محمدالشرف الحسيني
بوابات PKK
من الاستثمار إلى الاحتراف
من الثورة القومية إلى بازار السياسة، ومن الخطاب الثوري إلى الاحتراف السياسي والمهني الغني بالخبرة.
أعتقد أن السياسة، في جانب كبير منها، أصبحت حرفة تُكتسب بالخبرة والممارسة والمناورة وإدارة المصالح، أكثر من كونها مبدأً معرفياً اجتماعياً أو اقتصادياً أو إدارياً ثابتاً.
وهنا أجد أن تجربة حزب العمال الكوردستاني PKK تستحق التوقف طويلاً.
فالحزب الذي بدأ بخطاب ثوري قومي يحمل عناوين كبرى تتعلق بالحرية والإنسان والعدالة والاشتراكية والشيوعية وتحرير كوردستان، مرّ خلال عقود من التجربة بتحولات عميقة في أهدافه وشعاراته ووسائل عمله، حتى وصل إلى مرحلة أصبحت فيها السياسة نفسها، في تقديري، جزءاً من مهنته الأساسية.
ولست هنا بصدد القول إن السياسة فقدت كل مبادئها، وإنما أقول إننا نعيش في عالم سياسي جديد، تحولت فيه المبادئ، في كثير من الحالات، إلى أدوات قابلة لإعادة الصياغة وفق الظروف والمصالح وموازين القوى.
وهذا ليس خاصاً بـPKK وحده.
فنحن نعيش في عالم سريع الفوران والسيلان والدخان؛ عالم لا يعرف الهدوء ولا السكون تقريباً في أي مجال من مجالات الحياة.
العالم يتغير أخلاقياً وسلوكياً وتقنياً واقتصادياً وسياسياً بسرعة هائلة. اكتشافات وبرمجيات وثورات معرفية وصحية وعلمية تفتح أمام الإنسان أبواباً لم تكن موجودة بالأمس، وفي الوقت نفسه تظهر أكثر الأشكال قذارة في التجارة البشرية: تجارة الجنس، والأعضاء، والأطفال، والجريمة المنظمة، والتجسس، وغسل الأموال، وتجارة السلاح، وشبكات الجريمة العابرة للحدود.
إنه عالم يجتمع فيه أرقى ما أنتجه العقل البشري مع أكثر ما أنتجه الإنسان من وسائل الاستغلال.
وفي قلب هذا العالم أرى PKK.
لا أراه هنا فقط كحزب سياسي، ولا كحركة ثورية مسلحة، وإنما كتنظيم راكم خلال عقود خبرة واسعة في إدارة العلاقات والصراعات والموارد والشبكات والمصالح، حتى أصبح، في قراءتي، أقرب إلى مؤسسة سياسية عابرة للحدود، تعمل في بيئات مختلفة، وتتعامل مع أطراف متعددة، وبدرجات مختلفة من العلنية والسرية.
الشركاء
إذا أردنا قراءة هذه التجربة من هذه الزاوية، يمكننا تقسيم محيط علاقاتها إلى عدة دوائر.
الدائرة الأولى: الشركاء الدائمون.
وهم الدول التي تقع في الجغرافيا التي تحرك فيها الحزب أو تأثرت به بصورة مباشرة أو غير مباشرة، وفي مقدمتها:
تركيا، وسوريا، والعراق، وإيران، وأرمينيا، وأذربيجان، بدرجات مختلفة من العلاقة والصراع والتداخل.
وهنا لا أقصد بالضرورة أن هذه الدول كلها «شركاء» بالمعنى التقليدي للكلمة، وإنما أقصد أنها أطراف ثابتة في المعادلة التي يتحرك فيها الحزب، سواء كانت العلاقة معها حرباً، أو تفاوضاً، أو ضغطاً، أو احتواءً، أو تقاطع مصالح.
الدائرة الثانية: الشركاء العابرون.
وهم، في جانب كبير منهم، الأحزاب والتنظيمات الكوردية في أجزاء كوردستان المختلفة، حيث تتغير طبيعة العلاقة معها بحسب المرحلة والظرف السياسي والعسكري.
الدائرة الثالثة: الأطراف المحايدة أو شبه المحايدة.
وأقصد بها هنا دولاً ومجتمعات أوروبية، ولبنان، وغيرها من البيئات التي أتاحت، بدرجات مختلفة، مساحات سياسية أو اجتماعية أو لوجستية للحركة والعمل والنشاط.
أما الدائرة الرابعة فهي الأوسع والأكثر تعقيداً:
شبكات العلاقات التجارية واللوجستية والمالية العابرة للقارات، والتي يمكن أن تمتد، بحسب طبيعة النشاط، إلى مناطق بعيدة من العالم، من أوروبا إلى أمريكا الشمالية وأمريكا اللاتينية وأفريقيا وآسيا.
وهنا يجب أن أكون واضحاً:
أنا لا أقول إن كل هذه العلاقات ذات طبيعة واحدة، ولا أضعها كلها في خانة واحدة، وإنما أحاول أن أرسم صورة لحجم الامتداد الذي يمكن أن يصل إليه تنظيم عاش عقوداً طويلة في بيئة إقليمية ودولية شديدة التعقيد.
ولهذا السبب أجد نفسي أحياناً أمام سؤال مختلف تماماً:
هل ما زلنا نتحدث عن حزب سياسي؟
أم أننا أمام تنظيم يشبه، في بعض وظائفه، كياناً سياسياً عابراً للحدود، له قيادة، وأجهزة، وخبرات عسكرية، وشبكات سياسية، وعلاقات دولية، وموارد، وقواعد اجتماعية، ومناطق نفوذ، ولكنه لا يمتلك دولة معلنة؟
بمعنى آخر:
نحن أمام كيان موجود جغرافياً في أكثر من مكان، وسياسياً في أكثر من ملف، واجتماعياً في أكثر من مجتمع، ولكن من دون أن تكون له دولة معلنة أو جغرافيا سياسية مستقلة باسمه.
وهنا أصل إلى السؤال الأكثر إثارة بالنسبة إليّ.
لماذا لا يريد PKK دولة؟
إذا كانت كل هذه القوة والخبرة والانتشار قد تراكمت خلال عقود، فلماذا لم يتحول الهدف النهائي إلى إقامة كيان جغرافي مستقل؟
لماذا لا يسعى الحزب، بصورة صريحة، إلى دولة كوردية؟
ولماذا، كلما اقترب من لحظة سياسية يمكن أن تفتح أمامه باباً لتحقيق جزء من أهدافه القديمة، نراه يعيد صياغة تلك الأهداف، أو يتنازل عن بعضها، أو ينقل المعركة من مفهوم إلى مفهوم آخر؟
هنا تبدأ لديّ علامات الاستفهام.
وقد يذهب تحليلي أبعد من ذلك.
ربما أدرك الحزب، في مرحلة متأخرة، أنه ليس مجرد تنظيم كوردستاني يعمل داخل الحدود السياسية القائمة، وإنما أصبح تنظيماً عابراً للحدود السياسية والاقتصادية والأمنية.
ومن هنا أطرح فرضية سياسية لا باعتبارها حقيقة نهائية، وإنما كسؤال:
هل تحوّل حرف K في PKK، من دلالة «كوردستان»، إلى مساحة أوسع من الحركة داخل أحرف الدول الأربع التي تشكل الجغرافيا السياسية الأساسية للقضية الكوردية: تركيا، والعراق، وسوريا، وإيران؟
أي:
هل لم تعد K مشروع دولة، وإنما أصبحت مساحة عمل؟
وهنا تصبح المسألة أكثر خطورة من مجرد تغيير شعار.
لأنك عندما تغير معنى القومية، فإنك تغير معها معنى الحرية، ومعنى الدولة، ومعنى تقرير المصير، ومعنى العلاقة بين الشعب والأرض.
من القومية إلى الاندماج
في قراءتي، بدأ الحزب في مرحلة معينة بإعادة تعريف القومية والحرية.
القومية لم تعد بالضرورة مشروعاً سياسياً للوصول إلى دولة.
قد تصبح القومية مجرد اعتراف بالهوية:
«أنا كوردي.»
أما الحرية، فقد تصبح:
أن تكون كورديّاً من دون أن تُعتقل بسبب كونك كوردياً، وأن تدخل في مؤسسات الدولة القائمة، وتشارك فيها، وتعيش داخل نظامها القانوني والدستوري، من دون أن تجعل قوميتك شرطاً لإعادة بناء الدولة.
وهنا تظهر مفردة شديدة الأهمية:
الاندماج.
فالاندماج ليس مفهوماً جديداً في التاريخ السياسي.
هناك دول متعددة القوميات والأعراق والأديان قامت على المواطنة المشتركة، بدرجات مختلفة من النجاح والفشل.
لكن السؤال الذي أطرحه هنا هو:
هل يمكن نقل مفهوم الاندماج الوطني من هذه التجارب إلى الحالة الكوردية بالطريقة نفسها؟
فهناك فرق بين دولة متعددة القوميات لا تمتلك فيها مجموعة معينة كتلة جغرافية متصلة وقابلة لبناء دولة مستقلة، وبين شعب يمتلك امتداداً سكانياً وجغرافياً وتاريخياً في أكثر من دولة، ويعيش في مناطق متجاورة عبر حدود سياسية رسمتها الدول الحديثة.
لهذا أرى أن تطبيق مفهوم الاندماج على الشعب الكوردي يحتاج إلى نقاش أعمق بكثير من مجرد استخدام كلمة جميلة مثل «المواطنة».
لأن السؤال الحقيقي ليس:
هل يكون الكوردي مواطناً؟
بالطبع يكون.
السؤال هو:
هل يمكن أن يكون مواطناً كاملاً من دون أن تُلغى هويته القومية؟
وهنا تبدأ المعركة الحقيقية بين مفهومين:
الاندماج الوطني، والاندماج القومي.
فالاندماج الوطني يعني أن تكون مواطناً متساوياً في الحقوق والواجبات.
أما الاندماج القومي، فيمكن أن يتحول إلى ذوبان قومية في قومية أخرى، خصوصاً عندما تكون الدولة نفسها مؤسسة تاريخياً على هوية قومية مهيمنة.
وهنا تصبح العبارة التي تبدو بسيطة شديدة الخطورة:
«أنا كوردي، ولكنني أنتمي إلى القومية العربية.»
أو:
«أنا كوردي، ولكنني أنتمي إلى القومية التركية.»
أو:
«أنا كوردي، ولكنني أنتمي إلى القومية الفارسية.»
أو حتى:
«القبيلة كوردية، ولكن العشيرة الأكبر ليست كوردية.»
وهنا تصبح كل كلمة ذات معنى.
سياسة الحروف
ربما يبدو هذا الكلام مبالغاً فيه للبعض.
لكنني أرى أن السياسة الحديثة أصبحت، في كثير من الأحيان، سياسة حروف ومصطلحات.
تغيير كلمة واحدة قد يغير مشروعاً كاملاً.
الدولة تصبح «إدارة».
الاستقلال يصبح «ديمقراطية».
القومية تصبح «هوية».
الحدود تصبح «مساحات مشتركة».
الحكم الذاتي يصبح «إدارة محلية».
وتقرير المصير يصبح «مشاركة في مؤسسات الدولة».
وهنا أجد أن PKK، في تجربته الطويلة، أصبح محترفاً في التعامل مع هذه اللغة.
كل كلمة يمكن أن تكون لها دلالة سياسية، واجتماعية، وقومية، وأمنية، وحتى تجارية.
هل نحن أمام تنظيم عادي؟
قد يستغرب البعض، بل قد يسخر، عندما أضع PKK في سياق التنظيمات السرية الكبرى التي تتجاوز، في بعض وظائفها، حدود الدولة التقليدية.
وأنا لا أقصد بذلك القول إن PKK هو إحدى هذه المنظمات أو أنه يملك السيطرة على العالم.
إنما أضع سؤالاً أمام القارئ:
كيف استطاع تنظيم كوردي، محاصر عسكرياً وسياسياً لعقود، أن يحافظ على هذا الحجم من القدرة على الحركة والمناورة والانتشار؟
أضع أمام القارئ ثلاث ملاحظات:
أولاً: من الصعب تفسير استمرار تنظيم بهذا الحجم من دون وجود بيئات إقليمية ودولية سمحت له، بدرجات مختلفة، بالحركة والاستمرار، سواء عبر الدعم المباشر أو التسهيلات أو غض النظر أو توظيفه في صراعات إقليمية.
ثانياً: من الصعب تصور قدرة تنظيم واحد على خوض صراعات أو ممارسة نفوذ في أجزاء كوردستان الأربعة في الوقت نفسه، من دون امتلاك شبكة واسعة من العلاقات والموارد والخبرات.
ثالثاً: حتى الدول التي دخلت في صراع معه أو استخدمته أو تفاوضت معه لم تكن تستطيع التعامل معه باعتباره مجرد مجموعة مسلحة صغيرة.
وهنا لا أقدم جواباً نهائياً.
بل أفتح باباً للسؤال:
هل كان PKK طوال هذه العقود لاعباً مستقلاً بالكامل، أم أن بعض مراحل صعوده واستمراره تقاطعت مع مصالح قوى إقليمية ودولية متعددة؟
هذه بالنسبة إليّ واحدة من أهم الأسئلة التي يجب ألا تهرب منها الدراسة السياسية.
ما بعد انهيار النظام السوري
بعد سقوط نظام بشار الأسد، دخل الملف الكوردي في سوريا مرحلة جديدة، وظهرت أمام القوى الكوردية أسئلة لم تعد عسكرية فقط، بل أصبحت أسئلة حول شكل الدولة السورية، وموقع الكورد داخلها، ومستقبل الإدارة والقوات الموجودة في شمال وشرق سوريا.
وفي هذه المرحلة ظهرت مواقف وتصريحات واتفاقات أعادت طرح مسألة العلاقة بين قسد والدولة السورية، وبين الجناح السوري والمنظومة الأوسع المرتبطة بـPKK.
وهنا لا يهمني الاتفاق السياسي بحد ذاته بقدر ما يهمني المسار.
لأننا إذا وضعنا هذه التطورات إلى جانب التحولات الفكرية والسياسية التي شهدها خطاب PKK خلال السنوات الماضية، فإننا نرى انتقالاً بعيداً عن فكرة الدولة القومية الكوردية باتجاه مفاهيم مثل الأمة الديمقراطية، وأخوة الشعوب، والدولة اللاقومية، والاندماج داخل الدولة القائمة.
وهنا يعود السؤال القديم بصورة جديدة:
هل كان هذا التحول نتيجة تطور فكري طبيعي؟
أم أنه كان، في الوقت نفسه، نتيجة هزيمة عسكرية وسياسية وفكرية فرضت على الحزب إعادة تعريف أهدافه؟
المدافعون عن فلسفة القائد يقولون إن المسألة ليست هزيمة، بل تطور فكري.
فالدولة القومية، في هذا التصور، أصبحت جزءاً من مشكلة العصر، بينما الأمة الديمقراطية وأخوة الشعوب والإدارة المحلية تمثل نموذجاً جديداً يتجاوز الدولة القومية.
أما المنتقدون من الكورد، فيرون الأمر بصورة مختلفة تماماً.
يقولون إن هذه الفلسفة جاءت لتمنح الهزيمة لغة جديدة.
بدلاً من القول:
«لم نحقق الدولة.»
نقول:
«الدولة لم تعد هدفنا.»
وبدلاً من القول:
«تراجعنا عن تقرير المصير.»
نقول:
«نحن نريد أخوة الشعوب.»
وبدلاً من القول:
«تخلينا عن مشروع الدولة القومية.»
نقول:
«الدولة القومية نفسها أصبحت فكرة متجاوزة.»
وهنا تصبح الهزيمة، في اللغة الجديدة، انتصاراً أخلاقياً.
ويصبح التراجع عن الهدف القديم تطوراً فكرياً.
ويصبح التخلي عن السلاح حرصاً على السلام.
وقد يكون كل ذلك صحيحاً من وجهة نظر أصحاب هذا الفكر.
لكن السؤال المقابل يبقى مشروعاً:
هل كانت الفلسفة هي التي قادت التحول السياسي، أم أن الظروف السياسية والعسكرية هي التي فرضت فلسفة جديدة على الحزب؟
لماذا قد تقبل العواصم الأربع؟
وهنا أصل إلى واحدة من أكثر النقاط حساسية في تحليلي.
إذا طرح تنظيم كوردي مشروعاً قومياً مرتفع السقف، فسوف تصطدم أهدافه حكماً بمصالح الدول التي تسيطر على أجزاء كوردستان.
أما إذا طرح التنظيم مشروعاً يقوم على الاندماج داخل الدولة القائمة، والمساواة أمام القانون، والتنمية، ورفع الاضطهاد القومي، مع التخلي عن مطلب الدولة أو تقرير المصير أو تغيير الحدود، فإن هذا المشروع يصبح أقل تهديداً للنظام الإقليمي.
وهنا يمكن أن نفهم لماذا يمكن لمثل هذا الخطاب أن يجد آذاناً أكثر استعداداً للاستماع إليه في العواصم الإقليمية.
ليس لأن تلك العواصم أصبحت فجأة مؤمنة بحقوق الكورد.
بل لأن سقف المطالب تغير.
وهذا فرق جوهري.
فالدولة قد تقبل أن يقول المواطن:
«أنا كوردي.»
لكنها قد تتحسس عندما يقول:
«أنا كوردي، وشعبي له حق تقرير المصير.»
وقد تقبل أن تقول:
«لكم حقوق ثقافية ولغوية.»
لكنها قد ترفض:
«لنا حق دستوري في إدارة أرضنا.»
وقد تقبل المساواة الفردية أمام القانون، لكنها قد تعتبر الاعتراف السياسي بالشعب الكوردي ومؤسساته القومية مسألة مختلفة تماماً.
ومن هنا تصبح المعادلة:
ارفع عن الكوردي الاضطهاد، ولكن لا ترفع عنه حدود الدولة.
وهذا هو جوهر السؤال الذي أطرحه حول مشروع الاندماج.
بوابات PKK
وهنا أصل إلى العنوان الحقيقي لهذا الجزء.
بوابات PKK.
وأنا هنا لا أتحدث عن بوابات كثيرة للدخول والخروج بالمعنى الحرفي، وإنما عن صورة تنظيمية أرى أنها تساعد على فهم طبيعة هذا التنظيم.
في تصوري، هناك بوابة دخول واحدة فقط.
أما بوابات الخروج، فهي متعددة.
وهذا الفرق ليس تفصيلاً أدبياً.
إنه جوهر الصورة كلها.
أولاً: بوابة الدخول — بوابة الثوار
تخيلوا صالة كبيرة.
لها بوابة واحدة فقط.
بوابة عريضة، عالية، لافتة للنظر، مزينة بكل ما يمكن أن يجذب الإنسان إلى عالم الثورة.
هذه هي بوابة الثوار.
ويمكن أن نسميها، في مرحلة أخرى من خطاب التنظيم، بوابة وحدات حماية الشعب؛ لأنها تمثل في صورتها الرمزية ذلك المدخل الذي يجذب الشاب إلى عالم النضال والحماية والمقاومة والقضية.
هذه البوابة مزينة بالاستقلال، والنضال القومي، والحرية، والكرامة، والصداقة، والمحبة، والفرح، والغناء، وكل ما تهواه النفس البشرية من قيم ومبادئ جميلة.
هنا يدخل القومي.
ويدخل الثائر.
ويدخل الشاب الباحث عن معنى.
ويدخل من يريد المغامرة.
ويدخل من يريد أن يكون جزءاً من قضية أكبر من حياته الشخصية.
ويدخل من يرى في النضال طريقاً إلى الحرية.
إنها بوابة واسعة، عالية، جميلة، وصاخبة.
ولكن ما إن يدخل الإنسان حتى تغلق البوابة خلفه.
ومن هنا تبدأ الرحلة الحقيقية.
وكأنك دخلت عالم السندباد.
تبحث عن الباب الذي دخلت منه، فلا تجده.
وتبحث عن الطريق الذي خرج منه الآخرون، فلا تعرفه.
لقد دخلت إلى الصالة الواسعة.
أما ما يحدث داخل الصالة، فله قوانينه الخاصة.
وهنا تبدأ أهمية بوابات الخروج.
ثانياً: بوابة الشهداء — بوابة المجد والخلود
أولى بوابات الخروج هي البوابة التي لا يعود منها الإنسان حياً.
إنها بوابة الموتى، أو ما يسميه التنظيم في خطابه بوابة الشهداء.
وهذه البوابة تختلف تماماً عن غيرها.
إنها ليست بوابة هادئة.
بل بوابة جماهيرية عريضة.
يخرج منها الموتى في مواكب كبيرة، وسط الهتافات والأغاني والرايات، وتمجيد الشهيد والقائد والحماة، وفي الوقت نفسه التنديد بالأعداء.
والأعداء، في هذا الخطاب، ليسوا فقط الأنظمة والدول، وإنما قد يدخل ضمنهم أيضاً الخصوم والأحزاب الكوردية المعارضة.
وهنا يتحول الموت إلى حدث سياسي.
لا يخرج الشهيد كفرد مات وانتهت قصته.
بل يخرج بوصفه رمزاً.
يصبح موته جزءاً من الذاكرة.
وتصبح جنازته خطاباً سياسياً.
وتتحول الدماء إلى لغة.
وتصبح صورة الشهيد جزءاً من عملية إعادة إنتاج الفكرة نفسها.
ولهذا أسميها: بوابة المجد والخلود.
فمن هذه البوابة لا يخرج الإنسان إلى الصمت، وإنما يدخل، في الخطاب التنظيمي، إلى عالم الذاكرة والرمز والخلود.
إنها بوابة الموت، لكنها في الوقت نفسه بوابة المجد.
ثالثاً: بوابة السكوت — باب الهدوء
لكن هناك باباً آخر.
باب مختلف تماماً.
لا أهازيج فيه.
لا رايات.
لا مواكب.
لا مكبرات صوت.
ولا حتى صوت خفيف.
إنه باب ضيق، هادئ، يكاد لا يراه أحد.
وأنا أسميه:
باب السكوت.
أو:
باب الهدوء.
هذا الباب مخصص لمن أدى واجبه ويريد أن يتقاعد، أو يترك العمل، أو يخرج من التنظيم.
لكن الخروج من هذا الباب ليس خروجاً عادياً.
هناك شرط أساسي:
لا تتحدث عن الداخل.
مهما رأيت.
ومهما عرفت.
ومهما حدث.
ومهما كانت الغرف التي دخلتها، أو الاجتماعات التي حضرتها، أو الأسرار التي سمعتها، تبقى الصالة الواسعة خلفك.
وتبقى الغرف المغلقة مغلقة.
وهنا، في تقديري، تكمن واحدة من أكثر النقاط أهمية لفهم التنظيم.
فالمشكلة ليست فقط في وجود غرف مغلقة.
بل في أن من يخرج منها يُفترض أن يحمل الصمت معه.
ولهذا فإن هذا الباب ليس باب خروج فقط.
إنه امتحان الخروج.
هل تستطيع أن تخرج؟
نعم.
ولكن هل تستطيع أن تتحدث؟
هنا يبدأ الامتحان.
وهذا هو الفرق بين الخروج من حزب سياسي عادي، وبين الخروج من تنظيم مغلق شديد الانضباط.
ثلاث بوابات… وتنظيم فولاذي
إذن نحن أمام ثلاث بوابات رمزية واضحة:
1 ـ بوابة الدخول: بوابة الثوار.
بوابة واحدة، عريضة، عالية، مزينة بالشعارات والأحلام والقيم والمبادئ، تستقبل القادم الجديد وتدخله إلى عالم التنظيم.
2 ـ بوابة الموت: بوابة المجد والخلود، أو بوابة الشهداء.
بوابة جماهيرية صاخبة، يخرج منها الموتى وسط المواكب والهتافات والأغاني، ويُعاد من خلالها إنتاج صورة الشهيد والقائد والقضية والعدو.
3 ـ بوابة الخروج الهادئ: باب السكوت أو باب الهدوء.
بوابة ضيقة، هادئة، مخصصة لمن يريد التقاعد أو ترك العمل، ولكن مع شرط أساسي: أن يبقى ما حدث في الداخل داخل الداخل.
وهنا تصبح الصورة كاملة.
بوابة واحدة للدخول.
وبوابات متعددة للخروج.
الأولى عريضة وعالية وصاخبة وجميلة.
الثانية واسعة ومليئة بالجماهير والدموع والهتافات والمجد.
والثالثة ضيقة وصامتة، لا تكاد تُرى.
وهذا، في رأيي، ليس مجرد بناء أدبي.
إنه مفتاح لفهم طبيعة التنظيم.
فنحن لسنا أمام حزب سياسي عادي يمكن قياسه بالطريقة نفسها التي نقيس بها الأحزاب الأخرى.
نحن أمام تنظيم شديد الانضباط، مغلق البنية، راكم خلال عقود خبرة كبيرة في إدارة الإنسان والفكرة والسلاح والسرية والولاء.
ولهذا ليس من السهل ذمّه كما يتصور البعض، وليس من السهل أيضاً مدحه كما يتصور آخرون.
فالتنظيمات التي تعيش عقوداً في الحرب لا يمكن اختزالها في جملة واحدة.
هناك تاريخ.وهناك دماء.وهناك ضحايا.وهناك مقاتلون.
وهناك مؤمنون بالفكرة.وهناك من دفع حياته ثمناً لها.
وهناك من خرج منها وهو يحمل ذاكرة لا يستطيع التخلص منها.
ولهذا فإن الدماء الحمراء لها لغة خاصة.
لغة لا يمكن مجادلتها بسهولة.
فالذي مات لا يستطيع أن يعود ليشرح لماذا مات.
والذي خرج لا يستطيع دائماً أن يتحدث عما رأى.
والذي بقي في الداخل ما زال جزءاً من المنظومة.
وهنا، بالضبط، تبدأ الأسئلة الأصعب.
إذا كانت بوابة الدخول تصنع الثائر،
وبوابة الشهداء تصنع الرمز،
وبوابة السكوت تصنع الصمت،
فماذا يحدث داخل الصالة الواسعة بين هذه البوابات؟
ماذا يحدث في الغرف المغلقة؟
ومن يقرر متى يكون الإنسان ثائراً، ومتى يصبح شهيداً، ومتى يُسمح له بالمرور من باب السكوت؟
وهنا تبدأ، بالنسبة إليّ، المرحلة الأخطر في فهم PKK:
ليس السؤال من يدخل؟
ولا حتى: من يخرج؟
بل: من يملك مفاتيح الأبواب الثلاثة؟
يتبع





