مقالات

تزوير تاريخ الجزيرة الكوردستانية باسم المستشرق سخاو

د. محمود عباس

المقال التالي ردٌّ على سرديةٍ متداولة تُحال إلى ويكيبيديا، وتستند إلى قراءةٍ محرّفة لما ورد في كتاب سخاو عن رحلته عام 1880، وإلى استنتاجاتٍ منسوبة إلى تقارير الانتداب الفرنسي في عشرينيات وثلاثينيات القرن الماضي، لتصوير الوجود الكوردي في الجزيرة بوصفه استيطانًا حديثًا، وادّعاء أسبقية وجود القبائل العربية الرحّل فيها. ولا يصحّ بناء حكمٍ على تاريخ المنطقة وهويتها اعتمادًا على موسوعةٍ مفتوحة التحرير، دون مراجعة المصادر الأصلية وتواريخها وسياقاتها؛ فنسبة ما لم يقله المستشرق إليه تزويرٌ لكتاباته، وتحويل مشاهداته المحدودة إلى نفيٍ للوجود الكوردي تحريفٌ لدلالتها.

أين النص الأصلي الذي تستند إليه هذه الرواية؟ من قرأ الكتاب بالألمانية؟ وأين أرقام الصفحات التي وردت فيها هذه المعلومات؟ ومن ترجمها وراجع الترجمة؟ لا يمكن إعادة كتابة تاريخ منطقة كاملة اعتمادًا على نص مجهول الصياغة منشور في ويكيبيديا، ثم إسناده إلى مستشرق لم تُعرض عباراته الأصلية. فالاقتباس المبتور أو التلخيص المؤدلج يستطيع صنع رواية سياسية، لكنه لا يصنع حقيقة تاريخية.

كتاب المستشرق الألماني كارل إدوارد سخاو موجود فعلًا، وليس مجهولًا؛ عنوانه «رحلة في سوريا وبلاد ما بين النهرين»، وصدر بالألمانية في لايبزيغ سنة 1883 بعد رحلته بين عامي 1879 و1880، ويقع في نحو 480 صفحة. لكن وجود الكتاب لا يثبت صحة كل ما يُنسب إليه في ويكيبيديا؛ فالحجة هي النص الألماني ورقم الصفحة، لا اسم المؤلف المضاف إلى كلام كتبه شخص آخر بعد أكثر من قرن.

والخلل في النص المتداول ظاهر من داخله؛ إذ يزعم أن سخاو وثّق العشائر العربية في «تل تمر» و«جنوب القامشلي» خلال رحلته سنة 1880، مع أن القامشلي أُنشئت في عهد الانتداب سنة 1926، بينما تأسست تل تمر مع توطين الآشوريين على الخابور في أواخر ثلاثينيات القرن العشرين. فكيف يصف سخاو تجمعات لم تكن قد وُجدت بعد؟ هذا ليس نقلًا عن الرحالة، بل إسقاط للأسماء والجغرافيا السياسية المعاصرة على نص قديم.

وعند الرجوع إلى متن كتابه، تظهر صورة مغايرة لما يروَّج. فقد وصف سخاو شمر في وادي الخابور قبيلة بدوية تتنقل في البادية وتقيم في معسكرات من الخيام تحت زعامة آل الجربا. وهو توثيق لحركة قبلية ونفوذ عسكري ومسارات رعي، لا لشبكة قرى عربية مستقرة.

وفي المقابل، سجّل حضورًا كورديًا واضحًا في شمال ميزوبوتاميا وسنجار وطور عبدين، وذكر أن الكوردية من لغات هذه الجغرافيا. كما وصف سهل سروج بأنه يضم نحو أربعمئة قرية يسكنها كورد البرازية، وتحدث عن نزاعهم مع بدو شمر الذين كانوا يرغبون في رعي إبلهم داخل حقول الكورد. وذكر عشائر كوردية بين جبل كراتشوك وسنجار، وقرى كوردية في المناطق الممتدة بين دجلة والفرات. هذه المعلومات واردة في الكتاب نفسه، لا في تعليق سياسي حديث يستعير اسم سخاو.

وقد ترك رحالة وباحثون آخرون أوصافًا وخرائط يمكن مقارنتها برحلة سخاو، منهم القنصل البريطاني جون جورج تايلور، الذي جال في أعالي ميزوبوتاميا بين عامي 1861 و1863؛ والليدي آن بلنت وزوجها ويلفريد سكاون بلنت، اللذان ارتحلا على امتداد الفرات وشمال الجزيرة العربية سنة 1878 ونشرا كتاب «قبائل البدو في الفرات» سنة 1879؛ والجغرافي البريطاني هاري فينيس بلوس لينش، الذي قام برحلاته في تسعينيات القرن التاسع عشر؛ ثم مارك سايكس في أواخر القرن نفسه، وغيرترود بيل في مطلع القرن العشرين، ولا سيما بين عامي 1909 و1911.

هذه المصادر لا تتيح القفز من ذكر قبيلة تتحرك في المراعي إلى الادعاء بأنها كانت تملك قرى مستقرة وتشكل الأصل السكاني الحصري للمنطقة. فالوجود القبليّ الرحّل يُدرس وفق أنماط التنقّل والانتفاع بالمراعي، ويُميَّز عن الاستقرار الذي توثّقه القرى والبلدات والسجلات الزراعية؛ فالخيمة الموسمية لا تثبت استيطانًا دائمًا، ومسار الرعي ليس سند ملكية، واتّساع مجال الترحال لا يحوّل الجغرافيا إلى وطنٍ قوميّ حصريّ للقبيلة.

لقد تناولت هذه الجدلية سابقًا، مستندًا إلى الوثائق والخرائط وشهادات الرحالة، ونشرت دراساتي عنها في كتابَيَّ «مصداقية المثقف العربي: المعرفة في خدمة الاستبداد» و«الحراك الكوردي في غربي كوردستان – الجزء الأول: في مواجهة المحتل». ولم أنكر مرور القبائل العربية في الجزيرة أو استقرار بعض فروعها في مراحل لاحقة؛ إنما رفضت تحويل الترحال الموسمي ومسارات الرعي إلى استيطان تاريخي راسخ، ثم توظيفه لمحو الوجود الكوردي الأقدم وإعادة تعريب تاريخ الجغرافيا بأثر رجعي.

وإذا كانت التقارير الفرنسية تحصي خمسًا وأربعين أو سبعًا وأربعين قرية كوردية قبل موجات اللجوء اللاحقة، فإن هذا الرقم يثبت وجودًا قرويًا كورديًا سابقًا ولا ينفيه. والسؤال المقابل هو: أين كانت القرى الثابتة التابعة إلى شمر وطي والجبور والرولة والعكيدات والعبيدات في الشريط الشمالي آنذاك؟ ما أسماؤها؟ وأين تظهر في السالنامات العثمانية ودفاتر الضرائب والخرائط وتقارير الرحالة، ثم في السجلات الفرنسية؟

لا يكفي تعداد أسماء القبائل وإسقاطها على خريطة المحافظات الحالية؛ بل يجب إثبات متى وصلت فروعها، وأين تحركت، ومتى انتقلت من الترحال إلى الاستقرار، وأين أقامت تجمعاتها الدائمة. فالقبيلة قد تفرض نفوذها على مساحة واسعة من المراعي من دون أن تكون مالكة لها أو مستقرة فيها.

كانت شمر الجربا حاضرة في الجزيرة قبل عام 1900، وتوثق الدراسات حركتها ونفوذها بين عامي 1858 و1890، لكن هذا الحضور كان في جزء واسع منه بدويًا متنقلًا. كما ظهرت طي في المصادر والخرائط بوصفها قبيلة تتحرك في المجال بحثًا عن الماء والكلأ. والاعتراف بهذه الوقائع لا يعني منح القبائل المتنقلة ملكية تاريخية لكل أرض عبرتها أو رعت فيها.

ومن الضروري كذلك تصحيح الربط بين انتشار هذه القبائل وانتصار آل سعود في حائل بين عامَي 1890 و1910؛ ففي معركة المليداء سنة 1891 انتصر آل رشيد، حكّام حائل من شمر، على آل سعود، ولم تسقط إمارة حائل بيد عبد العزيز آل سعود إلا سنة 1921. وهذا الفارق يقلب دلالة الاستشهاد: فلا يجوز تقديم مرحلة انتصار آل رشيد بوصفها مرحلة سقوطهم، ثم بناء تفسير للهجرات على هذا الخلط. وإذا كانت بعض الهجرات إلى بادية الشام والجزيرة قد ارتبطت بالصراعات التي انتهت بسيطرة آل سعود على حائل، فإنّ ذلك لا يبرّر إدراج هجرات القبائل المذكورة جميعًا ضمن موجة واحدة؛ إذ ينبغي توثيق زمن هجرة كلّ قبيلة ومسارها وأسبابها، بدل اختزال تحرّكات متباينة في تفسيرٍ واحد لا يسنده التسلسل التاريخي. فتاريخ الوصول، ومجال الترحال، وبداية الاستقرار وقائع مختلفة؛ والخلط بينها لا يثبت أسبقيةً سكانية، ولا يمنح أساسًا للحكم على هوية الجزيرة التاريخية.

أما الاستناد إلى تقارير الانتداب عن لجوء الكورد بعد ثورة الشيخ سعيد سنة 1925 وثورة آرارات، فلا ينفي وجودهم السابق. فالحدود الجديدة شطرت جغرافية كوردية متصلة، وفصلت القرى والعشائر ومراعيها بعضها عن بعض. وحين انتقل بعض زعماء العشائر الكوردية من منطقة نفوذ تركيا الكمالية إلى الجانب الخاضع للانتداب الفرنسي، لم يأتوا من جغرافيا بعيدة، بل تحركوا داخل مجال تاريخي واحد، جغرافية كوردستان، قسّمته اتفاقيات وحدود مستحدثة.

وحتى ما يسمى «خطة تيريه» لم يكن، وفق الدراسات التي تناولتها، مشروعًا رسميًا شاملًا لاختراع وجود كوردي من العدم، بل توجهًا محليًا داخل إدارة الانتداب لتنظيم الحدود وتوطين جماعات من الكورد والآشوريين وغيرهم. وقد استفاد الفرنسيون سياسيًا من التناقضات القائمة، لكن الاستفادة من وجود جماعة لا تعني أنهم خلقوا تلك الجماعة أو اخترعوا صلتها بالجغرافيا.

أما وصف الجزيرة منذ القدم بأنها جزء من «سوريا» بحدودها الراهنة، فهو إسقاط لدولة حديثة على ماضٍ لم يعرفها بهذه الصورة. فالحدود الحالية تبلورت تدريجيًا بعد اتفاقية سايكس–بيكو سنة 1916، والانتداب الفرنسي، واتفاقية أنقرة سنة 1921، وعمليات الترسيم اللاحقة، وصولًا إلى اقتطاع لواء إسكندرون سنة 1939. ولا يجوز استخدام اسم سياسي حديث لإلغاء تاريخ كوردستان وميزوبوتاميا العليا وشعوبهما السابقة لولادة تلك الحدود.

لا أثبت الوجود الكوردي بإنكار العرب، ولا أدحض الاستيطان العربي المتأخر بالشعارات. ما أرفضه هو تحويل مسارات الرعاة إلى أوطان أزلية، وتحويل نفوذ القبائل المتنقلة إلى سيادة قومية، ثم مطالبة الكورد وحدهم بإثبات وجودهم في أرض تشهد لهم قراها وأسماؤها ولغتها وخرائطها وذاكرتها.

فليُعرض نص سخاو بالألمانية، مقرونًا بأرقام الصفحات وترجمة حرفية، ولتوضع أسماء القرى والسجلات والخرائط والتواريخ جنبًا إلى جنب. عندها فقط يمكن مناقشة ما كتبه الرحالة فعلًا. أما نص ويكيبيديا الذي يجعله يتحدث عن مدن لم تكن موجودة في زمنه، ويخلط رحلته بتقارير كُتبت بعد نحو نصف قرن، فليس مصدرًا تاريخيًا، بل محاولة لتعريب الجزيرة بأثر رجعي، تستعير اسم مستشرق ألماني لتمنح رواية حديثة عمرًا لم يكن لها.

ولا تنفصل هذه المحاولة عن مسار التعريب الذي رافق تكوين الدولة السورية: بدأ بالاستيلاء القانوني على الأراضي تحت غطاء الإصلاح الزراعي بالقانون رقم 161 سنة 1958، ثم بالإحصاء الاستثنائي في الحسكة سنة 1962 الذي جرّد نحو 120 ألف كوردي من الجنسية، وتبلور في مشروع الحزام العربي الذي أقرّه البعث سنة 1965 ونفذه نظام حافظ الأسد في السبعينيات تحت اسم «المزارع النموذجية». وبموجب القرار رقم 521 الصادر في 24 حزيران 1974، أُسكنت آلاف العائلات العربية المتضررة من غمر أراضيها بسد الفرات داخل قرى استيطانية أُقيمت على أراضٍ انتُزعت من الكورد على امتداد الشريط الحدودي.

وهكذا تتابعت العملية من مصادرة الأرض وإسقاط الجنسية وتغيير أسماء القرى، إلى توطين الغمر وإنشاء مزارع الدولة، ثم استكمال التغيير الديمغرافي بالضغط الاقتصادي والأمني والسياسي ودفع الكورد إلى الهجرة. وما يُكتب اليوم لتزوير تاريخ الجزيرة ليس منفصلًا عن ذلك المشروع؛ إنه مرحلته الثقافية، بعدما عُرّبت الأرض بالقانون والقوة، يجري تعريب الذاكرة بالاقتباس المزوّر والمصدر المبتور.

التاريخ لا يُحسم بالنسخ واللصق، بل بالأصل والصفحة والخريطة والسجل؛ وما عدا ذلك سياسة تنتحل صفة البحث.

د. محمود عباس

الولايات المتحدة الأمريكية

1/10/2026 م

هل وجدت هذا المقال مفيدًا؟

رأيك يساعدنا في تحسين المحتوى

100% من القراء أعجبهم المقال
(1 تقييم)
0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments

مقالات أخرى

حدود مرونة السفينة

مهند محمود شوقي يسهل أن يثقب مسمار صغير سفينة من مطاط وسط بحر متصادم الأمواج. لكن السؤال الأهم ليس كيف دخل المسمار،…