مسعود بارزاني والشعب الكردي في سوريا: لا تراهنوا على الخارج… ابنوا قوتكم وتفاوضوا مع دمشق «الاعتماد على الذات أولاً… تفاهموا مع دمشق ولا تراهنوا على الخارج».
بقلم الكاتب
شادي حاجي
قد تبدو هذه الكلمات للوهلة الأولى مجرد نصيحة سياسية، لكنها في الحقيقة تختصر درساً قاسياً من تاريخ المنطقة: الدول لا تمنح الآخرين حقوقهم إلى الأبد، والتحالفات الدولية لا تُبنى على العواطف، والمصالح الخارجية يمكن أن تتغير عندما تتغير الحسابات.
ولهذا تكتسب كلمات الرئيس مسعود بارزاني أهمية خاصة بالنسبة إلى كرد سوريا.
فالمطلوب ليس أن يدير الكرد ظهرهم للعالم، ولا أن يرفضوا الدعم الدولي، بل أن يدركوا أن الدعم الخارجي لا يمكن أن يكون بديلاً عن القوة السياسية الذاتية، ولا عن وحدة الصف والخطاب، ولا عن امتلاك مشروع سياسي قومي واضح للمستقبل.
لقد أثبتت السنوات الماضية أن القوى الدولية تستطيع أن تكون حليفاً في لحظة، وأن تعيد ترتيب أولوياتها في لحظة أخرى. ولذلك فإن الرهان الأساسي يجب أن يكون على قدرة الشعب الكردي نفسه على التفاوض، وعلى بناء تفاهمات سياسية وقانونية تحفظ حقوقهم القومية المشروعة داخل سوريا.
وهنا تأتي دمشق في قلب المعادلة.
فمهما كانت الخلافات السياسية عميقة، ومهما كان حجم الألم الذي حمله التاريخ السوري، فإن مستقبل الكرد في سوريا لا يمكن أن يُحسم بالكامل في واشنطن أو موسكو أو أنقرة أو طهران أو الرياض أو أي عاصمة أخرى. الحقوق التي يريدها الكرد في سوريا تحتاج في نهاية المطاف إلى اعتراف سوري، وإلى حماية دستورية وقانونية سورية.
ومن هنا فإن الحوار مع دمشق ليس، بحد ذاته، تنازلاً. التنازل الحقيقي هو أن يدخل أي طرف إلى التفاوض من دون رؤية سياسية استراتيجية أو ضمانات أو قدرة على الدفاع عن مصالحه.
المطلوب هو تفاهم واضح: حقوق كردية واضحة مقابل دولة سورية تتسع لجميع مكوناتها، ودستور يحمي المساواة، والهوية واللغة والثقافة، والمشاركة السياسية، ويمنع العودة إلى سياسات الإنكار والإقصاء.
وهنا تحديداً تكمن قيمة الرسالة التي يكررها الرئيس مسعود بارزاني: الواقعية السياسية لا تعني التخلي عن الحقوق، كما أن المطالبة بالحقوق لا تعني بالضرورة القطيعة مع الدولة في سوريا.
لقد وقف بارزاني وإقليم كردستان، سياسياً وإنسانياً، إلى جانب الشعب الكردي في سوريا في محطات صعبة. ولم يكن ذلك مجرد خطاب سياسي، فقد استقبل الإقليم اللاجئين السوريين، وقدم المساعدات، وأرسلت مؤسساته ومنظماته فرق الإغاثة والإنقاذ، بينما بقيت قضية الشعب الكردي في سوريا حاضرة في مواقف رئاسة وحكومة الإقليم ممثلة برئيس الاقليم نيجيرڤان بارزاني ورئيس الحكومة مسرور باراني واتصالاتهم السياسية والدبلوماسية.
وهذه مسؤولية لا تخص القيادة وحدها. شعب إقليم كردستان نفسه أثبت في أكثر من أزمة أن التضامن الكردي يمكن أن يكون فعلاً وممارسة، لا مجرد شعار.
لكن التضامن بين أجزاء كردستان والشعب الكردي لا يعني بالضرورة أن لكل جزء الظروف السياسية والقانونية ذاتها. وهذه حقيقة ينبغي الاعتراف بها بواقعية. فإقليم كردستان العراق له دستوره ومؤسساته وتجربته الخاصة، بينما يعيش كرد سوريا ضمن دولة سورية، ولذلك فإن حقوقهم المستدامة تحتاج إلى صيغة سورية سياسية ودستورية وقانونية.
من هنا، ربما تكون الرسالة الأهم في كلام الرئيس بارزاني هي أن الوقت ليس وقت انتظار المنقذ الخارجي.
إنها لحظة بناء البيت السياسي من الداخل: توحيد الرؤية، تخفيف الخلافات الكردية، تحديد المطالب بوضوح، والتوجه إلى دمشق ببرنامج سياسي وقانوني لا يقبل العودة إلى الماضي، ولا يغامر بالمستقبل.
أما دمشق، فعليها أن تدرك أن استقرار سوريا لا يمكن أن يقوم على إعادة إنتاج الماضي. فالقضية الكردية ليست قضية أمنية مؤقتة بل هي قضية سياسية تمس مصير شعب يناهز تعداده 15% من سكان سوريا ويعتبر القومية الثانية في البلاد، ومكون أصيل من مكونات المجتمع السوري التعددي، وأي حل مستدام يحتاج إلى الاعتراف بحقوقهم وترجمتها إلى ضمانات قانونية ودستورية قابلة للحياة.
بين بارزاني ودمشق وكرد سوريا تتبلور معادلة بسيطة في كلماتها، لكنها عميقة في نتائجها: لا ارتهان للخارج، ولا تنازل عن الحقوق، ولا استقرار من دون تفاهم.
وربما يكون هذا هو جوهر «الاعتماد على الذات» الذي يتحدث عنه الرئيس مسعود بارزاني: أن يعرف الكرد ماذا يريدون، وأن يتفقوا عليه، وأن يفاوضوا من أجله، وأن يجعلوا من حقوقهم قضية قانونية ودستورية لا ورقة مؤقتة في لعبة التحالفات الدولية.
فالحلفاء مهمون، لكن مستقبل الشعوب لا يُبنى بالوكالة.
كۆهدرز تمر في الآونة الأخيرة، تعالت الأصوات المتحدثة عن "الحرص على حياة الكورد السوريين" والمهاجمة المعارضين اتفاق "قوات سوريا الديمقراطية" (ا المنحلة)…
كۆهدرز تمر في الآونة الأخيرة، تعالت الأصوات المتحدثة عن "الحرص على حياة الكورد السوريين" والمهاجمة المعارضين اتفاق "قوات سوريا الديمقراطية" (ا المنحلة)…