مع انتهاء الوجود العسكري الأمريكي وقوات التحالف الدولي في العراق، في 30 أيلول 2026، يدخل إقليم كوردستان مرحلة أمنية وسياسية أكثر تعقيداً. ولا يقتصر السؤال على أسباب الانسحاب، بل يشمل أيضاً طبيعة الترتيبات التي ستليه، ومدى قدرة الإقليم والعراق على سد الفجوات الأمنية والسياسية المحتملة.
من المهم التمييز بين ثلاثة مستويات في تقييم المرحلة المقبلة.
أولاً: هناك حقائق مؤكدة، أبرزها أن انتهاء الوجود العسكري المباشر لا يعني بالضرورة قطع العلاقات الأمريكية مع العراق أو إقليم كوردستان؛ إذ يمكن أن يستمر التعاون في التدريب والاستخبارات والدعم اللوجستي ومكافحة الإرهاب بصيغ مختلفة.
ثانياً: هناك سيناريوهات محتملة، مثل تراجع مستوى الردع أو زيادة الضغوط الأمنية إذا لم تتوافر بدائل مناسبة.
ثالثاً: هناك تقديرات سياسية تتعلق بكيفية تصرف بغداد وطهران وأنقرة والفاعلين المحليين، وهي تبقى مرتبطة بتطورات لا يمكن حسمها مسبقاً.
الخطر الأول: احتمال اتساع الفجوة الأمنية والدفاعية
من بين أكثر الملفات حساسية مسألة الدفاع الجوي. فقد أسهمت منظومات أمريكية، ومنها C-RAM و Patriot
في حماية أربيل والمنشآت الحيوية من الصواريخ والطائرات المسيّرة. وبعد الانسحاب، قد يزداد تعرض الإقليم للهجمات إذا لم تُنشأ ترتيبات بديلة أو إذا لم تُعزز قدراته الذاتية.
لكن حجم هذا الخطر سيعتمد على عدة عوامل، منها طبيعة الاتفاقات الأمنية اللاحقة، ومستوى الدعم الاستخباراتي والتقني المستمر، وقدرة بغداد وأربيل على تنسيق إجراءات الحماية. لذلك فإن الحديث عن فراغ أمني كامل يبقى سيناريو محتملاً، لا نتيجة مؤكدة.
الخطر الثاني: تنامي نفوذ إيران والفصائل المسلحة المرتبطة بها
تُعد إيران من أبرز الأطراف القادرة على التأثير في البيئة الأمنية والسياسية العراقية، وقد تعرض إقليم كوردستان في فترات سابقة لهجمات صاروخية وبالطائرات المسيّرة نُسب بعضها إلى إيران أو إلى فصائل عراقية موالية لها. وإذا استمر التوتر بين إيران والولايات المتحدة أو بين إيران وأطراف إقليمية أخرى، فقد ينعكس ذلك على الإقليم بصورة مباشرة أو غير مباشرة.
مع ذلك، فإن مستوى التصعيد سيبقى مرتبطاً بحسابات الأطراف المعنية وبطبيعة التفاهمات الإقليمية والدولية. ومن ثم، فإن زيادة الضغط على كوردستان تمثل احتمالاً سياسياً وأمنياً، وليست نتيجة حتمية للانسحاب.
الخطر الثالث: استمرار تهديد تنظيم داعش
رغم فقدان تنظيم داعش الأراضي التي كان يسيطر عليها وتراجع قدراته العسكرية، فإنه لم يختفِ بالكامل. وما زالت خلاياه قادرة على استغلال الثغرات الأمنية، ولا سيما في المناطق المتنازع عليها والمناطق الفاصلة بين القوات العراقية وقوات البيشمركة.
وقد يؤدي تراجع الدعم الجوي والاستخباراتي الأمريكي، إذا حدث، إلى زيادة صعوبة ملاحقة هذه الخلايا. غير أن مستوى التهديد سيعتمد أيضاً على كفاءة التنسيق بين بغداد وأربيل، وعلى قدرة القوات المحلية على جمع المعلومات وتنفيذ عمليات استباقية. لذلك لا تشير المعطيات إلى عودة تلقائية للتنظيم، لكنها تبرر التعامل مع خطره باعتباره مستمراً وقابلاً للتصاعد في ظروف معينة.
الخطر الرابع: تعقيد العلاقة بين أربيل وبغداد
تمثل العلاقة بين الحكومة الاتحادية وحكومة إقليم كوردستان أحد المحددات الرئيسية للاستقرار بعد الانسحاب. فالدستور العراقي يعترف بالإقليم وبصلاحياته، لكن ملفات الميزانية ورواتب الموظفين والبيشمركة والنفط والغاز والمناطق المتنازع عليها ما زالت موضع خلاف.
قد تسعى بغداد، من منظور سياسي، إلى توسيع نفوذها في الملفات الأمنية والاقتصادية بعد تراجع الحضور الأمريكي. ولا يعني ذلك بالضرورة اتجاه الطرفين إلى مواجهة، لكنه قد يزيد الحاجة إلى تفاهمات واضحة وآليات دستورية مستقرة. وفي المقابل، فإن استمرار الخلافات دون تسوية قد يضعف قدرة الطرفين على مواجهة التحديات المشتركة.
الخطر الخامس: تركيا وحزب العمال الكوردستاني
يشكل الوجود العسكري التركي في شمال العراق وملف حزب العمال الكوردستاني عاملاً مؤثراً في أمن الإقليم. وفي الوقت نفسه، ظهرت خلال الفترة الأخيرة خطوات سياسية وأمنية مرتبطة بعملية حل الحزب ونزع سلاحه، إلى جانب تفاهمات بشأن بعض المواقع والقوات في شمال العراق.
إذا استمرت هذه العملية، فقد يتجه الملف نحو خفض التوتر تدريجياً. أما إذا تعثرت، فمن المحتمل أن تبقى العمليات التركية والتوترات المرتبطة بالحزب مصدراً للضغط على الإقليم. وبذلك، فإن مسار هذا الملف سيعتمد بدرجة كبيرة على التطورات السياسية في تركيا والعراق وعلى مواقف الأطراف الكوردية المعنية.
السيناريوهات المحتملة لمستقبل كوردستان
لا تسمح المعطيات الحالية بالجزم بأن انسحاب القوات الأمريكية سيؤدي إلى أزمة شاملة، كما لا تبرر افتراض أن المرحلة المقبلة ستكون مستقرة تلقائياً. ويمكن تصور ثلاثة سيناريوهات رئيسية لمستقبل كوردستان بعد انسحاب القوات الأمريكية والتحالف:
– سيناريو الاستقرار المشروط: يتحقق إذا استمر الدعم الدولي بصيغ غير عسكرية مباشرة، وتحسن التنسيق بين أربيل وبغداد، وتراجعت التوترات الإقليمية. في هذه الحالة، يستطيع الإقليم سد جزء كبير من الفجوة الأمنية عبر تطوير قدراته المحلية، وتوحيد مؤسساته، وتعزيز التعاون الاستخباراتي والدبلوماسي، مع بقاء تهديدات داعش والهجمات الصاروخية والضغوط السياسية تحت السيطرة.
– سيناريو التكيف التدريجي: يتراجع فيه الاعتماد على الوجود العسكري المباشر، من دون حدوث انهيار أمني واسع. وتعمل كوردستان خلال هذه المرحلة على تعزيز قدرات البيشمركة والدفاع الجوي، وتطوير علاقاتها مع الولايات المتحدة وأوروبا، وتسوية الخلافات مع بغداد تدريجياً، مع استمرار بعض التحديات المرتبطة بتركيا وإيران والمناطق المتنازع عليها.
– سيناريو تصاعد الضغوط: يحدث إذا تزامن الانسحاب مع ضعف التنسيق الداخلي، واستمرار الخلافات بين أربيل وبغداد، وتزايد الهجمات أو النشاطات المسلحة، وتعثر التفاهمات الإقليمية. وقد يؤدي ذلك إلى اتساع الفجوة الأمنية، وزيادة نشاط داعش، وتصاعد الضغوط الإيرانية أو التركية، وتراجع قدرة الإقليم على حماية منشآته ومصالحه من دون دعم خارجي مباشر.
ولا يتوقف ترجيح أي من هذه السيناريوهات على قرار الانسحاب وحده، بل على قدرة المؤسسات الكوردية والعراقية على إدارة المرحلة اللاحقة، وعلى مستوى الدعم الدولي المستمر، وطبيعة التفاهمات بين الأطراف الإقليمية.
تحتاج كوردستان إلى توحيد المؤسسات الأمنية والعسكرية، وتعزيز استقلالية قرار البيشمركة عن الانقسامات الحزبية، وتطوير قدرات الدفاع الجوي، وتحسين تبادل المعلومات، وتقوية العلاقات مع الولايات المتحدة وأوروبا والدول الإقليمية. كما أن تسوية الخلافات مع بغداد عبر الدستور والحوار ستظل عاملاً أساسياً في تقليل المخاطر.
وتكتسب الوحدة الداخلية أهمية خاصة؛ فكلما كانت المؤسسات الكوردية أكثر تماسكاً، تراجعت قدرة الأطراف الخارجية على استغلال الانقسامات المحلية. وفي المقابل، فإن استمرار التنافس الداخلي قد يحول التحديات الخارجية إلى أزمات أكثر تعقيداً.
إن مرحلة ما بعد الانسحاب الأمريكي لا تعني بالضرورة نهاية الدعم الدولي لكوردستان، لكنها تعني على الأرجح انتقال جزء أكبر من مسؤولية الأمن إلى المؤسسات المحلية، مع اعتماد متزايد على الدبلوماسية والتنسيق السياسي.
وقد لا يأتي الخطر الأكبر من جهة واحدة، بل من تزامن عدة عوامل: ضعف الوحدة الداخلية، والخلافات مع بغداد، والتوتر مع إيران، والعمليات التركية، واستمرار نشاط داعش، ونقص قدرات الدفاع الجوي. لذلك فإن السؤال الأهم ليس فقط: «من سيحمينا بعد أمريكا؟» بل: هل تستطيع كوردستان بناء مؤسسات موحدة وفعالة تحمي أمنها ومصالحها، مع الحفاظ على علاقات متوازنة مع بغداد وواشنطن وأنقرة وطهران؟
ستحدد الإجابة عن هذا السؤال، إلى حد كبير، طبيعة المرحلة المقبلة.
السويد 2026/10/4