صديق ملا
الحقيقة التي لا يمكن تجاهلها أو غض النظر عنها هي أن الحضور السياسي الكردي في الشرق الأوسط لم يعد ظاهرة هامشية أو مسألة داخلية محصورة بإطار الأقليات القومية ، بل تحول هذا الحضور إلى عامل إقليمي مؤثر يتقاطع مع حسابات الدول، وصراعات القوى، وتحولات النظام الإقليمي برمته.
وهناك من يرى أن هذا التحول كان انعكاساً مباشراً لاختلافات بنيوية أصابت بنية الدولة الوطنية في المنطقة، وتزايد الاعتماد الدولي على الفواعل غير الدولتية في إدارة الأزمات ، واحتواء التهديدات ، وإعادة ضبط موازين القوى.
وجدير بالذكر أن الدور السياسي الكردي المتنامي إنما يأتي في إطار السياق الطبيعي لتطور الكيانات الكردية “الاجتماعية والقومية” ذات الخصوصية في الدولة الواحدة. فتمايز الكرد وخصوصيتهم المستندة إلى ثقافة ولغة وقيم خاصة تدفعهم إلى المطالبة بمعادلة خاصة تفرز تدريجيا دورا سياسيا قد يتجاوز الحدود السياسية والجغرافيا للبلد الأمر الذي دفع القوى السياسية والاجتماعية و الاقتصادية للكرد إلى محاولة توظيف العلاقات الخاصة مع قوى الداخل ((الدولة التي ينتمون إليها)) وقوى الخارج ولا سيما القوى الدولية والإقليمية لتكريس واقع جديد يجعل منهم حقيقة لا يمكن تجاوزها في أية تسويات إقليمية أو ترتيبات سياسية وأمنية سواء كان ذلك في “العراق أو تركيا أو إيران أو سورية” كما وأن الشعب الكردي لم يقف في يوم من الأيام وخلال تاريخه الطويل في وجه إرادة الشعوب العربية والفارسية والتركية في خياراتهم الوطنية وإنما كانوا جزءا من النسيج الاجتماعي والتاريخي لتلك الدول. ولم يشكلوا عائقا أمام تطورها لابل ساهموا في الدفاع عنها والانخراط في مؤسساتها وعلى كافة المستويات حيثما أتيحت لهم الفرصة. لكن للأسف دوما كان هذا التعاطي الإيجابي وتلك الروح الوطنية لدى الكرد تصطدم بحاجز الشوفينية والتمييز العنصري، والنظر إلى الكردي على أنه عدو مفترض.
ولم تتوانَ هذه الدول عن حبك المؤامرات وتوقيع الاتفاقات، وتشكيل لجان أمنية ، للتنسيق فيما بينها ضد مطالب الكرد وتجابه خيارات الكرد من أجل إقامة أنظمة ديمقراطية تحقق المساواة والعدالة الاجتماعية ومراعاة حقوقهم المشروعة بالعنف وشن عمليات عسكرية لقمع أي تحرك كردي للمطالبة بحقوقه. حيث وصل الأمر الى أن تكون السيادة الوطنية لتلك الدول غير ذات أهمية بالنسبة لحكوماتها إذا ما قابل ذلك ضمان القضاء على الكرد كاتفاقهم على السماح بالتدخل وتجاوز الحدود في أي جزء كردستاني وملاحقتهم في أراضي الدول الأخرى المجاورة. ما يؤكد فشل هذه الدول في احتواء واستيعاب التنوع القومي والتعدد الثقافي، وإقامة الدولة الوطنية القائمة على المساواة وإشراك مواطنيها في مفاصل الدولة وضمان حقوق الجميع في الدساتير والقوانين المرعية أيا كانت انتماءاتهم.




