حين صدر قانون الإصلاح الزراعي رقم 161 عام 1958، كان الشعار المعلن هو الحد من الإقطاع وإعادة توزيع الأراضي على الفلاحين. ومن حيث المبدأ، كان الإصلاح الزراعي مشروعاً اجتماعياً واقتصادياً شمل مناطق سورية عديدة، ولم يكن موجهاً إلى الكورد وحدهم.
لكن دراسة ما جرى في منطقة عفرين تكشف جانباً آخر لا يمكن تجاهله: فقد تزامنت مصادرة مساحات واسعة من أملاك كبار الملاكين الكورد مع استقدام عائلات عربية من خارج المنطقة ومنح بعضها أراضي إصلاح زراعي والاستقرار فيها، في منطقة كانت كوردية ساحقة.
وهنا يبرز السؤال التاريخي: إذا كان الهدف الوحيد هو «الأرض لمن يعمل بها»، فلماذا جرى استقدام مستفيدين من خارج عفرين، في الوقت الذي كان في المنطقة نفسها فلاحون كورد فقراء لا يملكون الأرض؟ الى درجة استبعاد فلاح الكوردي الذي كان يعمل بالارض .
آل سيدو ميمي نموذجاً
من أبرز العائلات التي طالتها إجراءات الإصلاح الزراعي في عفرين عائلة سيدو ميمي.
وتظهر قوائم المالكين الذين شملهم قانون الإصلاح الزراعي أسماء عدد من أفراد العائلة، ومنهم عبد المنان سيدو ميمي، المرتبط اسمه بأراضي تل حمو وكمشبر كفيرة . كما ترد في المصادر أسماء آخرين من العائلة وأراضٍ في عدد كبير من قرى عفرين.
وتشير مصادر محلية تتناول تاريخ العائلة إلى أن أملاك محمد خليل آغا سيدو ميمي، المعروف باسم «دقو»، كانت تمتد إلى عدد من قرى عفرين، وأن قانون الإصلاح الزراعي صادر القسم الأكبر من أملاك الأسرة. كما تورد هذه المصادر رواية عائلية تربط تشدد السلطات تجاه العائلة بموقفها المؤيد للحركة الكوردية بقيادة مصطفى البارزاني. وهذه الجزئية الأخيرة تبقى رواية محلية وعائلية تحتاج إلى وثائق رسمية إضافية قبل اعتبارها حقيقة تاريخية محسومة.
من حصل على الأراضي؟
هنا تظهر إحدى أكثر النقاط حساسية في تاريخ عفرين الحديث.
فدراسة عن حقوق السكن والأرض والملكية في عفرين، منشورة بدعم من مؤسسة فريدريش إيبرت، توثق أنه خلال عهد الجمهورية العربية المتحدة، بين عامي 1958 و1961، جرى توطين عائلات عربية، ولا سيما في عفرين وناحية جنديرس.
وتنقل الدراسة شهادة مدرس من عفرين تفيد بأنه بعد تطبيق الإصلاح الزراعي حصلت عائلات عربية من عشيرة العميرات، قادمة من الريف الشرقي لحلب، على أراضٍ في قريته. كما تذكر أن عائلات من البوبنا قدمت من محيط منبج وسُمح لها بالاستقرار في المنطقة إلى جانب رعاة عرب كانوا يمرون بها موسمياً.
ولدينا مثال أكثر تحديداً في قرسق في سهل جوم. فالمعلومات المنقولة عن دراسة جغرافية للدكتور محمد عبدو علي تذكر أن عدة عائلات عربية من عشيرة السبخاوي استقرت في الموقع خلال ستينيات القرن الماضي بعد حصولها على أراضٍ من الإصلاح الزراعي.
وتذكر دراسة جبل الكرد – عفرين بدورها أنه أثناء تطبيق الإصلاح الزراعي في الستينيات وُزعت حقوق انتفاع على عشرات الأسر العربية، بينها أسر كانت تعمل في الرعي الموسمي وأخرى جيء بها إلى المنطقة، مع تسهيلات من لجنة التوزيع في ناحية جنديرس.
العميرات والبوبنا وغيرهما
تظهر العميرات والبوبنا بوضوح أكبر من غيرهما في المصادر التي تتناول حركة الاستقرار العربي في عفرين خلال تلك المرحلة. وتصف دراسة جبل الكرد هاتين المجموعتين بأنهما من أبرز المجموعات العشائرية العربية في المنطقة، وتبحث في تاريخ استقرارهما ومصادر قدومهما.
وتورد مصادر كوردية محلية قائمة أوسع لعشائر وعائلات عربية استقرت في عفرين في مراحل مختلفة، وتذكر من بينها: العميرات، البوبنا، البطوش، العجيل، البوعاصي، العجاج، الحديديين، النعيم، الدمالخة، الولدة وبني زيد. لكن يجب التمييز هنا: وجود اسم عشيرة عربية في عفرين لا يعني تلقائياً أن جميع أفرادها جرى استقدامهم بواسطة الدولة أو أنهم حصلوا جميعاً على أراضٍ مصادرة. فطرق الوصول إلى عفرين تعددت بين الرعي والعمل والهجرة والاستقرار والحصول على أراضي الإصلاح الزراعي.
أما الحالات التي نستطيع ربطها بالمصادر المتاحة مباشرة بتوزيع الأراضي أو بسياسة الاستقرار في تلك المرحلة، فتبرز فيها بصورة أوضح العميرات والبوبنا والسبخاوي.
هل حُرم الفلاح الكوردي كلياً؟
الدقة التاريخية تقتضي هنا قول شيء قد لا ينسجم مع بعض الروايات المتداولة: لا تتوفر أدلة كافية للقول إن جميع الأراضي المصادرة في عفرين أعطيت للعرب وإن الفلاحين الكورد حُرموا منها بالكامل.
بل توجد دراسة للباحث توماس شميدينغر تقول إن الوضع في عفرين اختلف عن مشروع الحزام العربي في الجزيرة، وإن جزءاً مهماً من الأراضي المصادرة من كبار الملاكين الكورد وُزع على فلاحين كورد محليين صغار.
لكن هذه الحقيقة لا تلغي الحقيقة الأخرى الموثقة أيضاً: الدولة منحت بالفعل أراضي في عفرين لعائلات عربية قادمة من خارج المنطقة.
وهنا تكمن القضية السياسية.
فلو كان معيار الإصلاح اجتماعياً بحتاً، لكان من الطبيعي إعطاء الأولوية لفقراء وفلاحي المنطقة، بصرف النظر عن قوميتهم. أما نقل عائلات من مناطق أخرى ومنح بعضها أراضي في منطقة حدودية ذات غالبية كوردية، بالتزامن مع سياسات أوسع لتعريب الأسماء وتقييد التعبير الثقافي الكوردي، فيجعل قراءة تلك الإجراءات باعتبارها جزءاً من سياسة قومية عربية تجاه المناطق الكوردية قراءة تستند إلى وقائع تاريخية وليست مجرد شعار سياسي.
وقد وصل التعريب الرسمي في عفرين لاحقاً إلى أسماء القرى نفسها؛ إذ يشير شميدينغر إلى قرار وزارة الداخلية السورية عام 1977 بتعريب الأسماء غير العربية في عفرين.
الإصلاح الزراعي أم تغيير في البنية السكانية؟
لم يكن ما جرى في عفرين نسخة مطابقة لمشروع الحزام العربي في محافظة الحسكة، ومن الخطأ التاريخي دمج المشروعين وكأنهما إجراء إداري واحد.
لكن من الخطأ أيضاً تجاهل أن الإصلاح الزراعي في عفرين أتاح للدولة نقل ملكية أو حق الانتفاع بأراضٍ من ملاكين محليين الكورد إلى عائلات جاءت من خارج المنطقة، وأن المصادر توثق ذلك في حالات محددة.
وهنا تتجاوز المسألة الصراع القديم بين «الآغا والفلاح».
فالأرض لم تكن مجرد مصدر رزق، بل كانت وما زالت مرتبطة بهوية المكان وبنيته السكانية. وعندما تتدخل السلطة في منطقة ذات خصوصية قومية، فتصادر الأرض ثم تستقدم مواطنين من خارجها وتمنح بعضهم حق الاستقرار والانتفاع بها، يصبح من المشروع تاريخياً دراسة هذه السياسة ليس فقط كـ«إصلاح زراعي»، بل أيضاً من زاوية آثارها الديموغرافية والقومية.
إن إنصاف فلاح فقير، عربياً كان أم كوردياً، شيء؛ واستخدام قوانين الإصلاح الاجتماعي لإعادة تشكيل البنية السكانية لمنطقة قومية شيء آخر تماماً برأي تندرج ضمن مشروع عنصري و شوفيني
والحديث عن هذه المرحلة اليوم لا ينبغي أن يتحول إلى اتهام جماعي للعائلات العربية التي عاشت لاحقاً في عفرين؛ فمسؤولية وضع القوانين وتحديد المستفيدين واتخاذ قرارات الاستقدام والتوزيع تقع أولاً على السلطات التي صممت السياسة ونفذتها، لا على الأبناء والأحفاد ، علما الان جميع ابناء تلك العشائر يتكلمون الكوردية و قد اندمجوا و تزاوج الكورد منهم و هم من الكورد ،
لكن المصالحة مع التاريخ تبدأ بالاعتراف بما حدث: من صودرت أرضه؟ كم كانت مساحتها؟ ولمن سُلّمت؟ وبأي قرار؟
ولهذا فإن ملف أراضي آل سيدو ميمي و«دقو» وبقية الملاكين الكورد في عفرين يستحق أن يُفتح بالوثائق والسجلات العقارية وقرارات لجان الإصلاح الزراعي، لا بالشعارات وحدها.
فالأرض تحتفظ بذاكرتها، حتى عندما تحاول السياسة تغيير أسماء أصحابها وقراها.
@
المصادر والمراجع
– د. محمد عبدو علي، جبل الكرد (عفرين) – دراسة جغرافية.
– Thomas McGee، “Nothing Is Ours Anymore” – HLP Rights Violations in Afrin, Syria، Friedrich-Ebert-Stiftung.
– Thomas Schmidinger، The Battle for the Mountain of the Kurds، PM Press، 2019.نسخة عربية عنوان النسخة العربية هو «استعادة الديار: معركة العدالة في حقوق السكن والأرض والملكية في سوريا والعرا ق وليبيا»،دد
– قانون الإصلاح الزراعي السوري رقم 161 لعام 1958 وتعديلاته.
– قوائم المالكين الذين شملهم قانون الإصلاح الزراعي في محافظة حلب.