أحمد بلال
الاستفادة من التناقضات بين الدول التي كانت تتحكم بأجزاء كوردستان كانت إحدى الوسائل التي لجأت إليها الحركات والأحزاب الكوردستانية في مراحل مختلفة من تاريخها. وكان حزب العمال الكوردستاني من أكثر الأحزاب الكوردستانية التي حاولت الاستفادة من هذه التناقضات، ويأتي إلى جانبه الحزب الديمقراطي الكوردستاني في العراق والاتحاد الوطني الكوردستاني.
والاتحاد الوطني الكوردستاني نفسه تأسس في دمشق عام 1975، بقيادة الراحل جلال طالباني، واتخذ من دمشق مقراً له في مرحلة من تاريخه.
أما الحركة الكوردية في سورية، فلم تستطع، برأيي، أن تستفيد بالقدر نفسه من التناقضات بين الدول الأربع التي اقتسمت كوردستان وسيطرت على أجزائها.
وكان الأستاذ صلاح بدر الدين من الذين حاولوا خوض هذه التجربة، مستفيداً من علاقته بمنظمة التحرير الفلسطينية وزعيمها ياسر عرفات «أبو عمار»، حيث ذهب بوساطته إلى بغداد والتقى صدام حسين.
لكن، ونتيجة الضغوط والاعتراضات داخل الحركة الكوردية، لم يتمكن من الاستمرار في تلك المحاولة والاستفادة من التناقضات بين الأنظمة المسيطرة على أجزاء كوردستان. وما زال الأستاذ صلاح بدر الدين، حتى اليوم، يدفع ثمن تلك المرحلة، إذ يصفه البعض بصفات مثل «الانتهازي» أو «العميل للنظام» وغيرها من الاتهامات.
وأنا أرى أن الاستفادة من تلك التناقضات واللعب عليها ليست خيانة بحد ذاتها. فطبيعة تقسيم كوردستان بين أربع دول لم تترك أمام الحركة الكوردية خيارات كثيرة، وكان من الطبيعي أن تحاول الاستفادة من الخلافات والتناقضات بين هذه الأنظمة لتحقيق شيء من أهدافها القومية والسياسية.
لكن المشكلة لم تكن في إقامة العلاقات أو الاستفادة من التناقضات، وإنما في أن بعض هذه الأنظمة استطاعت، للأسف، أن تستغل الحركات الكوردستانية في صراعاتها الإقليمية، وأحياناً على حساب الكورد في الجزء الآخر من كوردستان.
ومن أكثر الأنظمة التي استفادت من هذا الواقع نظام حزب البعث في دمشق، بقيادة حافظ الأسد. فقد رفع النظام آنذاك شعار دعم حركات التحرر في العالم، وتعامل مع بعض الحركات الكوردستانية على هذا الأساس، لكنه، في الوقت نفسه، لم يكن يعترف بوجود قضية كوردية في سورية كما كان يعترف بوجودها في الأجزاء الأخرى من كوردستان.
وللتاريخ أقولها: لقد تعاملت بعض أطراف الحركة الكوردستانية مع هذه السياسة، وأخذت بنصائح حافظ الأسد لقادتها. وأقول «نصائح» ولا أقول «شروطاً».
وبرأيي، ظهرت نتائج ذلك لاحقاً على الواقع الكوردي في سورية بشكل واضح، حيث جرى تهميش الشخصية السياسية الكوردية السورية وتقزيم دورها المستقل، إلى درجة أن قسماً من كورد روژآفا أنفسهم اقتنعوا بأن قوتهم وحمايتهم لا يمكن أن تتحققا إلا بالاحتماء تحت عباءة كاك مسعود بارزاني، أو تحت عباءة مام جلال طالباني، رحمه الله، بينما رأى قسم آخر، وهو كبير أيضاً، أن أوجلان هو الحامي، وأنه لا حياة سياسية كوردية من دونه.
وهكذا، برأيي، تراجعت الشخصية السياسية المستقلة للكورد في سورية، وأصبح القرار والتفكير السياسيان مرتبطين، إلى حد كبير، بمراكز وقوى كوردستانية خارج سورية.
إن التواصل والعلاقات الأخوية بين الكورد في الأجزاء الأربعة من كوردستان حق طبيعي، بل وضرورة قومية وإنسانية. وليس من الطبيعي أن تقطع الحدود السياسية التي رسمتها الدول روابط شعب واحد وتاريخه وثقافته.
لكن غير الطبيعي هو أن تمر هذه العلاقات عبر الأنظمة التي سيطرت على أجزاء كوردستان، وأن تتحول الحركة الكوردية في جزء ما إلى أداة تستخدمها دولة ضد الكورد في جزء آخر.
فالاستفادة من تناقضات الدول شيء، والتحول إلى أداة في يد تلك الدول شيء آخر تماماً.
وللحديث تتمة.



