مقالات

في الانسحاب العسكري الأمريكي من العراق والاقليم

صلاح بدرالدين

استحوذ الانسحاب العسكري الأمريكي من العراق على اهتمام واسع من جانب المراقبين ، ووسائل الاعلام المحلية والعالمية ، اعتبره البعض دفعا باتجاه سحب السلاح عن الفصائل والميليشيات المسلحة في المهلة الجديدة المحددة بشهر حزيران من العام المقبل ، ونظر اليه البعض الآخر كانتصار لنظام طهران ، وفي كلتا الحالتين لم يكن الانسحاب بالامر المفاجئ  ، فالسياسات الامريكية تزخر بمثل هذه  الانسحابات عندما تقتضي مصالحها الاستراتيجية ، ففي العراق وحده حصلت ثلاث ( انسحابات ) منذ سقوط الدكتاتورية ، ومازال انسحابها من أفغانستان محل جدل واسع .

الانسحاب العسكري الأمريكي ورتله الأخير قبل أيام من إقليم كردستان العراق بدوره لم يكن امرا مستغربا فالتاريخ الكردي المعاصر يحمل الكثير من خذلان الدول الكبرى للشعب الكردي ، وتركه وحيدا بين انياب الذئاب العنصرية المحلية ، ليس بالضرورة ان يكون الانسحاب عسكري كما يتم الان ، وكما حصل مع قوات الجيش الأحمر المنسحب من ايران وآذربيجان وكردستان وراحت ضحيتها جمهورية مهاباد ، بل يمكن للانسحاب ان يكون سياسيا برفع الغطاء السياسي والمعنوي ، وكلا الحالتين  مرسومتان بالذاكرة الكردية منذ عقود .

رغم مشاعر القلق المشروع من جانب الحريصين على إنجازات الإقليم ، وعلى امن وسلامة شعب كردستان العراق ، والتجربة النموذجية الفذة في حل القضية الكردستانية حسب إرادة الشعب ، لايمكن المقارنة بين حالتي – مهاباد – و – أربيل – فالتجربتان تختلفان من حيث الزمان والمكان ، والعوامل الذاتية والظروف الإقليمية والدولية السائدة ، فهناك أولا نوع من التفاهم بين – أربيل – و – بغداد – خصوصا حول المسائل العسكرية والأمنية ، وهناك فيدرالية كردستانية اقرها الدستور العراقي وأصبحت واقعا متأصل الجذور ، وهناك خبرة مكتسبة لقادة الإقليم تجعلهم يبحثون عن افضل السبل لتوحيد قوى البيشمةركة ، وتفعيل المؤسسات الدستورية التشريعية ، والتنفيذية قبل فوات الأوان التي طالت معالجتها بكل اسف من دون مبررات مقنعة للمراقب المستقل ، ولاصدقاء شعب كردستان العراق في العالم .

لاشك ان العقود الأخيرة شهدت تطورا إيجابيا في علاقات الإقليم مع الولايات المتحدة الامريكية ، وبلدان الغرب عموما ، وقدم هؤلاء الحلفاء الكثير من الدعم المادي ، والعسكري و المعنوي لإقليم كردستان ، وشكلت تلك العلاقات عامل قوة ، بل انها ستبقى كذلك في الأجواء المضطربة بالمنطقة ، وفي ظل التصعيد المستمر للاعتداءات الإيرانية وميليشياتها العراقية المسلحة حيث بلغت ضربات المسيرات ، والصواريخ نحو الف في الفترة الأخيرة ، فهل  سينهي الانسحاب العسكري الأمريكي ( والحلفاء ) من الإقليم العلاقات السياسية أيضا ؟ .

بحسب التصريحات الأخيرة لقادة الإقليم فان العلاقات الحسنة ستتواصل مع ( الحلفاء ) وفي مقدمتهم أمريكا ، وان هناك مصالح استراتيجية مشتركة في الجوانب الاقتصادية خصوصا بالنفط والغاز وطرق الامداد ، والأمنية ، وفي مواجهة الإرهاب ، وان البديل الراهن للحماية العسكرية للإقليم سيستند الى العمل المشترك بين الإقليم والعاصمة الفيدرالية ، كما ان التقدم التكنولوجي في مجال الطيران العسكري ، والجيل الجديد من الصواريخ ، والمسيرات لم يعد يعتمد على القوات البرية ، وان الغطاء العسكري الأمريكي سيستمر بطريقة أخرى .

وفي هذا السياق ”  صرح  الدبلوماسي الأمريكي الأسبق – زلمان خليل زاد – على أن الانسحاب لا يعني إنهاء الروابط المشتركة، بل يفرض استمرار التنسيق العسكري والتعاون الوثيق بين إقليم كوردستان وبغداد والولايات المتحدة لضمان الاستقرار، معتبراً أن إدارة هذه الشراكة بكفاءة أمر حيوي لأمن البلاد”.

امام هذه التطورات التي يعتبرها البعض – درامية – بمايتعلق بالانسحاب العسكري الأمريكي ، من غير المستبعد تحرك مضاد من جانب  اطراف دولية وإقليمية ، مثل – ايران – و – روسيا الاتحادية – للاصطياد في المياه العكرة كمايقال ، وبث الشائعات ، والترويج لمخاوف مصطنعة عبر عملائها المحليين ، ووسائل الاعلام ، كما انه من غير المستبعد أيضا ان تتحرك جماعات كردية تعيش على الازمات ، وتستفيد من تبعات التحولات المرحلية لتستعيد وجودها وتستغل مثل هذه الظروف لمصالحها الخاصة .

هل وجدت هذا المقال مفيدًا؟

رأيك يساعدنا في تحسين المحتوى

75% من القراء أعجبهم المقال
(4 تقييم)
0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments

مقالات أخرى