مقالات

إيران تحت الحصار: تراجع التعويض الاقتصادي

عدنان بدرالدين

في سلسلة المقالات التي تناولت المواجهة الأمريكية–الإسرائيلية مع إيران، وكان آخرها في 20 آب/أغسطس الماضي، برزت فكرة أساسية: أن تراجع الضربات في بعض الفترات لا يعني اقتراب نهاية الصراع. فقد استمر الحصار، وبقي مضيق هرمز موضع نزاع، وتعطلت التسوية بسبب الخلاف على الشروط وترتيب تنفيذها. كانت التهدئة مطلوبة لتخفيف الكلفة، لكن الحاجة إليها لم تكن كافية لإنتاج اتفاق.

التطورات اللاحقة لا تنقض هذه القراءة، لكنها تضيف إليها سؤالًا أكثر تحديدًا. فاستمرار المواجهة بلا حسم لا يعني أن أطرافها تتحمل الاستنزاف بالقدر نفسه. وقد يبقى شكل الصراع متقاربًا، بينما تتغير قدرة كل طرف على تعويض خسائره، وتأمين موارده، والحفاظ على وسائل الضغط التي يحتاج إليها.

من هذه الزاوية، تظهر مؤشرات على تراجع قدرة إيران على تعويض خسائرها الاقتصادية. لكنها لا تكفي وحدها للقول إن ميزان المواجهة تغير بصورة شاملة، أو إن التسوية أصبحت قريبة. فموارد الدولة، ونفوذها الإقليمي، وقدرات حلفائها، والكلفة التي يتحملها خصومها، لا تتحرك بالضرورة في اتجاه واحد.

الحصار يمتد إلى البدائل

في الأول من تشرين الأول، وسعت واشنطن العقوبات لتشمل قطاعات السيارات والسكك الحديدية الإيرانية وموردين أجانب. وبحسب وزارة الخزانة الأمريكية، تستهدف الإجراءات طرق نقل ازدادت أهميتها بعد الحصار البحري، بما فيها نقل النفط والمواد الكيميائية والأسمدة، وفق ما نقلته رويترز.

المغزى أن الضغط أخذ يلاحق بعض الوسائل المستخدمة لتخفيف أثر تعطيل التجارة البحرية. فالاقتصاد المحاصر يستطيع أن يكتسب وقتًا إذا نقل جزءًا من تجارته إلى طرق أخرى، أو وجد مشترين ووسطاء يقبلون المخاطرة. أما عندما تتعرض البدائل نفسها للتضييق، فإن تعويض الخسائر يصبح أصعب وأعلى كلفة.

لكن اتساع العقوبات لا يكفي لقياس أثرها. فالحكم على تراجع القدرة الإيرانية يحتاج إلى معرفة ما خسرته طهران من إيرادات، وما استطاعت استعادته عبر التجارة البديلة. والمعطيات المتاحة تقدم مؤشرًا على زيادة الضغط، من دون أن تكشف بعد حجمه الكامل.

كما أن الإنهاك الاقتصادي لا ينتج استجابة سياسية واحدة. فقد يدفع السلطة إلى التفاوض، وقد يشجعها على التصعيد قبل أن تتراجع قدرتها على الرد، وقد يدفعها إلى تحميل المجتمع جزءًا أكبر من الكلفة. واستمرار النظام في هذه الظروف يكشف قدرته على حماية نفسه، لكنه لا يكفي للحكم على سلامة الدولة أو قدرة الاقتصاد على التعافي.

وتزداد أهمية هذا التمييز عندما تستطيع المؤسسات الأمنية الحفاظ على أولوياتها، بينما تتراجع أحوال الناس والخدمات وفرص العمل. فقد يطول عمر المواجهة لأن السلطة قادرة على احتمالها، في وقت يصبح احتمالها أصعب بالنسبة إلى المجتمع.

هرمز: التدفقات تتعافى والخطر يبقى

أظهرت بيانات تتبع نقلتها رويترز في السادس من تشرين الأول أن تدفقات النفط والمنتجات النفطية من دول الخليج، باستثناء إيران، بلغت في أيلول نحو 81 في المئة من مستويات ما قبل الحرب. وفي المقابل، سجلت بيانات «كبلر» توقف الصادرات النفطية الإيرانية خلال الشهر. وهذه تقديرات تجارية مرتبطة برصد الشحنات، ينبغي التعامل معها بحذر، خصوصًا مع صعوبة تتبع التجارة غير المعلنة.

تفتح المقارنة احتمالًا مهمًا: أن تكون دول الخليج قد استعادت قدرة على التصدير أسرع مما استطاعت إيران استعادة مواردها. وإذا استمر هذا الاتجاه، فإنه يضعف جانبًا من الرهان الإيراني على أن تعطيل الملاحة سيجعل خسائر الآخرين غير محتملة.

لكن بيانات شهر واحد لا تثبت اتجاهًا مستقرًا. فقد تتغير التدفقات مع هجوم جديد، أو تراجع استعداد شركات النقل للمخاطرة، أو اضطراب منشآت الإنتاج والتكرير. لذلك تُقرأ أرقام أيلول بوصفها مؤشرًا يستحق المتابعة، لا حكمًا نهائيًا على فاعلية ورقة هرمز.

كذلك، لا تعني استعادة الصادرات عودة الملاحة إلى حالتها السابقة. فقد بقي تعافي صادرات الوقود المكرر أضعف من تعافي الخام، وفق البيانات نفسها.

وهنا يصبح التمييز ضروريًا بين كمية النفط التي تصل إلى السوق، وكلفة نقلها، وانتظام تدفقها. يمكن أن تتحسن الكمية، بينما تبقى الكلفة مرتفعة والإمدادات معرضة للاهتزاز.

بذلك قد تتراجع قدرة إيران على منع مرور الشحنات، مع استمرار قدرتها على جعل المرور أغلى وأقل انتظامًا. وهذا يبقي المضيق وسيلة ضغط مؤثرة، لكنه لا يضمن أن تتحول كلفة الاضطراب إلى تنازل سياسي بالمقدار الذي تريده طهران. فالقدرة على الإيذاء لا تساوي، بالضرورة، القدرة على تحصيل المقابل.

الكلفة الأمريكية لم تختفِ

تعافي جزء من صادرات الخليج لا يعني أن العبء السياسي على الإدارة الأمريكية تراجع بالقدر نفسه. فالمستهلك يتأثر بالسعر الذي يدفعه، ولا يقيس نتيجة الحرب بحركة الناقلات أو حجم الصادرات وحدهما.

أظهر استطلاع رويترز وإبسوس المنشور في الخامس من تشرين الأول بقاء تأييد ترامب عند 32 في المئة، مع استمرار كلفة المعيشة في مقدمة الاهتمامات الانتخابية. ولا يجوز رد هذه النتيجة كلها إلى المواجهة مع إيران، لكنها لا تسند افتراض أن تحسن التدفقات النفطية أزال الضغط الداخلي على الإدارة.

إذن، يواجه الطرفان ضغوطًا مختلفة. إيران تواجه تقييد مواردها وصعوبة تعويض خسائرها، بينما تواجه واشنطن الكلفة الاقتصادية والسياسية لمواجهة لم تنتج بعد نتيجة مستقرة. وقد يكون الضغط على إيران أشد مباشرة، من دون أن يصبح الانتظار خيارًا مريحًا للإدارة الأمريكية.

ومع اقتراب انتخابات التجديد النصفي، قد يزداد البحث عن اتفاق يمكن تقديمه بوصفه إنجازًا. لكن الانتخابات قد تشجع التشدد أيضًا، إذا رأت الإدارة أن التنازل سيظهرها عاجزة عن تحقيق أهدافها. لذلك يؤثر العامل الداخلي في الخيارات، من دون أن يحدد وحده اتجاهها أو موعد اتخاذها.

العراق بعد الانسحاب

كان الانسحاب الأمريكي من العراق في مقال آب تحولًا مرتقبًا. وبحسب ما أعلنه مسؤولون أمريكيون وعراقيون ونقلته رويترز في 30 أيلول، اكتمل خروج القوات الأمريكية، مع استمرار أشكال من الدعم الاستخباري والتدريب.

هذا التطور يستدعي تدقيق التقدير السابق. فخروج القوات يقلل عدد الأهداف الأمريكية المباشرة داخل العراق، لكنه لا يخرج البلد تلقائيًا من المواجهة، ولا ينقل الضغط كله إلى البحر. يظل موقع العراق مرتبطًا بقدرة دولته على ضبط القرار الأمني، وبسلوك الفصائل المسلحة، وبالعلاقات السياسية والاقتصادية التي تربطه بإيران.

وقدمت طهران والقوى القريبة منها الانسحاب بوصفه مكسبًا استراتيجيًا. وهذه الرواية لا تكفي وحدها لتحديد نتائجه، لكنها تمنح إيران فرصة لتوظيفه سياسيًا في وقت تتعرض فيه لضغط اقتصادي متزايد.

هنا تتضح ضرورة الفصل بين أنواع التعويض. فقد تتراجع موارد إيران المالية، بينما يتحسن موقع حلفائها في ساحة مجاورة. والمكسب السياسي أو الأمني لا يعوض الإيرادات المفقودة مباشرة، لكنه قد يحافظ على وسائل نفوذ تحتاج إليها طهران في المواجهة والتفاوض.

لهذا لا يصح قياس موقع إيران من صادراتها وحدها، كما لا يصح اعتبار الانسحاب دليلًا على تراجع الضغط الأمريكي في المنطقة كلها. الذي تغير هو شكل إحدى ساحات الاحتكاك، أما أثره في التوازن الإقليمي فما زال يحتاج إلى متابعة.

أما تداعيات الانسحاب على أمن إقليم كردستان العراق وخيارات قيادته، فسنتناولها قريبًا في مقال مستقل.

لبنان وحدود التفاهم الثنائي

الضغط الاقتصادي الأمريكي لا يعمل منفصلًا عن العمليات الإسرائيلية. ففي العاشر من أيلول، أعلنت إسرائيل تدمير بنية تحت الأرض لحزب الله عند مرتفعات علي الطاهر في جنوب لبنان، وقالت إن قواتها ستبقى في المنطقة لمنع إعادة بناء قدراته، وفق ما نقلته رويترز.

تؤثر هذه الجبهة في قدرة إيران على التعويض من زاوية مختلفة. فحلفاؤها الإقليميون جزء من وسائل نفوذها وردعها، وإضعافهم يحد من الخيارات المتاحة أمامها. لكن تقدير مقدار هذا الإضعاف يحتاج إلى معرفة ما بقي من قدراتهم وما يستطيعون إعادة بنائه، ولا يكفي فيه إعلان عملية عسكرية منفردة.

كما يضع استمرار العمليات في لبنان حدودًا لأي تفاهم أمريكي–إيراني لا يحدد صلته بهذه الساحة. فقد يتفق الطرفان على خطوات في الملاحة والحصار، ثم يتعرض التفاهم للاهتزاز بسبب تصعيد على جبهة تعتبرها طهران جزءًا من شروط وقف القتال.

ولا يعني ذلك أن واشنطن وإسرائيل تختلفان في كل أهدافهما. لكنه يعني أن اتفاقهما على إضعاف إيران لا يثبت تطابق موقفهما من توقيت وقف العمليات، أو من النتيجة التي تعد كافية لإنهاء المواجهة. وهذه مسألة ستظل مؤثرة في قدرة الوسطاء على بناء اتفاق قابل للاستمرار.

الدبلوماسية أمام اختبار التنفيذ

عادت الوساطة إلى حركة أوضح في أواخر أيلول، لكن التقارير المنشورة تشير إلى استمرار الخلاف على ترتيب فتح المضيق ورفع الحصار، وعلى توقيت إدخال الملف النووي في التفاوض.

تخشى إيران تقديم وسيلة ضغطها قبل الحصول على مقابل، وتخشى الولايات المتحدة تخفيف الضغط من دون التزام قابل للتحقق. وقد تساعد خطوات متزامنة وخاضعة للمراقبة على معالجة هذا الخلاف، لكن إمكان تصميمها لا يثبت استعداد الأطراف لتنفيذها.

ويزداد الاختبار صعوبة عندما تتداخل الساحات. فالاتفاق يحتاج إلى تحديد الالتزامات، والجهات القادرة على فرضها، وطريقة التعامل مع الخروقات. وكل غموض في هذه المسائل يترك بابًا لعودة المواجهة، حتى إذا نجح الوسطاء في إنتاج وثيقة جديدة.

تكشف المرحلة، في المحصلة، أن قدرة إيران على التعويض لا تتحرك في اتجاه واحد. فالحصار يقيد مواردها الاقتصادية، والانسحاب الأمريكي من العراق يمنحها مكسبًا سياسيًا محتملًا، فيما يضع الضغط الإسرائيلي في لبنان قدرات حلفائها أمام اختبار مستمر. وفي المقابل، لم تختفِ الكلفة الداخلية للمواجهة في الولايات المتحدة رغم تعافي جزء من تدفقات النفط.

هذه المكاسب والخسائر لا يعوض بعضها بعضًا بصورة مباشرة. فالنفوذ السياسي لا يعيد الإيرادات المفقودة، والقدرة على تهديد الملاحة لا تضمن الحصول على مقابل، وتشديد الحصار لا ينتج وحده تسوية. لذلك تبدو إيران أمام صعوبة متزايدة في تعويض خسائرها الاقتصادية، مع احتفاظها بوسائل تأثير في ساحات أخرى.

وهذا يطور قراءة الاستنزاف من دون أن يحسم نهايته: تستطيع طهران أن تبقى قادرة على الرد، بينما يصبح تعويض خسائرها أصعب؛ وتستطيع واشنطن أن تزيد الضغط، بينما يبقى تحويله إلى اتفاق مستقر مهمة لم تنجز بعد.

6 تشرين الأول/أكتوبر 2026

هل وجدت هذا المقال مفيدًا؟

رأيك يساعدنا في تحسين المحتوى

0% من القراء أعجبهم المقال
(0 تقييم)
0 0 الأصوات
Article Rating
الاشتراك
نبّهني عن
guest
0 Comments
الأقدم
الأحدث الأكثر تصويت

مقالات أخرى