داخل دولة متعددة المكونات. أما عندما نقول الشعب الكوردي، فإننا نحدد بوضوح أن الحديث يتعلق بشعب له هوية وحقوق ووجود تاريخي.

وهنا لا يتعلق الأمر بالرغبة في رفع سقف الخطاب السياسي، ولا بمحاولة فرض مصطلح معين على الآخرين، بل بالحرص على ألا تؤدي عدم الدقة في المفردات إلى إضعاف جوهر القضية التي ناضلت الحركة السياسية الكوردية من أجلها لعقود.

إن الحركة السياسية الكوردية مطالبة اليوم، أكثر من أي وقت مضى، بأن تحافظ على وضوح خطابها، وأن تميز بين المصطلحات الاجتماعية والمصطلحات القومية والسياسية. فليس كل تجمع بشري مجتمعات بالمعنى الذي ينفي عنه صفة الشعب، وليس كل اختلاف جغرافي بين أبناء قومية واحدة دليلا على تعدد الشعوب.
الكورد شعب يعيش على أرضه التاريخية، ووجودهم في سوريا ليس مجرد وجود اجتماعي عابر أو وجود جماعات متناثرة داخل بلد آخر، بل هو وجود تاريخي متجذر في هذه المنطقة. ومن الطبيعي أن يطالب هذا الشعب بالاعتراف بهويته وحقوقه القومية والسياسية والثقافية ضمن الدولة التي يعيش فيها.

كما أن الاعتراف بوجود الشعب الكوردي لا يعني إنكار وجود الشعب السوري، ولا يتعارض مع مفهوم الدولة السورية ووحدتها. فالدول الحديثة تضم شعوبا ومكونات قومية وثقافية متعددة، والاعتراف بحقوق هذه المكونات لا يعني بالضرورة تفكيك الدولة أو تقسيمها، بل يمكن أن يكون أساسا لبناء دولة أكثر عدالة ومواطنة وتوازنا.

ومن هنا، فإن الخطاب السياسي الكوردي يحتاج إلى لغة دقيقة لا تخلط بين الشعب والمجتمع، ولا بين الهوية القومية والتركيبة الاجتماعية. فالمجتمع مفهوم يمكن أن يتغير ويتوسع ويتداخل، بينما الشعب يحمل امتدادا تاريخيا وقوميا أعمق.
إن الدفاع عن دقة المصطلح ليس دفاعا عن كلمة بحد ذاتها، وإنما دفاع عن وضوح الرؤية السياسية. وعندما نتحدث عن الكورد في سوريا، يجب أن يكون واضحا أننا نتحدث عن شعب له تاريخ وهوية ولغة وثقافة وارتباط تاريخي بالأرض، وليس مجرد مجتمع من المجتمعات التي تعيش داخل بلد ما.

لذلك، فإن المسؤولية تقع على عاتق الحركة السياسية الكوردية في أن تحافظ على هذا الوضوح، وأن تستخدم المصطلحات بما ينسجم مع حقيقة القضية التي تمثلها، لأن الخطأ في المفردة قد يبدو بسيطا في ظاهره، لكنه قد يصبح مؤثرا عندما يتكرر ويتحول إلى جزء من الخطاب السياسي.
الشعب يبقى شعبا، حتى عندما تتعدد مناطقه وتختلف ظروف أبنائه، والمجتمع يبقى مفهوما اجتماعيا لا ينبغي أن يحل محل مفهوم الشعب عندما يكون الحديث عن الحقوق القومية والتاريخ والهوية والأرض.
فإن استخدام المصطلح الصحيح ليس مجرد مسألة لغوية، بل جزء من الحفاظ على وضوح القضية الكوردية، وعلى حقيقة أن الكورد شعب يعيش في أرضه التاريخية، وله الحق في أن تصان هويته وحقوقه وتُعترف بها، أسوة بالشعوب الأخرى في العالم.

7/ 10 /2026‪

هل وجدت هذا المقال مفيدًا؟

رأيك يساعدنا في تحسين المحتوى

0% من القراء أعجبهم المقال
(0 تقييم)
0 0 الأصوات
Article Rating
الاشتراك
نبّهني عن
guest
0 Comments
الأقدم
الأحدث الأكثر تصويت

مقالات أخرى