صحافة حزبية

 سوريا الجديدة لابد أن تكون دولة المواطنة والتعددية والشراكة الحقيقية

افتتاحية صحيفة كوردستان – العدد (785) / الناطقة باسم الحزب الديمقراطي الكردستاني – سوريا

تمرّ سوريا اليوم بمرحلة تاريخية ومفصلية، تتجاوز في أبعادها مجرد الانتقال من مرحلة سياسية إلى أخرى، لتضع السوريين أمام استحقاق وطني كبير يتمثل في إعادة بناء الدولة، وتحديد طبيعة النظام السياسي الذي سيحكم مستقبل البلاد، والعلاقة التي ينبغي أن تقوم بين الدولة ومختلف مكوناتها القومية والدينية والثقافية. إنها لحظة تتطلب من الجميع مراجعة الماضي، والاستفادة من دروسه، والتطلع إلى مستقبل يقوم على الحرية والعدالة والمساواة والشراكة الوطنية الحقيقية.

لقد أثبتت التجربة السورية خلال العقود الماضية أن الدولة التي تقوم على الإقصاء والتهميش، وتحتكر فيها السلطة فئة أو حزب أو أيديولوجيا معينة، لا تستطيع تحقيق الاستقرار الحقيقي، مهما امتلكت من أدوات القوة. كما أثبتت سنوات الثورة والصراع أن غياب التوافق الوطني، وتنامي النزعات القومية والطائفية، وخطابات الكراهية، تؤدي إلى تعميق الانقسامات وإضعاف النسيج الاجتماعي، وتفتح الأبواب أمام التدخلات الخارجية.

من هنا، فإن سوريا الجديدة التي يتطلع إليها السوريون يجب ألا تكون امتداداً لنهج الماضي بأسماء وشعارات جديدة، بل دولة مختلفة في فلسفتها السياسية، وفي طبيعة مؤسساتها، وفي تعاملها مع مواطنيها. دولة لا تميز بين مواطنيها على أساس القومية أو الدين أو المذهب أو اللغة أو المنطقة، وتكون فيها المواطنة المتساوية أساس الحقوق والواجبات، والدستور المرجعية التي تحمي الجميع، والقانون فوق الأفراد والجماعات.

إن القضية الكردية في سوريا ليست قضية طارئة فرضتها ظروف الحرب، ولا مطلباً سياسياً عابراً مرتبطاً بتوازنات المرحلة الراهنة، بل هي قضية شعب أصيل متجذر في أرضه وتاريخه، وله هويته القومية والثقافية واللغوية، وحقوقه المشروعة التي تعرضت للإنكار والتهميش لعقود طويلة.

ولذلك، فإن الاعتراف بالكرد مكوّناً أصيلاً من الشعب السوري، وبحقوقهم القومية والثقافية والسياسية، يشكل مدخلاً أساسياً لبناء الثقة بين الدولة والمجتمع، ويؤسس لعلاقة وطنية سليمة.

إن ما صدر من مراسيم وقرارات تتعلق بالحقوق الثقافية واللغوية للكرد يشكل خطوة في مسار الاعتراف، إلا أن التحدي الحقيقي يكمن في تحويل هذه المبادئ إلى حقوق دستورية واضحة، وآليات قانونية ومؤسساتية تضمن تنفيذها واستمرارها، بعيداً عن الاجتهادات السياسية والتبدلات في موازين القوى.

فحق الكرد في تعلم لغتهم الأم، والحفاظ على ثقافتهم وتراثهم، وممارسة خصوصيتهم القومية، والمشاركة في إدارة شؤون مناطقهم، والتمثيل العادل في مؤسسات الدولة، ليست مطالب تتعارض مع وحدة سوريا، بل هي من مقومات الدولة الديمقراطية التي تحترم مواطنيها.

ومن هنا، فإن بناء سوريا الجديدة يتطلب الانتقال من منطق الغلبة إلى منطق الشراكة، ومن ثقافة التخوين والإقصاء إلى ثقافة الحوار والاعتراف المتبادل، ومن مركزية السلطة المطلقة إلى مؤسسات دولة حديثة تقوم على توزيع الصلاحيات والمشاركة الفعلية في صنع القرار.

إن المرحلة الراهنة تفرض ضرورة صياغة عقد اجتماعي وطني جديد، يعبر عن حقيقة المجتمع السوري بتنوعه القومي والديني والثقافي، ويضمن حقوق جميع مكوناته، ويحدد طبيعة العلاقة بين المركز والمناطق، ويؤسس لنظام سياسي ديمقراطي تعددي، تكون فيه السلطات خاضعة للمساءلة، والقضاء مستقلاً، والحقوق والحريات مصونة.

كما أن بناء المؤسسات الوطنية يجب أن يقوم على الكفاءة والتمثيل العادل، وأن تكون المشاركة السياسية حقاً لجميع القوى والتيارات الوطنية، دون إقصاء أو احتكار.

إننا، في الحركة الوطنية الكردية، نرى أن الحوار بين القوى السياسية السورية، والكردية والعربية على حد سواء، يمثل ضرورة وطنية، وأن معالجة القضايا الخلافية لا تكون عبر فرض الأمر الواقع أو استخدام القوة، بل من خلال التفاهمات السياسية والضمانات الدستورية التي تحفظ حقوق الجميع .

فإن المجلس الوطني الكردي، بما يمتلكه من تاريخ سياسي ونضالي وحضور في المعارضة الوطنية السورية، معنيّ بالمساهمة الفاعلة في صياغة مستقبل البلاد، والدفاع عن الحقوق القومية المشروعة للشعب الكردي، والعمل مع مختلف القوى الوطنية من أجل سوريا ديمقراطية تعددية لا مركزية.

سوريا الجديدة فرصة تاريخية.. فهل نحسن استثمارها؟

إن التحدي الحقيقي أمام السوريين اليوم ليس فقط إنهاء آثار المرحلة الماضية، بل منع إعادة إنتاج أسبابها بأشكال مختلفة. فالدولة القوية ليست تلك التي تفرض إرادتها بالقوة على المجتمع، بل التي تستمد قوتها من ثقة مواطنيها، ومن عدالة مؤسساتها، ومن احترامها لحقوقهم وحرياتهم.

كما أن وحدة سوريا لا تُصان بالشعارات وحدها، وإنما بالعدالة والمساواة والاعتراف المتبادل، وبإشعار كل مواطن، أياً كانت قوميته أو ديانته أو لغته، بأنه شريك كامل في وطنه، وأن كرامته وحقوقه مصونة بقوة الدستور والقانون.

إننا أمام فرصة تاريخية لبناء سوريا جديدة، سوريا لا تعادي هويات أبنائها، ولا تخشى تنوعهم، ولا تجعل من الاختلاف سبباً للانقسام، بل تحوله إلى مصدر غنى وقوة. سوريا التي يكون فيها الكردي والعربي والسرياني والآشوري والأرمني والدرزي والعلوي والمسيحي، وكل مكوناتها، شركاء في القرار والمصير.

==========================

لقراءة مواد العدد تفضل بالنقر على الرابط أدناه:

صحيفة كوردستان – العدد (785)

هل وجدت هذا المقال مفيدًا؟

رأيك يساعدنا في تحسين المحتوى

0% من القراء أعجبهم المقال
(0 تقييم)
0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments

مقالات أخرى

مدحلة على صدر الزعيم

ماجد ع محمد منذ بدء مرحلة السقوط الحر لحزب العمال الكردستاني وزعيمه الروحي عبدالله أوجلان، صارت فئة لا بأس بها من المجتمع…

حدود مرونة السفينة

مهند محمود شوقي يسهل أن يثقب مسمار صغير سفينة من مطاط وسط بحر متصادم الأمواج. لكن السؤال الأهم ليس كيف دخل المسمار،…