مصطفى عبد الوهاب العيسى
نُجحف كثيراً بحق سوق دمشق للأوراق المالية إذا قلنا إنه لم يشهد أي تغيير منذ سقوط النظام ، رغم أننا نأمل – بطبيعة الحال – أن نشهد تغييراً أكبر بكثير ، أو على الأقل أن نرى ما صدر عن وزير المالية من تصريحات بشأن بورصة دمشق وما ستشهده خلال المرحلة المقبلة ، وهي تصريحات قد يكون بعضها مبالغاً فيه ، وربما كان أقرب إلى العاطفة والتفاؤل منه إلى توصيف واقعي ودقيق لما يمكن أن تشهده السوق خلال الفترة المقبلة .
حين تُشكِّل صفقة واحدة الجزء الأكبر من إجمالي تداولات الجلسة ، فإن بورصة دمشق تبقى بورصة بالفعل ، ولكن ليس بالشكل الذي توحي به تصريحات رسمية عن مستقبلها وتطورها ، ولا بالمستوى الذي يُفترض أن تؤديه سوق مالية في الاقتصاد .
قبل أسبوع ولثلاثة أيام متتالية ، لم تتجاوز قيمة التداولات في بورصة دمشق 150 ألف دولار ب 200 صفقة تقريباً ، وفي الوقت ذاته بلغت القيمة السوقية – وفق اتحاد البورصات العربية – لسوق دمشق للأوراق المالية نحو 2.11 مليار دولار !!!
نعم ، شهدت السوق تطوراً مقبولاً في البنية التقنية والفنية ، وكذلك الخدمات الرقمية ، وهذا أمر يُحسب لها ولا يُنكره إلا جاهل ، ولكن السؤال الأهم يبقى : هل نستطيع اليوم البيع والشراء في بورصة دمشق بالسهولة والسرعة والمرونة المطلوبة؟! وهل يستطيع المستثمر الدخول إلى السوق والخروج منها من دون أن يواجه محدودية السيولة أو صعوبة في تنفيذ الصفقات بما يتناسب مع طبيعة الأسواق المالية الحديثة؟!
نعم ، هي بورصة من الناحية القانونية ، وهي موجودة على أرض الواقع ، ولكن السؤال الذي ينبغي طرحه بجدية هو : هل تؤدي بورصة دمشق اليوم بعد أكثر من عام على إعادة تفعيلها الوظيفة الاقتصادية المنوطة بها والمرجوة منها كما تفعل البورصات في دول أخرى ؟!!.
المقارنة بين وضع السوق اليوم ووضعها قبل التحرير أراها غير منصفة إذا تناولناها من زاوية البيئة المالية والاقتصادية التي كانت متهالكة في عهد نظام الأسد ، فضلاً عن العقوبات والحصار والقيود التي أثرت بصورة مباشرة في الاقتصاد السوري حينها ، ولكن المقارنة تصبح منصفة – بل ضرورية – إذا كنا نتحدث عن نظام شديد التدخل في السوق إلى درجة تجاوزت الرقابة والتنظيم بكثير ، ولعل أبسط مثال على ذلك هو الحصة السوقية للمصارف – والتي لا تزال على حالها – المشابهة في سوقنا للأوراق السياسية أحزاب الجبهة الوطنية التقدمية في الحياة السياسية آنذاك .
وهنا تحديداً تكمن المسافة التي لا تزال بورصة دمشق بشقيها المالي والسياسي بحاجة إلى قطعها بين أن تكون “بورصة قائمة” وأن تكون “بورصة فاعلة” تؤدي الوظائف الاقتصادية والسياسية التي يُنتظر منها أن تؤديها .
أعارض ـ منفرداً ـ جميع المختصين الذين يرون أن سوق دمشق للأوراق المالية نشأ قبل عشرين عاماً من الناحية القانونية ، وقبل ذلك بقليل من الناحية الفعلية ، كما أعارض كذلك المطبلين لرؤية بشار الأسد و “مسيرة التطوير والتحديث” التي أنشأت سوق دمشق للأوراق المالية ، ولدي الأسباب المنطقية والروايات التاريخية التي أُحاجج بها ، والتي ليست موضوعنا في هذا المقال .
وكذلك أعارض من يرى أن سوقنا في دمشق للأوراق السياسية سوق افتراضية ، وإن وُجدت فهي تعود إلى مرحلة الاستقلال ، وليس أكثر من ذلك ، وأراها ـ وفقاً للتاريخ أيضاً ـ قد تبلورت قبل الحقبة الأموية بخمسة قرون على أقل تقدير .
إن سوقنا الحالية للأوراق السياسية هي امتداد لسوقنا السابقة ، وجوهر السوق لم يتغير ، وإن كان سوق دمشق للأوراق المالية يمر بمرحلة انتقال وإعادة بناء ، وتُشكر جهود المخلصين القائمين عليه والحالمين بسوق رائدة في المنطقة ، فإن سوقنا المنشودة للأوراق السياسية لم تبدأ بعد عملية البناء ، أو أن عملية البناء تتم – مع الأسف – بصورة خاطئة .
من الأمن والقوى العسكرية ، ووجود سلطة التشريع وفرض الضرائب ، والتعيينات الحكومية المحاطة بألف إشارة استفهام ، وصولاً إلى الانفراد بالسياسة الخارجية ، كانت تلك أوراقاً سياسية في حوزة نظام الأسد .
دمشق ، أحسب أنها مدركة أن جميع الأوراق السياسية التي في حوزتها اليوم كانت بحوزة النظام السابق ، وهي ليست الأوراق المطلوبة لسوق سياسية حقيقية تتشكل السياسات فيها كما تتشكل الأسعار – بقوى السوق الفعلية – في السوق المالية .
الأوراق السياسية التي لا تكون استثماراً سياسياً إيجابياً على المدى الطويل ، وتحقق تنمية سياسية مستدامة ، وترفع من رأسمال الحقل السياسي والقيمة السوقية له إقليمياً ودولياً ، لا يُنصح بتداولها .
الثقة والسمعة السياسية أولاً ، والحرية السياسية ثانياً ، هما المؤشران اللذان ينبغي أن يتصدرا شاشات التداول السياسي في سوريا من أجل كسب الحلفاء ، وخفض عدد الأعداء ، والتأثير في الموقف الشعبي وغليان الشارع الذي يفتقر اليوم إلى كل شيء حرفياً ، وفي المقدمة العدالة من الألف إلى الياء .
أسهم حزب البعث – على سبيل المثال لا الحصر – وما شابهها من أسهم فساد ومحسوبيات واختلاسات لا تزال متداولة ، وحققت لوبياتها وشركاتها المدرجة في السوق أرباحاً لا بأس بها ، في حين تنخفض قيمة أسهم الشهداء والأكفاء والثوار يوماً بعد آخر ، وربما تُشطب شركاتهم أصلاً من السوق الحالية لأنها برأي “السوق السياسي” لم تستوفِ معايير الإفصاح والحوكمة وو .. الخ ..
إن كنا نتساءل عما إذا كانت بورصة دمشق أداة فعلية للتمويل والاستثمار في اقتصاد يبحث عن فرصة للتعافي والانفتاح ، فإن سؤالنا الذي لن تجيبنا عنه الأرقام والإحصاءات الرياضية هو :
هل تستطيع سوق دمشق للأوراق السياسية أن تهجر السوق القديمة ونظرياتها الكلاسيكية ، وأن تتحول إلى سوق حقيقية تُنتج وتبتكر وتُصدِّر سياسات تكون أنموذجاً يُحتذى به في النظريات السياسية الحديثة؟!.



