محمدالشرف الحسيني
الفصل الخامس
من حرب تركيا إلى التنسيق معها
سؤال تمثيل الكورد
ربما كانت أكبر نقطة تحول في تاريخ الـPKK هي انتقاله من تنظيم يخوض حرباً مسلحة ضد الدولة التركية، إلى طرف أصبح ملفه جزءاً من مفاوضات سياسية تتجاوز حدود المعركة نفسها.
فأكثر من أربعة عقود من الصراع صنعت للتنظيم وزناً لا يمكن إنكاره.
خاض الـPKK، منذ عام 1984، صراعاً مسلحاً ضد الدولة التركية، ونجح خلال هذه العقود في الحفاظ على بنية تنظيمية وعسكرية عابرة للحدود، رغم الحملات العسكرية التركية المتكررة، ورغم التحولات الإقليمية والدولية الكبرى التي مرت بها المنطقة.
لكن استمرار الحرب شيء، وتحقيق الهدف السياسي شيء آخر.
وهنا يجب أن نميز بين الإنجاز التنظيمي والإنجاز السياسي.
فالـPKK أثبت أنه قادر على البقاء.
وأثبت أنه قادر على إعادة بناء نفسه.
وأثبت أنه قادر على نقل المعركة من جغرافيا إلى أخرى.
وأثبت أنه قادر على الدخول في صراعات متعددة، وأن يجعل وجوده جزءاً من الحسابات الأمنية لأربع دول، بل وللقوى الدولية أيضاً.
لكن السؤال الذي بقي قائماً طوال هذه السنوات هو:
إلى أين يقود كل ذلك؟
هل تقود القوة المسلحة إلى الدولة؟
أم إلى الحكم الذاتي؟
أم إلى تغيير النظام السياسي؟
أم إلى إعادة تعريف القضية الكوردية نفسها؟
أم أن الحرب أصبحت، مع مرور الزمن، هدفاً للحفاظ على التنظيم أكثر مما أصبحت وسيلة لتحقيق هدف سياسي محدد؟
هذه الأسئلة تصبح أكثر أهمية بعد التحول الذي بدأ في 2024 و2025.
ففي أواخر عام 2024 ظهرت مبادرة سياسية تركية جديدة تجاه عبد الله أوجلان، ثم دعا أوجلان، في شباط 2025، إلى إنهاء الكفاح المسلح وحل الـPKK، وأعلن التنظيم، في أيار 2025، قراره بحل نفسه وإنهاء الكفاح المسلح. وفي تموز 2025 بدأت خطوة رمزية لنزع السلاح، بإحراق مجموعة من مقاتلي التنظيم أسلحتهم في اقليم وحسب تعريف الpkk (شمال العراق.)
وهنا حدث شيء تاريخي.
فالـPKK، الذي بنى جزءاً كبيراً من هويته على المقاومة المسلحة، أصبح أمام اختبار مختلف تماماً:
ماذا يفعل بعد السلاح؟
فالسلاح كان يمنحه قوة تفاوضية.
أما السياسة فتحتاج إلى شيء آخر:
الشرعية.
والشرعية لا تُقاس بعدد البنادق.
هل كانت نهاية الحرب انتصاراً؟
الـPKK نفسه قدم التحول باعتباره ثمرة تاريخية لنضاله، بينما قدمت أنقرة التحول باعتباره خطوة نحو إنهاء الصراع المسلح وإقامة مرحلة جديدة خالية من الإرهاب.ونظرا الى المسالة بعين العفو واعادة تاهيل العاصين .
وهنا ينبغي ألا نخلط بين روايتي الطرفين.
فكل طرف يقرأ النتيجة من زاويته.
لكن النتيجة الواقعية التي يمكن ملاحظتها هي أن شكل الصراع تغير.
لم يعد السؤال الأساسي:
كم مقاتلاً يملك الـPKK؟
بل:
كيف ستتحول هذه القوة والتنظيم والخبرة المتراكمة إلى مشروع سياسي؟
وهنا تظهر معضلة كبيرة.
فإذا تحول الـPKK إلى قوة سياسية، فإن عليه أن يدخل في فضاء مختلف عن فضاء العمل السري والعسكري.
في السياسة، لا يكفي أن تكون قادراً على فرض وجودك.
بل تحتاج إلى إقناع الآخرين.
ولا يكفي أن يكون لديك تاريخ طويل من المقاومة.
بل تحتاج إلى برنامج يمكن أن يشارك فيه الآخرون.
ولا يكفي أن تكون لديك قيادة مركزية.
بل تحتاج إلى علاقة جديدة مع التعددية.
وهذا يقودنا مباشرة إلى سؤال التمثيل.
الفصل السادس
القوة العسكرية ليست تفويضاً شعبياً
لنفرض أن الـPKK يمتلك قوة عسكرية كبيرة.
لنفرض أنه يمتلك شبكة تنظيمية عابرة للحدود.
لنفرض أنه يمتلك حضوراً سياسياً واسعاً.
لنفرض أنه استطاع أن يصبح رقماً صعباً في تركيا والعراق وسوريا وإيران.
كل ذلك يمكن أن يكون صحيحاً، ومع ذلك لا تزال هناك مسافة بين القوة والتمثيل.
وهذه المسافة هي جوهر هذا البحث.
فالتمثيل السياسي له أكثر من معيار.
هناك القوة العسكرية.
وهناك الانتشار الجغرافي.
وهناك القدرة التنظيمية.
وهناك التأثير السياسي.
وهناك القاعدة الشعبية.
وهناك الانتخابات.
وهناك المؤسسات.
وهناك القبول من القوى السياسية والاجتماعية الأخرى.
ولا يمكن وضع كل هذه العناصر في سلة واحدة.
فقد يمتلك تنظيم ما السلاح ولا يمتلك الانتخابات.
وقد يمتلك حزب الانتخابات ولا يمتلك السلاح.
وقد يمتلك طرف ما الجغرافيا ولا يمتلك إجماعاً شعبياً.
وقد يمتلك طرف آخر شرعية انتخابية في منطقة محددة، لكنه لا يستطيع الادعاء بأنه يمثل جميع الكورد في أجزاء كوردستان الأربعة.
وهنا تحديداً يجب أن نكون دقيقين مع الـPKK.
فالـPKK استطاع أن يصبح قوة عسكرية وتنظيمية عابرة للحدود، لكن هذا لا يثبت وحده أنه حصل على تفويض شعبي لتمثيل جميع الكورد.
أربعة أجزاء ليست شعباً سياسياً واحداً
إن الحديث عن «كوردستان» باعتبارها وحدة جغرافية وتاريخية له مشروعيته في الخطاب القومي الكوردي.
لكن تحويل هذه الوحدة التاريخية إلى وحدة سياسية واحدة يحتاج إلى أكثر من الشعار.
فالكورد في تركيا يعيشون داخل دولة ذات نظام سياسي وقانوني مختلف.
وكورد العراق يعيشون منذ عقود تجربة سياسية ومؤسساتية خاصة.
أما كورد سوريا، فقد دخلوا بعد عام 2011 في تجربة مختلفة تماماً، ارتبطت بالحرب السورية، والصراع مع داعش، والتدخل الدولي.
أما كورد إيران، فلهم تاريخ سياسي واجتماعي مختلف، وواجهوا الدولة الإيرانية في سياقات متعددة.
إذن، القضية الكوردية واحدة في جوانب كثيرة، لكن الواقع السياسي ليس واحداً.
ومن هنا فإن أي تنظيم يريد أن يقدم نفسه ممثلاً للكورد في الأجزاء الأربعة يواجه سؤالاً لا يستطيع تجاوزه:
كيف حصل على هذا التفويض؟
هل من خلال الانتخابات؟ لا.
هل من خلال استفتاء عام للكورد في الأجزاء الأربعة؟لا.
هل من خلال توافق الأحزاب الكوردية؟ لا.
هل من خلال مؤسسات قومية كوردية منتخبة تجمع الجميع؟ لا.
إذن، يبقى المصدر الأساسي لهذا الادعاء هو القوة والانتشار والتاريخ التنظيمي.
وهذه عناصر مهمة، لكنها ليست مرادفة للتفويض الشعبي.
القوة تفرض الحوار، لكنها لا تمنح الاحتكار
هذه واحدة من أهم خلاصات البحث:
القوة تستطيع أن تفرض نفسها على طاولة التفاوض، لكنها لا تمنح وحدها حق احتكار التمثيل.
وهذا المبدأ لا ينطبق على الـPKK وحده.
بل ينطبق على كل الأحزاب والقوى الكوردية.
فلا الحزب الذي يملك السلاح يمثل الجميع.
ولا الحزب الذي يملك المال يمثل الجميع.
ولا الحزب الذي يملك المؤسسات يمثل الجميع.
ولا الحزب الذي يملك علاقات دولية يمثل الجميع.
التمثيل السياسي لا يصبح شاملاً إلا عندما تتوافر له قاعدة شعبية، ومؤسسات سياسية، وآليات قبول ومشاركة.
ولهذا فإن السؤال الحقيقي ليس:
هل الـPKK قوي؟
فالإجابة واضحة تاريخياً: نعم، لقد امتلك قوة وتأثيراً كبيرين.
السؤال الحقيقي هو:
هل قوته تساوي تمثيله؟
وهنا لا توجد نتيجة تلقائية.
هل قوته الحالية نتيجة تحوّر في شعاراته القومية؟
وهنا يبرز سؤال آخر أكثر حساسية:
هل التحول في شعارات الـPKK ومفاهيمه القومية يمثل تحوّراً سياسياً حقيقياً في مشروعه، أم أنه كان، في جانب منه، نتيجة للضغوط التي فرضها الواقع الإقليمي والدولي؟
وإذا كان الأمر كذلك، فهل يعني هذا أن التنظيم قد رضخ، إلى حد ما، للطرف الآخر، أو أعاد تعريف مشروعه بما يتلاءم مع الشروط التي فرضتها البيئة السياسية المحيطة به؟
الفصل السابع
هل يمثل الـPKK الكورد أم يمثل مشروعه الخاص؟
هذه النقطة هي الأكثر حساسية.
لأنها لا تتعلق بحجم الـPKK فقط، بل بطبيعة العلاقة بين مشروعه الخاص والقضية الكوردية العامة.
فالـPKK لا يخفي أنه يمتلك مشروعاً فكرياً وسياسياً خاصاً.
وقد تغير هذا المشروع عبر الزمن.
انتقل من الماركسية ــ اللينينية والكفاح من أجل الدولة القومية الكوردية إلى مفاهيم أخرى، من أبرزها الديمقراطية اللامركزية وغيرها، التي قدمها أوجلان باعتبارها بديلاً عن نموذج الدولة القومية.
وهذا التحول بحد ذاته مهم.
لأنه يعني أن الـPKK لا يكتفي بالقول:
أنا حزب كوردي أريد دولة كوردية.
بل يقول شيئاً مختلفاً:
أنا أمتلك تصوراً آخر لتنظيم المجتمع والسلطة والديمقراطية.
وهنا يصبح من حقنا أن نسأل:
إذا كان للـPKK مشروعه الفكري الخاص، فهل يمكن أن نساوي بين مشروعه وبين القضية الكوردية كلها؟
الجواب يحتاج إلى تمييز.
يمكن للـPKK أن يكون جزءاً مهماً من الحركة الكوردية.
ويمكن أن يكون له أنصار ومؤيدون.
ويمكن أن تكون له مساهمة تاريخية في الصراع الكوردي.
لكن هذا لا يعني أن مشروعه الفكري هو المشروع الوحيد الممكن للكورد، والمفروض عليهم كما يجري تصويره الآن.
المشكلة ليست في الاختلاف
ليس الاختلاف مع الـPKK مشكلة بحد ذاته.
بل على العكس.
الحركة السياسية الكوردية، مثل أي حركة سياسية أخرى، لا يمكن أن تكون حزباً واحداً، وفكراً واحداً، وقيادة واحدة.
المشكلة تبدأ عندما يصبح الاختلاف دليلاً على الخيانة، أو عندما يصبح قبول الآخرين مشروطاً بانضمامهم إلى مركز سياسي واحد.
فالتحالف بين الأحزاب ممكن.
والتنسيق ممكن.
والاتفاق على القضايا القومية الكبرى ممكن.
بل إن وحدة الموقف في القضايا المصيرية قد تكون ضرورية.
لكن الوحدة لا تعني إلغاء التعددية.
والمشروع القومي المشترك لا يعني أن يكون هناك مركز تنظيمي واحد يقرر عن الجميع.
وهنا تحديداً تظهر العلاقة بين الـPKK وبقية القوى الكوردية.
فإذا كان المطلوب من الأحزاب الكوردية الأخرى أن تصبح مجرد رديف لمشروع الـPKK، فإننا لا نكون أمام وحدة قومية حقيقية، بل أمام إعادة إنتاج مركزية تنظيمية واسعة على مستوى الحركة الكوردية.
أما إذا كان المطلوب هو التعاون بين قوى متساوية، مع احتفاظ كل طرف بمرجعيته السياسية والتنظيمية، فإننا نكون أمام مفهوم مختلف تماماً:
التعددية داخل الوحدة.
وهذا هو الاختبار الحقيقي لأي مشروع يدعي تمثيل الكورد.
من يملك الحق في تعريف المصلحة الكوردية؟
هذه ليست مسألة نظرية.
ففي العراق، هناك مشروع سياسي كوردستاني له مؤسسات وتجربة حكم.
وفي سوريا، هناك تجربة سياسية وعسكرية نشأت في ظروف الحرب، وهناك مجموعة أحزاب كوردية لها أجندة سياسية واضحة.
وفي تركيا، هناك حزب سياسي كوردي ــ ديمقراطي يعمل داخل النظام الانتخابي التركي، وهو مؤيد وحليف للـPKK، وإن كانت كلمة «كوردي» ممنوعة عليه قانونياً.
وفي إيران، توجد قوى كوردية مختلفة لها تاريخها ومواقفها.
كل هؤلاء لا يتفقون على مشروع سياسي واحد.
ومن غير الدقيق تحويل الخلاف بينهم إلى مجرد خلاف شخصي أو حزبي.
إنه اختلاف في:
الجغرافيا.
والتجربة.
والأيديولوجيا.
والتحالفات.
والأولويات.
وطريقة التعامل مع الدولة.
ومفهوم مستقبل القضية الكوردية.
ولهذا فإن السؤال ليس:
لماذا لا يتفق الجميع مع الـPKK؟
بل السؤال الأصح:
هل يستطيع الـPKK أن يقبل بأن يكون واحداً من مكونات الحركة الكوردية، لا مركزها الوحيد؟
وهذا السؤال سيحدد جزءاً كبيراً من مستقبل الحركة الكوردية بعد مرحلة السلاح.
الفصل الثامن
إذا كان الجميع يستثمر في الـPKK… فمن يستثمر في الآخر؟
نعود هنا إلى عنوان البحث نفسه:
الصراع على الـPKK.
لكن بعد كل ما سبق، يبدو أن العنوان يحتاج إلى قراءة مزدوجة.
فقد يكون هناك صراع على الـPKK.
لكن هناك أيضاً صراع داخل الـPKK نفسه على مستقبله.
تركيا تريد إنهاء قدرته المسلحة ضدها.
العراق يريد ضبط وجوده على أراضيه.
إيران تريد احتواء أي امتداد كوردي مسلح يمكن أن يهدد أمنها.
سوريا تريد إعادة بناء سيادتها على كامل أراضيها، بينما تبقى مسألة شكل العلاقة مع القوى الكوردية في الشمال والشرق جزءاً من التسويات الجارية.
الولايات المتحدة تريد منع عودة داعش، والحفاظ على ترتيبات أمنية مستقرة، مع استمرار حساسيتها تجاه العلاقة بين الـPKK والقوى الكوردية المسلحة في سوريا. وقد وصفت وزارة الخارجية الأمريكية الملف بأنه قضية «شديدة الحساسية والتعقيد»، مع تأكيدها استمرار تصنيف الـPKK تنظيماً إرهابياً، وفي الوقت نفسه أهمية عمل قسد في مكافحة داعش.
أما إقليم كوردستان، فيجد نفسه أمام معادلة أكثر صعوبة؛ فهو يريد حماية تجربته السياسية ومصالحه الأمنية والاقتصادية، وفي الوقت نفسه يعيش مع وجود الـPKK داخل جغرافية الإقليم وعلاقاته المعقدة مع تركيا وبغداد.
وهكذا يصبح الجميع أمام الـPKK، لكن ليس الجميع يريد الشيء نفسه منه.
تركيا: إنهاء الصراع وإعادة تعريفه
التحول التركي في ملف الـPKK يمثل أحد أهم تطورات المرحلة الأخيرة.
وفي المقابل، فإن تحول أهداف الـPKK نفسه يمثل مرحلة لا تقل أهمية أمام التنظيم.
فبعد عقود من الحرب، أصبحت الأولوية المعلنة هي إنهاء التنظيم المسلح وتحويل المرحلة إلى مسار سياسي وقانوني.
وهذا يعني أن تركيا تحاول نقل الصراع من الجبل إلى المؤسسات، وفق رؤيتها للقضية القومية الكوردية.
من السلاح إلى السياسة.
ومن التنظيم السري إلى الفضاء القانوني.
لكن نجاح هذا التحول لا يتوقف على قرار الـPKK وحده.
بل يتوقف أيضاً على شكل الترتيبات القانونية والسياسية التي ستأتي بعد نزع السلاح، وعلى قدرة الأطراف المختلفة على بناء ضمانات متبادلة.
ولهذا لا يمكن اعتبار إعلان الحل وحده نهاية نهائية لكل القضية؛ فالتحول من تنظيم مسلح إلى مسار سياسي يحتاج إلى مراحل طويلة.
وفي 2026، ظلت العملية نفسها تواجه خلافات حول ترتيب الخطوات والضمانات القانونية ونزع السلاح، وفق تقارير رويترز التي وصفت العملية بأنها لم تصل بعد إلى نهايتها الكاملة.
علماً أن تركيا تبدو غير مستعجلة في هذا الأمر.
سوريا: السؤال الأصعب
إذا كان الصراع التركي ــ الـPKK يتجه نحو نزع السلاح، فإن سوريا تطرح سؤالاً مختلفاً:
ماذا سيحدث للبنى المرتبطة بالـPKK خارج تركيا؟
فإنهاء الكفاح المسلح ضد تركيا لا يعني تلقائياً اختفاء كل البنى السياسية والعسكرية التي نشأت في سوريا.
ولهذا فإن سوريا قد تصبح الاختبار الحقيقي لفكرة «ما بعد الـPKK».
فإذا كان التنظيم قد قرر إنهاء الحرب المسلحة، فهل يعني ذلك أن القوى المرتبطة به ستعيد تعريف نفسها؟
وهل ستصبح قوى سياسية سورية محلية؟
هل ستندمج في مؤسسات الدولة السورية؟
هل تحتفظ ببنية مستقلة؟
أم أن المشروع سيستمر بأسماء وهياكل جديدة؟
هذه ليست أسئلة نظرية.
إنها أسئلة ستحدد شكل شمال وشرق سوريا ومستقبل العلاقة بين دمشق والقوى الكوردية وتركيا والولايات المتحدة.
وإن كانت الخطوات الحالية تشير إلى أن تركيا قد حققت نجاحاً كبيراً في هذا الاتجاه بعد سقوط نظام بشار الأسد.
العراق: نهاية الجغرافيا المفتوحة؟
العراق بدوره أمام سؤال واضح:
هل يمكن أن يبقى شمال العراق مساحة مفتوحة لتنظيم عابر للحدود بعد التحول الذي أعلن عنه الـPKK؟
إذا انتهت الحرب التركية ــ الـPKK، فإن وجود التنظيم في العراق يصبح بحاجة إلى تعريف جديد.
لماذا يبقى تنظيم أنهى كفاحه المسلح ضد تركيا محتفظاً بالبنية العسكرية نفسها في دولة أخرى؟
وهنا تصبح مسألة قنديل وسنجار وغيرها من مناطق الوجود المرتبط بالـPKK جزءاً من عملية إعادة ترتيب إقليمية أكبر.
وبعد سقوط نظام بشار الأسد، الحليف السابق لبغداد، تغيرت معادلة العلاقة السابقة بين بغداد وقسد بصورة كبيرة، في ظل التغيرات الجذرية التي حدثت في سوريا.
وقد ظهرت بالفعل خطوات رمزية لنزع السلاح في شمال العراق في تموز 2025، بمشاركة ممثلين أتراك وعراقيين وكورد، في إطار التحول الجديد.
لكن يبدو أن بغداد تريد استثمار الـPKK في شنكال في مواجهة مطالب أربيل.
إيران: ماذا بعد؟
أما إيران، فسيكون عليها أيضاً أن تتعامل مع مرحلة مختلفة.
فإذا انتهت الحرب المسلحة للـPKK، فإن السؤال سيعود إلى القوى الكوردية في إيران وإلى مستقبل PJAK وغيرها من التنظيمات المرتبطة فكرياً أو تنظيمياً بالمشروع نفسه.
وهنا قد نكون أمام إعادة تعريف واسعة لمفهوم التنظيم العابر للحدود.
السؤال الأكبر: ماذا بقي من المشروع؟
وهنا نصل إلى جوهر المسألة.
إذا كان الـPKK قد قضى أكثر من أربعين عاماً في بناء قوة عسكرية وتنظيمية عابرة للحدود، ثم وصل إلى مرحلة أعلن فيها إنهاء الكفاح المسلح، فإن التاريخ سيطرح عليه سؤالاً جديداً:
ماذا ستفعل بكل هذا الإرث؟
هل سيتحول إلى مدرسة سياسية؟
هل سيتحول إلى قوة مدنية؟
هل سيعيد بناء علاقاته مع الأحزاب الكوردية الأخرى؟
هل سيقبل التعددية؟
هل سيفصل بين القضية الكوردية العامة وبين مشروعه التنظيمي الخاص؟
هل سيصبح جزءاً من الحركة السياسية الكوردية؟
أم سيحاول الاحتفاظ بمركزية سياسية جديدة، ولكن بأدوات مختلفة؟
وهو ما يبدو عليه، وفق تصريحات قادته.
هنا بالضبط يتحدد مستقبل الـPKK.
فالمستقبل لن يختبر قدرته على القتال.
بل سيختبر قدرته على التحول.
الخاتمة
من الصراع على الـPKK إلى الصراع على القرار الكوردي
بعد كل هذه الرحلة، يبدو أن الصراع على الـPKK لم يكن في حقيقته صراعاً واحداً.
كان مجموعة صراعات متداخلة.
تركيا رأت فيه، لعقود، تهديداً أمنياً مباشراً.
العراق تعامل معه باعتباره قوة مسلحة عابرة للحدود فرضت نفسها داخل الجغرافيا العراقية.
إيران تعاملت مع الامتدادات المرتبطة به ضمن حساباتها الأمنية والإقليمية.
سوريا دخلت معه ومع القوى المرتبطة به في معادلة الحرب والسيادة ومستقبل الدولة.
الولايات المتحدة تعاملت مع القوى المرتبطة به بصورة وظيفية في الحرب على داعش، مع بقاء الـPKK نفسه مصنفاً لديها تنظيماً إرهابياً.
وإقليم كوردستان وجد نفسه في قلب هذه المعادلة، بين الجغرافيا الكوردية، والدول الإقليمية، والمصالح الدولية، ووجود الـPKK داخل أراضيه، وهو أمر مقلق لأمن إقليم كوردستان.
لكن المفارقة الأكبر أن الـPKK لم يكن مجرد أداة في يد الآخرين بالمطلق.
فكما حاولت الدول استثماره، حاول هو أيضاً استثمار تناقضاتها.
وهنا تصبح المعادلة أكثر وضوحاً:
الدول استثمرت في الـPKK، والـPKK استثمر في تناقضات الدول.
لكن كل هذا يقودنا إلى السؤال الذي يتجاوز الـPKK نفسه:
هل يستطيع أي تنظيم أن يتحول من قوة عسكرية إلى ممثل لشعب بأكمله بمجرد امتلاكه السلاح والتنظيم والانتشار؟
التاريخ لا يعطي جواباً بهذه البساطة.
فالـPKK يمتلك تاريخاً عسكرياً وتنظيمياً لا يمكن إنكاره.
ويمتلك تأثيراً إقليمياً واسعاً.
وأثبت طوال عقود أنه قادر على البقاء وإعادة إنتاج نفسه.
لكنه، في الوقت نفسه، لم يحصل على تفويض سياسي شامل من جميع الكورد في الأجزاء الأربعة.
وهنا يجب ألا نخلط بين التأثير والتمثيل.
فالتأثير يمكن أن تصنعه القوة.
أما التمثيل فيحتاج إلى قبول.
والقوة قد تجبر الخصوم على الجلوس إلى الطاولة.
لكنها لا تستطيع وحدها أن تجعل الطاولة ملكاً لها.
وأخيراً، هل حقاً يملك الـPKK من القوة والدهاء والإرادة ما يجعله طرفاً نداً في معادلة الاستثمار السياسي المتبادل؟
أم أن التنظيم بأكمله أصبح أسيراً للدول الإقليمية نتيجة خوضه هذه المباراة غير المتكافئة مع الجميع، بعدما وسّع دائرة نضاله السياسي والقومي لتشمل كل هذه الدول؟
ما بعد السلاح
وهنا تبدأ المرحلة الأصعب.
فبعد إعلان الـPKK حل نفسه وإنهاء الكفاح المسلح في 2025، ثم بدء خطوات رمزية لنزع السلاح، لم يعد السؤال المركزي هو:
هل يستطيع الـPKK مواصلة الحرب؟
بل: ماذا سيكون شكله السياسي بعد الحرب؟
وهذا السؤال لا يخص تركيا وحدها.
إنه يخص العراق وسوريا وإيران وإقليم كوردستان أيضاً.
لأن التنظيم الذي بنى نفسه على فكرة عابرة للحدود سيواجه الآن اختباراً عابراً للحدود:
هل يستطيع أن يتحول من تنظيم عابر للحدود إلى مشروع سياسي عابر للخلافات؟
وهنا تظهر أمامه ثلاث إمكانات عامة:
إما أن يتحول إلى قوة سياسية تقبل بالتعددية، وتعمل مع بقية القوى الكوردية باعتبارها قوى متساوية.
وإما أن يعيد إنتاج مركزيته القديمة بأدوات سياسية جديدة.
وإما أن تتوزع شبكاته وبناه المختلفة على مشاريع محلية متعددة، بحيث يصبح اسم الـPKK مرحلة تاريخية أكثر منه تنظيماً واحداً.
ولا يمكن حسم أي من هذه المسارات مسبقاً.
لكن يمكن القول إن مرحلة السلاح وضعت الـPKK أمام سؤال جديد لم يكن السلاح قادراً على الإجابة عنه:
سؤال الشرعية السياسية.
ومن يمثل الكورد؟
وهنا نصل إلى السؤال الذي كان يجب أن يكون في نهاية البحث منذ بدايته:
من يمثل الكورد؟
ليس من السهل أن تكون الإجابة: الـPKK.
وليس من الصحيح أيضاً أن نقول إن حزباً آخر يستطيع أن يدعي احتكار التمثيل.
فالحركة الكوردية ليست تنظيماً واحداً.
وليست قيادة واحدة.
وليست تجربة سياسية واحدة.
بل هي مجموع تجارب واتجاهات وأحزاب ومجتمعات وجغرافيات.
وإذا كان هناك درس يمكن استخلاصه من تاريخ الـPKK، فهو أن القوة تصنع لاعباً، لكنها لا تصنع وحدها أمة سياسية.
والأمة السياسية لا تحتاج إلى حزب واحد حتى تكون أمة.
بل تحتاج إلى أن تستطيع قواها المختلفة أن تختلف دون أن تتحول إلى أعداء، وأن تتفق دون أن يلغي أحدها الآخر.
من يملك القرار؟
ربما كان عنوان المرحلة القادمة ليس:
الصراع على الـPKK.
بل: الصراع على القرار الكوردي.
فبعد أن كان السؤال: من يملك السلاح؟
أصبح: من يملك السياسة؟
وبعد أن كان السؤال: من يستطيع أن يصمد؟
أصبح: من يستطيع أن يمثل؟
وبعد أن كان السؤال: من يستطيع أن يفرض نفسه على الدول؟
أصبح: من يستطيع أن يقنع شعبه؟
وهنا سيكون الامتحان الحقيقي لكل القوى الكوردية، وليس للـPKK وحده.
فالـPKK أمام امتحان التعددية.
والأحزاب الكوردية الأخرى أمام امتحان التعاون.
والقوى الإقليمية أمام امتحان احترام الإرادة السياسية للكورد.
والدول أمام امتحان الانتقال من إدارة القضية الكوردية أمنياً إلى التعامل معها سياسياً.
أما الكورد أنفسهم، فربما يكون امتحانهم الأكبر هو أن يدركوا أن القوة الكوردية لا تصبح أكبر عندما يحتكرها طرف واحد، بل عندما تتحول التعددية الكوردية إلى قوة مشتركة دون إلغاء الاختلاف.
وهنا فقط يمكن أن نعيد قراءة كل العقود الماضية.
فالـPKK لم يكن مجرد تنظيم مسلح.
ولم يكن مجرد ورقة في يد الدول.
ولم يكن مجرد مشروع كوردي.
كان كل ذلك في أوقات مختلفة، وبدرجات مختلفة.
كان تنظيماً يقاتل دولة.
وكان قوة عابرة للحدود.
وكان ورقة في صراعات إقليمية.
وكان لاعباً يستثمر في تناقضات خصومه.
وكان شريكاً وظيفياً لقوى دولية في الحرب على داعش عبر القوى المرتبطة به.
وكان، في الوقت نفسه، صاحب مشروع فكري وسياسي خاص.
ولهذا فإن اختزاله في صورة واحدة يظلم التاريخ.
لكن اختزاله في صورة الممثل الوحيد للكورد يطرح مشكلة أكبر.
فالتمثيل ليس جائزة تمنحها أربعون سنة من الحرب.
والقضية القومية ليست ملكاً لتنظيم.
والذاكرة الكوردية ليست سجلاً حزبياً.
والقرار الكوردي لا ينبغي أن يكون رهينة لبندقية واحدة، ولا لعاصمة واحدة، ولا لحزب واحد، ولا لتحالف واحد.
وفي النهاية، ربما يكون السؤال الأهم الذي تركه لنا الصراع على الـPKK هو:
إذا كان الجميع قد حاول الاستثمار في الـPKK، وإذا كان الـPKK قد حاول الاستثمار في الجميع، فمن الذي استثمر في بناء القرار الكوردي المستقل؟
ذلك هو السؤال الذي يتجاوز الـPKK.
ويتجاوز تركيا.
ويتجاوز سوريا والعراق وإيران.
ويتجاوز حتى الأحزاب الكوردية نفسها.
إنه سؤال المستقبل:
هل يستطيع الكورد أن ينتقلوا من مرحلة الصراع على من يمثلهم إلى مرحلة بناء نظام سياسي يستطيع أن يمثل اختلافاتهم جميعاً؟
فحين يصبح السلاح سياسة، تصبح الشرعية هي السلاح الحقيقي.
وحين يصبح التنظيم حزباً، يصبح الشعب هو المرجعية.
وحين ينتهي زمن الحرب، يبدأ الامتحان الأصعب:
من يملك القدرة على صناعة السلام، لا من يملك القدرة على صناعة الحرب؟
وهنا، ربما، لا تنتهي قصة الـPKK.
بل تبدأ قراءته التاريخية الجديدة.
لكن ثمة سؤالاً آخر يفرض نفسه، وربما يكون أكثر عمقاً من كل ما سبق:
فبعد هذا التحول الكبير في خطاب الـPKK، وخاصة بعد طرحه السفسطائي البسيط للقضية القومية الكوردية في الدول المعنية، هل أصبح التنظيم يقدم نفسه بوصفه ممثلاً للشعب الكوردي في جميع أجزاء كوردستان، بينما يرفع في الوقت نفسه شعارات «أخوة الشعوب» و«اللاقومية» و«الاندماج»؟
وإذا كان الأمر كذلك، فإن المفارقة تبدو واضحة:
فالدول المعنية، التي كانت تنظر إلى المطالب القومية الكوردية بوصفها مصدر قلق وتهديد، تجد نفسها اليوم أمام خطاب جديد ينسجم، في جانب منه، مع مصالحها ورؤيتها؛ خطاب يقول، بصورة أو بأخرى: أخوة الشعوب، واللاقومية، والاندماج.
وهنا يبدو المشهد، في قراءتي، وكأن الصيد الذي كان ثقيلاً وصعب المنال أصبح فجأة سهلاً؛ وكأن بعض هذه الدول تقول:
نعم، هذا هو الرأي الذي نريده من الـPKK: أخوة الشعوب، واللاقومية، والاندماج.
لكن المفارقة الأكثر إثارة هي أن هذا الطرح يأتي من طرف كوردي، بل من تنظيم يطرح نفسه اليوم ممثلاً للشعب الكوردي في جميع أجزاء كوردستان.
وهنا يبرز السؤال الذي سيأخذنا إلى الجزء القادم:
هل باستطاعة الـPKK، بعد كل هذه التطورات والتحولات والتمحورات والتغيرات في مشروعه، أن يعيد طرح القضية القومية الكوردية من منطلق حق الشعوب في تقرير مصيرها، وفقاً للمبادئ التي تأسس عليها الحزب؟
وهل يستطيع، بعد كل ما حدث، أن يعود إلى أصل المسألة القومية التي انطلق منها، أم أن التحولات التي مر بها التنظيم جعلت العودة إلى ذلك الخطاب أمراً بالغ الصعوبة؟
والسؤال الآخر، وربما الأكثر أهمية:
هل يستطيع الـPKK الاستمرار في معادلة الاستثمار السياسي الإقليمي، أم أن هذه اللعبة قد بلغت نهاية المطاف، وأن التنظيم وصل إلى مرحلة أصبح فيها مضطراً إلى دفع ثمن الاستثمارات السياسية التي راكمها طوال عقود؟
ذلك ما سنحاول بحثه في:
الجزء الثالث