اكرم حسين
تُعدّ القضية الكردية في سوريا واحدة من أكثر القضايا الوطنية تعقيداً وحساسية، لا لأنها تتعارض مع فكرة الدولة السورية، وإنما لأن عقوداً طويلة من سياسات الإنكار والإقصاء حالت دون بناء علاقة طبيعية بين الكرد والدولة والوطن. فقد تعرض الكرد لسياسات استثنائية شملت الإحصاء الاستثنائي، والحرمان من الجنسية، وتعريب أسماء القرى والأماكن، والتضييق على اللغة والثقافة الكردية، والتمييز في التملك والعمل والوظائف العامة، إلى جانب فرض هوية قومية أحادية على مجتمع متعدد المكونات.
لم تكن نتائج هذه السياسات محصورة في حرمان الكرد من حقوقهم، بل ساهمت أيضاً في إضعاف مفهوم الوطنية السورية ذاتها. فعندما يشعر جزء من المواطنين بأن الدولة لا تعترف بوجوده وهويته وحقوقه، يُصبح الانتماء الوطني موضع شك، وتتحول الهوية الفرعية إلى ملاذ نفسي وسياسي لحماية الذات ، ومن هنا يمكن فهم انغلاق قطاعات كبيرة من الكرد على هويتهم القومية، وتطلعهم في مراحل مختلفة إلى الخارج، باعتبار ذلك نتيجة طبيعية لغياب دولة المواطنة، وليس دليلاً تلقائياً على رفض سوريا أو السعي إلى تقسيمها.
إن وضع الكرد أمام خيار مصطنع بين الوطنية السورية والقومية الكردية هو خيار غير واقعي. فالإنسان لا يعيش بهوية واحدة مغلقة ، بل تتداخل هوياته القومية والثقافية واللغوية والمناطقية والوطنية لتشكل في النهاية شخصيته وانتماءه ، والكردي السوري يستطيع أن يكون كردياً وسورياً في الوقت نفسه، تماماً كما يستطيع العربي السوري أو السرياني أو الأرمني أو الآشوري أن يجمع بين هويته الثقافية والقومية وانتمائه الوطني.
فالكردية لا تنفي السورية، كما أن السورية لا ينبغي أن تنفي الكردية. بل إن الاعتراف المتبادل بهما يُمكن أن يكون أساساً لوطنية سورية أكثر رسوخاً. فالوطنية الحقيقية لا تقوم على محو الاختلافات، وإنما على تحويل التنوع إلى مصدر غنى وقوة، ضمن دولة تساوي بين مواطنيها وتحمي حقوقهم وحرياتهم.
لقد أخفقت منظومة البعث، ببنيتها الاستبدادية وأيديولوجيتها القومية الأحادية، في إنتاج وطنية سورية جامعة. فلم تكن المشكلة في التنوع السوري، بل في طريقة إدارة هذا التنوع ، وحين غابت المواطنة المتساوية، وتراجع القانون أمام سلطة الحزب والأجهزة الأمنية، تحولت المكونات السورية إلى جماعات تبحث عن الأمان والاعتراف خارج الإطار الوطني الجامع ، وهكذا ساهم الاستبداد ، في تعميق الانقسامات التي كان يدّعي أنه يحاربها.
اليوم، وبعد سنوات الثورة والحرب وسقوط النظام البائد ، تقف سوريا أمام فرصة تاريخية لإعادة تأسيس العلاقة بين الدولة والمجتمع على قاعدة جديدة. ويُشكل الاعتراف بحقوق الكرد من خلال المرسوم ١٣ خطوة مهمة في هذا الاتجاه، لكن المطلوب يتجاوز الاعتراف الجزئي إلى معالجة القضية الكردية بوصفها قضية وطنية سورية، من خلال تثبيت الحقوق دستورياً، والاعتراف بالتنوع القومي والثقافي واللغوي، وضمان المساواة الكاملة في المواطنة، ومنع كل أشكال التمييز، وإتاحة ممارسة اللغة والثقافة والتعليم ضمن إطار الدولة والقانون.
لكن ، في المقابل، ينبغي على الكرد السوريين إعادة بناء علاقتهم بسوريا على أساس واضح: كرد سوريون، لهم حقوقهم القومية والثقافية والسياسية، وهم في الوقت ذاته جزء أصيل من الشعب السوري ومستقبل الدولة السورية. فلا مصلحة للكرد في دولة ضعيفة ومجزأة، كما لا يمكن لسوريا أن تبني استقرارها على إنكار حقوق أحد مكوناتها.
إن سوريا الجديدة لا تحتاج إلى انتصار هوية على أخرى، بل إلى عقد وطني جديد يجعل الهوية السورية الجامعة مظلةً تتسع لكل هوياتها الفرعية. فالسوري لا يصبح وطنياً بالتخلي عن كرديته أو عربيته أو سريانيته أو أرمنيته، وإنما يصبح وطنياً عندما يشعر أن الدولة وطنه، وأن القانون يحميه، وأن حقوقه مصونة، وأن مستقبله مرتبط بمستقبل بلاده.
لقد أثبتت التجربة أن إنكار التنوع لا يصنع وحدة، وأن فرض هوية واحدة لا ينتج أمة متماسكة. أما الاعتراف المتبادل والمواطنة والعدالة والمساواة، فهي القواعد التي يمكن أن تجعل من سوريا وطناً مشتركاً لجميع أبنائها.
وعليه، فإن الطريق إلى حل القضية الكردية ليس في المفاضلة بين الكردية والسورية، وإنما في المصالحة بينهما داخل دولة سورية لامركزية ، متعددة وقادرة على احتضان مواطنيها جميعاً. عندها فقط تصبح الكردية جزءاً طبيعياً من سوريا، وتصبح السورية إطاراً جامعاً لا يلغي أحداً، بل يحمي الجميع
والسؤال الأهم : هل تستطيع سوريا الجديدة أن تبني وطنية تتسع لكرديتها كما تتسع لعروبتها وسريانيتها وأرمنيتها وسائر مكوناتها؟
إذا نجحت في ذلك، يصبح الانتماء الكردي جزءاً طبيعياً من الوطنية السورية، ويصبح الكردي قادراً على أن يقول ببساطة، ومن دون تناقض: أنا كردي، وأنا سوري، وكلا الانتماءين يعبران عني.
صحيفة نينار برس العدد 49 الاحد 4 تشرين الاول 2026